الوضع المظلم
الأربعاء ٢٥ / مايو / ٢٠٢٢
Logo
سجن غويران غوانتانامو الشرق
علي نمر

نفذ معتقلو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، عصياناً جديداً في سجن غويران في الحسكة، الذي يضم نحو خمسة آلاف معتقل، معظمهم من جنسيات غير سورية، ويشهد استعصاءات متكررة، حيث تؤكد تصريحات قيادات قوات سوريا الديمقراطية، أنهم ينتمون إلى قرابة خمسين دولة، وبينهم قادة للتنظيم الإرهابي من الصف الأول، إذ اعتقل معظمهم أثناء معركتيّ الرقة التي كانت تسمى عاصمة «الخلافة المزعومة»، وسقوط آخر معاقلهم في بلدة الباغوز بريف ديرالزور في آذار 2019، للوقوف على ما يحدث من زاوية أخرى، ودون تبنيّ موقف أيّة جهة.

سنبدأ من مطالب السجناء في المرات السابقة، والتي كانت سبباً فيما بعد لقيام التنظيم باستعصاءاته المتكررة التي تطورت إلى المواجهة المسلحة وسقوط قتلى، لقد جاء المطلب الأول والأهم لعناصر «داعش» أن يتم تسليم إدارة السجن للتحالف الدولي، بما فيه عناصر الحراسة، السؤال المهم هنا: كيف لتنظيم إرهابي يقول مريدوه وقياداته إنه لولا طائرات التحالف الدولي، والدعم اللوجستي لقوات سوريا الديمقراطية، لم تكن لتسقط خلافتهم المفترضة، أن يطالبوا بهذا المطلب المتناقض مع كل ما يحدث على الأرض؟

من هذه النقطة بالذات يمكن فهم المعادلة من خلال المقارنة التالية؛ والتي أيضاً سننطلق بطرح سؤال: ما الفرق بين هؤلاء المعتقلين، ومن كان معتقلاً في سجن غوانتانامو الأمريكي بتهمة الإرهاب؟ اعتقد لا فرق بينهما، لأن المرجعية «الإرهابية» واحدة؛ وبالتالي الهدف المعلن واحد، لكن ماذا ستكون النتيجة لو أجرينا مقارنة بينهما، خاصة وأن أمريكا افتتحت هذا المعتقل عقب أحداث 11 أيلول/ سبتمبر في نيويورك، وأعلنت رسمياً باستخدامه 2002 بتحويل كل من تشتبه به إرهابياً إليه، حيث يقع المعتقل في أقصى جنوب شرقي كوبا، أيّ خارج الحدود الأمريكية، وليس هذا فقط؛ بل اعتباره سلطة مطلقة لوحدها بسبب هذا البعد، ولا ينطبق عليه أيّ من قوانين حقوق الإنسان إلى الحد الذي جعل منظمة العفو الدولية تقول إن معتقل غوانتانامو يمثل همجية هذا العصر! بينما سجن الصناعة في حي غويران الذي يمكن اعتباره غوانتانامو الشرق أمريكياً يقع بالقرب من؛ وبين الأحياء السكنية لمدينة الحسكة، وعلى منطقة مفتوحة، من شأنها أن تتيح لعناصر التنظيم الهروب منها بكل أريحية فور تمكنهم من الفرار خارج الأسوار.

منذ افتتاح غوانتانامو وحتى تاريخ اليوم، لم يتجاوز عدد المعتقلين فيه الـ800 معتقل، وحالياً لم يبقَ فيه سوى 39 معتقلاً ، فيما سجن غويران يضم نحو خمسة آلاف معتقل، في عهد الرئيس جورج بوش الابن،  ومع افتتاح المعتقل في 2002 كان عدد المعتقلين 624 زاد عددهم في العام التالي إلى 656 ومع انتهاء ولايته في 2008 خفض العدد إلى 248، وفي العام الثاني من استلام باراك أوباما 2010 انخفض العدد إلى 174، ومع انتهاء ولايته في 2016 والتي صادفت العام الثالث من إعلان التنظيم الإرهابي مدينة الرقة السورية عاصمةً لخلافتهم المزعومة انخفض عددهم إلى 59 معتقلاً فقط؛ وفي عهد الرئيس دونالد ترامب بين أعوام 2017-2020 أصبح العدد 40 إرهابياً، وأخيراً وبعد مرور سنة على استلام جو بايدن هناك 39 معتقلاً في أخطر المعتقلات في العالم، ووفق الإحصائيات المجموع الكلي لمن أدخلوا هذا المعتقل 780 معتقلاً، 9 فقط منهم ماتوا أو قتلوا تحت التعذيب أثناء الاحتجاز، فيما لا تقارير أو معلومات عن جميع من أُفرج عنهم، وأين ذهبوا! بينما الإدارة الذاتية الوليدة من النزاع السوري يطلب منها وبإمكاناتها المحدودة السيطرة على أكثر من 12 ألف إرهابي على مستوى العالم معتقل لديها، وأمريكا ذاتها؛ ومعها مختلف الدول الأوروبية، ومنذ سقوط التنظيم لم تستعيد إلا بضع أطفال لهؤلاء الإرهابيين ونسائهم، رغم المناشدات باستعادتهم وإجراء محاكمات لهم، تاركة كل القيادات كالقنبلة الموقوتة القابلة للانفجار بأي وقت، ما يعني عودة التنظيم الجهاديّ إلى بناء نفسه عبر خلاياه النائمة والعودة إلى نقطة الصفر، مثلما حدث في سجنيّ أبو غريب والتاجي عام 2013 تماماً بالقرب من العاصمة العراقية بغداد، حين فرَّ مئات الجهاديين بعدما نجح مسلحون من اقتحامهما وتهريب السجناء.

لن ندخل هنا بتفاصيل الهجوم، لأن أشياء كثيرة ستكشفها الأطراف المتنازعة أو المشاركة في المخطط، الذي ترك أكثر من إشارة استفهام، لكن ما يجب الإجابة عليه من قبل التحالف الدولي: كيف دخلت المجموعات الأجنبية والخلايا النائمة مدينة الحسكة بسلاحها وعتادها تمهيداً للهجوم على السجن؟ ولماذا لم يتحرك طيران التحالف الدولي لحظة وقوع الانفجار الكبير، أو العملية الانتحارية كما قيل؟ وما هذا التزامن في العمليات من ديرالزور للحسكة لشنكال، لديالى وسري كانييه/ رأس العين، إلى ريف الرقة والشمال السوري وجبل الزاوية، وصولاً لتصريحات النائب في البرلمان العراقي محما خليل، حول وصول بعض معتقلي «داعش» الهاربين من سجن غويران إلى شنكال وبعاج؟ ولماذا لم يتحرك النظام السوري حتى اللحظة، سوى إصداره بياناً هاجم فيه قوات سوريا الديمقراطية والتحالف، على الرغم من أن مدينة الحسكة تعتبر أكبر قاعدة للنظام في مناطق الإدارة الذاتية؟ هل حاسب التحالف الدولي يوماً العضو في حلف الناتو وحليفتها تركيا على هجماتها المتواصلة على مناطق شمال شرقي سوريا عبر الفصائل الراديكالية الموالية لها، التي أظهرت الوسائل الإعلامية التابعة لها وجمهورها خلال الأيام القليلة الماضية أن هذه الفصائل جزء من تنظيم «داعش» التي تعمل لمصلحة الإرهابيين بزعزعة المنطقة عبر خلاياه النائمة؟ وما أوجه الاختلاف بين مختلف الفصائل الجهادية الإرهابية أمريكياً؟

إن الحقيقة ستظهر حين تتم الإجابة عن كل الأسئلة السابقة، خاصةً وأن حالة الاستعصاء هذه المرة غير كل المرات السابقة، فالعملية تعتبر الأكبر في سوريا منذ سقوط التنظيم في آخر معاقله بريف ديرالزور، وهذا ما يؤكد أن عملية كبيرة ونوعية بهذا الشكل والخطورة جرى التخطيط لها بدقة وعناية، وهكذا عمل قد تتشارك فيه أكثر من دولة عبر أذرعها من الفصائل المسلحة لاستمرار حالة الفوضى في سوريا المستثمرة دولياً، والتي لا تخلو من الصراع الأمريكي – الروسي، المحتدم في أوكرايينا، والذي خلط أوراقه التهديدية في سوريا لا تقل أهمية عمّا يجري هناك، وعملياً تنظيم «داعش» أكثر ورقة ضغط في هكذا نزاعات وصراعات، ويمكن الاستثمار فيه بأفضل الطرق لخلط الأوراق ببعضها، وما قاله الباحث في معهد نيولاينز، في واشنطن، نيكولاس هيراس، لوكالة «فرانس برس» يمكن استشفاف الكثير منه، حين أكد أن «تنظيم (داعش) يحتاج إلى المزيد من المقاتلين، وأن الهروب من السجون يمثل أفضل فرصة لهم لاستعادة قوتهم وسلاحهم، وسجن غويران يعد صيداً ثميناً بسبب اكتظاظه». ولفهم نتائج هذا الصيد لا بد من العودة لعالم الجريمة الذي يجبرنا دائماً أن نبحث عن المستفيد منها، فمن هو الرابح الأكبر بكل أجنداته لمّا جرى؟

 

علي نمر

ليفانت - علي نمر

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!