الوضع المظلم
الأحد ١٤ / أغسطس / ٢٠٢٢
Logo
  •  الروس ينعون اللجنة الدستورية.. فمتى تنسحب المعارضة منها؟

 الروس ينعون اللجنة الدستورية.. فمتى تنسحب المعارضة منها؟
عمار ديوب

أطلق لافرتييف، مندوب الرئيس الروسي إلى سوريا، قبل عدّة أيامٍ، تصريحات إعلامية، تفيد بأن ليس هناك إمكانية لتغيير النظام السوري، ورئيسه باقٍ، وليس من مهام اللجنة الدستورية ذلك التغيير، وعلى المعارضة أن تعي ذلك جيداً، وتقتنع به.

روسيا بذلك تشطب أيّة مبررات لاستمرار اللجنة تلك، وهذا ما أعلنته مجموعات مُعارِضة كثيرة من قبل، وطالبت أن ينحسب وفد المعارضة ووفد المجتمع المدني منها نهائياً. الوفود الأخيرة، ما زالت تؤكد أنّها متمسكة باللجنة، وصرّح الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة بذلك رسميّاً، ورَفضَ تصريحات المندوب "السامي"، أي أن أهم مؤسسة تابعة للمعارضة، ويفترض أنها المشرفة على هيئة التفاوض ووفد اللجنة الدستورية ووفد لقاء أستانا وسواها، ما زالت متمسكة بما يرفضه الروس، وبمسار أستانا، الذي تعدّت جلساته سبعة عشر، ولعب دوراً مركزياً في تطبيق مناطق التصعيد، واستعادة النظام لها، باستثناء إدلب. إن اشتراك مؤسسات المعارضة بتلك المسارات، يعدُّ مشاركة في المجزرة المستمرة في سوريا منذ 2011، حيث لم يتوقف النظام وحلفاؤه عن ارتكابها، وبالتالي إن الاستمرار بالمشاركة بها، هو بمثابة غطاء لما يفعله النظام وحلفاؤه بالمدن السورية.

إن تصريحات المندوب، تأتي على خلفية التصعيد الكبير بين روسيا وأمريكا وحلف الأطلسي بخصوص أوكرانيا، ورفض الأخيرة إعطاء الروس ما يرغبون به من اتفاقيات أمنية، تضمن عدم انضمام أوكرانيا أو جورجيا إلى الحلف، والإقرار لروسيا بحقها في حماية أمنها الأوراسي وتفكيك القواعد العسكرية للناتو من دول أوربا الشرقية ودول البلطيق، وعكس ذلك، راحت أمريكا تدعم بشكلٍ محدود أوكرانيا بالأسلحة، وتهدّد روسيا بعقوبات أكثر تشدداً، وأخطر في حال اجتاحت أوكرانيا؛ الاجتماعات التي بدأت يوم الاثنين، 1-1-2022، وهناك أخرى، يوم الأربعاء والخميس، بين مسؤولين روس وأوربيين وأمريكان، لن تأتي بجديدٍ يخفف من سياسة حافة الهاوية لتي تعتمدها روسيا إزاء أوكرانيا، ويبدو أنها تعتمدها مع أمريكا وأوروبا مؤخراً.

إن الحديث القاطع للمندوب بعدم الفائدة من الوصول إلى دستور جديد ورفض أي دستور يحدُّ من صلاحيات رئيس الجمهورية السورية، يؤشر إلى مرحلة جديدة في تأزّم العلاقات الدولية بين الدول المتدخلة في سوريا. بالنسبة للإدارة الأمريكية ليست بوارد تغيير سياستها في سوريا، من حيث البقاء فيها حالياً، ودعم قسد، وهذا عكس استراتيجية الروس بخصوص أمريكا، حيث تعتقد أن الأخيرة ستنسحب من سوريا. ونظراً للخلاف المتصاعد حول أكرانيا فقد تدعم الإدارة الأمريكية المواقف التركية، وبالتالي يصبح الروس بموقفٍ ضعيفٍ للغاية مما يجري في سوريا وأوكرانيا أيضاً.

من الخطأ عزل مناطق التوتر العالمية حالياً عن بعضها، وإذا كانت أوكرانيا تتشدّد ضد الروس وتنتقد ضعف الدعم العسكري الأمريكي والأطلسي، فإن المعارضة السورية رهينة التوافقات بين الروس والأتراك والإيرانيين، وسيتغير موقفها في حال صعّدت تركيا من مواقفها ضد روسيا؛ إن انفجار الوضع في كازاخستان لن يُحدث شقاقاً بين روسيا وتركيا، وتتفق روسيا والغرب على ضرورة إخماده، وهذا بخلاف قضايا التناقض التي أشرنا إليها.

هناك حديث جديد، يتعلق بإعلان رياض حجاب، رئيس الوزراء السابق، انعقاد ندوة سياسية تخصّ المعارضة السورية في الدوحة، في شباط القادم، وهناك تسريبات تؤكد بأنها ستكون مقدمة لاستراتيجية جديدة للمعارضة السورية، والسيء هنا عدم الوصول إلى توافقات مع بعض القوى السياسية الكردية، والتي بدورها عقدت اجتماعات موسعة في استوكهولم بقصد الوصول إلى تحالف وطني ديموقراطي عريض، وكذلك لم تتمثل فيه قوى الائتلاف الوطني.

ندوة الدوحة، تأتي على خلفية توافقات تركية قطرية بخصوص المنطقة، وإثر انفراج إقليمي بين الإمارات وتركيا وإيران وتعزيز العلاقة الإماراتية الإسرائيلية؛ وإذا كانت تركيا ليست بخلافٍ حادٍ مع روسيا في سوريا، وروسيا لا تستفزها في مناطق سيطرتها مؤخراً، فإن الخلاف بصدد أوكرانيا، قد يُقرِّب بين أمريكا وتركيا بخصوص سوريا، وهناك تأكيدات سعودية وقطرية على رفض تطبيع النظام السوري مع الجامعة العربية، وبالتالي هناك شعور روسي بضرورة رفع سقف التصريحات بما يخص سوريا وأوكرانيا، وقد نشهد اجتياحاً روسيّاً، كما تتوقع كثير من التقارير الصحفية لإقليم دونباس الأوكراني. إن حدوث ذلك سيُعمّق الخلاف بين الإدارة الأمريكية والروس، ولن يكون الأمر في أوكرانيا فقط، بل وفي سوريا.

استباق الروس لخطوتهم العسكرية في أوكرانيا، بالتصريح عن مستقبل النظام السوري، يفرض على المعارضة السورية الانسحاب من اللجنة الدستورية وإيقاف ذلك المسار، وهذا سيكون متناغماً مع المواقف الدولية والإقليمية الجارية بخصوص سوريا وأوكرانيا، وربما سيساعد الروس على تلمّس رؤوسهم من جديد، والنظر بجديّةٍ للخسارات التي سيتكبدونها من جراء تصعيدهم الكبير في أوكرانيا وسوريا. الإدارة الأوكرانية ليست بموقع التراجع عن رفضها للخطوة الروسية، وتريد الانضمام للحلف الأطلسي وإدارة الظهر كليّة للروس. مشكلة السوريين مع نظامهم، بأنه ليست لديه أيّة خطة للتصالح مع الشعب، ومع المعارضة التي تستمر بالارتهان الخارجي، وعدم صياغة رؤية سياسية جديدة، وبعيداً عن المسارات الروسية.

إن ندوة الدوحة ربما ستوضح لقادة المعارضة، أن كافة مساراتهم، ومنذ 2011، مشوشة وخاطئة، وأدّت إلى فشلٍ كبير في الثورة، وسَلمت المناطق المحررة إلى الفصائل الإسلامية. الحديث الجديد عن إصلاحات في الائتلاف، لن يأتي بأيّ جديد، وربما ستكون تركيبته الجديدة أسوأ، وهناك تسريبات تؤكد دخول المجلس الإسلامي السوري ضمن تلك التركيبة، وهذا إمعان في الانحطاط للائتلاف، فما هي علاقة مجلس ديني، خاصة بفئة معينة، وليس مكان اتفاق في الطائفة السنية ذاتها، بشؤون السياسة، والقضايا الوطنية؟

تصريحات مندوب بوتين، شملت أيضاً إنذاراً للأمريكان بالتراجع عن تمرير إيصال المساعدات لدولية عبر تركيا لستة أشهر قادمة، وتتطلب تداولاً بين الإدارة الروسية والأمريكية، وأن الاستمرار فيها مشروط بتحقيق قضايا الانتعاش المبكر، والتي تبدو الإدارة الأمريكية غير جادة بها، نظراً للتشدّد الروسي إزاء الحل في سوريا، وعدم اتخاذ الروس أيّة خطوات نحوه، وبالتالي وبرؤية موسعة للخلافات، كما حاولنا تلمسها، فهناك تصعيد قادم بين الروس والأمريكان في سوريا، ولن يكون لصالح الروس؛ يدعم ذلك، الانهيار الكامل للخدمات في مناطق النظام، وانضباط الدول المسارعة للتطبيع مع النظام بالشروط الأمريكية لإيقاف ذلك.

إن نعي روسيا للجنة الدستورية وفق قراءة المعارضة السورية لها، يختلف عن قراءة روسيا، فهي لم تنعها، وأصرّ لافرتييف نفسه، أن اللقاء الأخير في أستانا كانت نتائجه جيدة، وستعمل روسيا للإعداد بشكلٍ أفضل للاجتماع الجديد للجنة الدستورية، وبالتالي هناك إصرار روسي على المسارات ذاتها، وتجاهل كلي للشروط الأمريكية أو الخليجية وكافة المتدخلين بالشأن السوري، باستثناء إيران الداعمة للنظام، وبعض الدول العربية الراغبة بالتطبيع معه.

ندوة الدوحة في شباط القادم، ربما تكون فرصة مناسبة لقراءة عميقة لأوضاع المعارضة وأسباب فشلها، ووضع استراتيجية جديدة، تساهم في إيقاف المجزرة المستمرة منذ 2011؛ وفي حال لم يتحقق ذلك، فلن تكون في سوريا في الأمد القريب أيّة خطوات نحو النهوض وإعادة الإعمار.

إذاً هناك أجواء دولية وإقليمية جديدة، فهل تستفيد المعارضة منها، وتنهي كافة مشاركاتها في المسارات الروسية "أستانا، اللجنة الدستورية" ما لم تتقيّد روسيا بالقرارات الدولية، المقرّة من الهيئات الدولية، وبموافقة روسيا نفسها؟

 

ليفانت – عمار ديوب

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!