الوضع المظلم
الخميس ٣٠ / يونيو / ٢٠٢٢
Logo
الموت يضرب عميقاً في أيار
ماهر إسماعيل

ضرب الموت عميقاً في شهر أيار من العام الجاري 2022، حيث حصد (الشاعر العراقي مظفر النواب، الإعلامية شيرين أبو عاقلة، الفنان سمير صبري، ومهندس الديكور السوري محمد قزق)، ولمن لا يعرف هؤلاء، هم مبدعون، كل في مجاله واختصاصه في العالم العربي.

والإبداع لا يصنّف في إطار عام واحد، وإنما يصنّف وفق معايير خاصة بكل اختصاص من الاختصاصات، فهؤلاء المبدعين حازوا على جماهيرية خاصة في بلدهم، وبعضهم تجاوز ذلك المحيط العربي الذي قد يكون البعض منهم قد عاش في أكثر من بلد عربي ومعروف عند جمهور أكثر من بلد، مثل الشاعر مظفر النواب، وقد يكون قد عرف على صعيد الوطن العربي، مثل مراسلة قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة، أو عرف عند جمهور السينما والدراما المصرية، مثل المطرب والممثل ومقدم البرامج التلفزيونية سمير صبري، أما مهندس الديكور السوري محمد قزق غير معروف كثيراً خارج جمهور المسرح السوري.

فالموت لا يفرق بين إنسان وإنسان، لكنه في أيار من هذا العام، اختار كوكبة من الشخصيات المشهورة والمعروفة، فالشاعر مظفر النواب خطفه الموت من دائرة الحياة، حيث كان يقضي ما تبقى له من سنوات عمره في الشارقة بالإمارات عند أخته، وهو الذي يشكل مدرسة شعرية خاصة في الحياة الشعرية العربية من المحيط إلى الخليج، حيث تناثرت في سبعينيات القرن الفائت أشرطة الكاسيت الخاصة عن قصائده وأمسياته الشعرية المهربة من أمكنة عديدة في العراق وسوريا عندما كان المستمع يذهب إلى محلات بيع الكاسيتات ويختار محلاً بعينه لكي ينسخ على شريط من ماركة (سوني أوtDK) على آلية التسجيل السريع لكي لا يتيح للبائع معرفة ما ينسخه على الشريط الجديد، وإذا كان في بلدة مثل السلمية يذهب إلى محل "أيمن رزوق" من أجل الحصول على شريط ما للشاعر مظفر النواب، أما في دمشق فهناك محل أمام الإذاعة القديمة في شارع الحجاز يبيع مجموعة الشيخ إمام، كاملة كما يدعي، (16) شريطاً، وأشرطة مظفر النواب بالحفلة، أو تحت مسمى "وتريات ليلية"، وفي مخيم اليرموك في شار صفد كان هناك محل وسط الشارع يقوم بنسخ هذه الأشرطة إلى جانب أشرطة عده فرق غنائية ثورية مثل "الطريق العراقية، مارسيل خليفة، أحمد قعبور، العاشقين، الشيخ إمام، عدلي صادق، جعفر حسن، شيفان"، إلى استضافة عدد من فصائل الثورة الفلسطينية الراحل مظفر في أكثر من مهرجان واحتفال، وكان قد استضاف الراحل عبد الكريم الضحاك، مدير المركز الثقافي في السلمية، في أمسية خاصة، الشاعر النواب، حيث غصّ المركز بالجمهور العريض وكان الحضور في الشارع أكثر من صالة المركز.

أما الضحية الثانية للموت في شهر أيار، فكانت الصحفية الفلسطينية ابنة مدينة القدس شيرين أبو عاقلة، مراسلة محطة الجزيرة الإخبارية التي عملت ما يقارب (25) عاماً في الصحافة، بينها حوالي (21) عاماً مع الجزيرة في فلسطين، حيث كانت تغطي كل الأحداث السياسية والميدانية التي تقع في فلسطين على كافة المستويات في الضفة الفلسطينية، ومن منا لا يذكر تغطيتها لحصار المقاطعة التي كان محاصراً فيها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وتغطية حصار واجتياح مخيم جنين في العام 2002، والمقاومة الباسلة التي واجهت المحتل الإسرائيلي بقيادة الراحل "أبو جندل، يوسف أحمد ريحان" الذي جسد شخصيته الفنان عباس النوري في العمل الدرامي "الاجتياح"، من تأليف وليد سيف وإخراج الراحل شوقي الماجري. فالقيادات الأمنية الإسرائيلية لم تنسَ للمراسلة الراحلة "شيرين أبو عاقلة" ما قامت به من فضح للسياسات التمييزية العنصرية التنمرية في القدس والمسجد الأقصى، وفي كل بقعة من بقاع الضفة الغربية.

إن عملية اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة من قبل القناص الإسرائيلي الذي أصابها في الرأس، ومنعت سلطات الاحتلال خروج جنازتها من المستشفى الفرنسي بالقدس، وترافق ذلك مع حملة أطلقها بعض الشيوخ من عدم جواز الترحم عليها لأنها "مسيحية"، فعملية احتكار الفتاوى الدينية عبر مفاهيم انغلاقية متعصبة غير قابلة للحياة في زمن شديد الانفتاح بالمعنى الشكلي على معطيات (الميديا، الإنترنت، والصورة)، بينما تعيش هذه الفئات والشرائح انغلاقاً عصبوياً على معطيات العصر التكنولوجي الحديث بعيداً عن آليات استخدام هذه التكنولوجيا في وصول هذه الفتاوى إلى الناس. والقضية أبعد من هذه الفتاوى الشكلية وقدرتها على التأثير في جمهور عريض يتعاطى مع التكنولوجيا والفتاوى من بوابة العلم بالشيء.

أما الممثل المصري سمير صبري الذي رحل في 20/5/2022، من مدينة الإسكندرية، كان قد بدأ نشاطه كممثل منذ 1959، ومن أعماله السينمائية (الرجل الآخر، الوفاء العظيم، ومضى قطار العمر، وبالوالدين إحساناً، وجحيم تحت الماء). عمل في بداياته مذيعاً في الإذاعة الإنكليزية ثم اتجه إلى التمثيل والغناء، وشارك الزعيم عادل إمام في عدد من أفلامه، منها "البحث عن فضيحة"، ومن أعماله الدرامية "حضرة المتهم أبي" من إنتاج العام 2006، وقضية رأي عام. أحب الفن منذ صغره، وعاش في عمارة النجوم والعظماء، وتبناه المطرب الراحل عبد الحليم حافظ، وقدمه للفنانة لبنى عبد العزيز، وفي عمر العشر سنوات أصبح نجم البرنامج الأوروبي.

أسس الراحل صبري مع رفيق الصبان ويوسف شاهين وحسين كمال وسيد رويال نقابة فنية سميت باسم "الأحرار المنفتحين"، وبلغ رصيده الفني (138) فيلماً، وعدداً من البرامج التلفزيونية، منها برنامجه الشهير "هذا المساء"، وكان قد أسس شركة إنتاج سينمائية، وحصل على مجموعة من الجوائز التقديرية.

توفي بتاريخ 20/5/2022، في أحد فنادق القاهرة بمنطقة الزمالك بعد صراع مع مرض القلب، لم يشاهد ابنه سوى مرة واحدة في حياته، وكان قد استضاف صديقه مصطفى عبد السلام، وأعطاه مبلغ (100 ألف جنيه). تكاليف سيارة الإسعاف التي تنقله إلى المستشفى في حال وفاته، بالإضافة إلى مصاريف الجنازة، ووجد في غرفته مبلغ (30 ألف جنيه)، وساعة يد "روليكس"، وسلسة ذهب.

وفي سوريا فجعت الأوساط المسرحية برحيل مهندس الديكور، الفنان محمد وحيد قزق، شقيق الفنان فايز قزق، ووالد الفنان وسيم قزق، والفنانة لوريس قزق، عن عمر ناهز (63) عاماً، رحل بتاريخ 20/5/2022، إثر تعرضه لسكتة دماغية، ودفن في مقبرة قرية بسنادا في مدينة اللاذقية، عمل في التلفزيون السوري، فيما نعاه المعهد العالي للفنون المسرحية في سوريا، بأن المهندس قزق كان شريكاً إبداعياً في الكثير من العروض والمشاريع المسرحية للمعهد. وشارك في تصميم ديكورات أعمال مسرحية.

والراحل من المهتمين بالمسرح والفن، وكان حاضراً بشكل خاص في تصميم عروض التخرج على مدى عشرين عاماً، وهو صاحب لمسات مشهودة في المسرح القومي في مديرية المسارح، وهو من صنع ديكور مسرحية منودراما (ليلة الوداع - حياة) من إخراج سهير برهوم، وهو من صمم ديكور العديد من الأعمال المسرحية في نهاية السبعينات بأسلوب مميز، منها "الملك لير، ابن عربي، الأمير لقلق، وحيلة العنكبوت"، وشارك بفيلم "فتحة عدسة".

وينقل عنه الصحفي بديع صنيج أنّه "ابتكر فكرة كي يسقط المطر على مسرح القباني دون أن يكون للماء المنهمر عليها أي أثر سلبي، من خلال مزاريب خاصة، دقة هائلة في التصميم والتنفيذ، فكان بذلك الغيمة ودموعها، وكيف حول ملجأ في إحدى الحدائق العامة إلى مكان مبهر لعرض مسرحي، فكان شاهداً على ثراء مخيلته وجماليات فكرة الرفض لما يراه الآخرون مستحيلاً، فكان هو الملجأ لكل من يبتغي الدهشة بأنقى حالاتها".

أخيراً.. إن الموت يختار كوكبة من المبدعين العرب في شهر أيار، دون سابق إنذار وبغض النظر عن كفاءاتهم في الحياة، أما كان جديراً به أن يتمهل قليلاً، فما يقدمونه للناس من قيمة وفائدة وتجربة وخبرة جديراً أن يؤخر رحيلهم.. الرحمة لهم جميعاً.

ليفانت - ماهر إسماعيل  

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!