الوضع المظلم
السبت ٠٥ / أبريل / ٢٠٢٥
Logo
  • لماذا لم أهنئ أحمد الشرع، رغم أنه حقق جزءاً هاماً من أهداف مسيرتي السياسية؟

لماذا لم أهنئ أحمد الشرع، رغم أنه حقق جزءاً هاماً من أهداف مسيرتي السياسية؟
رضوان باديني

منذ اللحظات الأولى لسقوط نظام الأسد، راودتني رغبة جامحة في تهنئة "المحررين-المقررين" في دمشق، وعلى رأسهم الرئيس الحالي أحمد الشرع. لكن، رغم عصف هذه الفكرة لذهني يوميًا، بل كل لحظة، لم أرسل أية رسالة تهنئة، ولم أعبّر عن ذلك في الإعلام. طبعاً السبب لا يكمن في النسيان، بل في التردد بين التهنئة والشجب على ما قام به الشرع. ولهذا إستمر هذا الصراع الداخلي بيني وبين نفسي، ولم أجرؤ على الإفصاح عنه حتى الآن.


في البداية، كنت أرغب أن أقول للسيد الشرع ورفاقه: "ألف شكر على إطاحتكم بحكم الطاغية!"، لأني رأيت في خطوته تحقيقًا لجزء هام من تطلعاتي وأهداف مسيرة عمري. لكن، كونه لم يغيّر أية تفصيل في سياسة الأسدين السابقة تجاه شعبي، جعلني أتردد كثيراً في البوح بما في داخلي، وأفقدني هذا التردد الحماس والرغبة للتعبيرعن ذلك. وأحياناً كنت أريد أن أقول له: "لقد سبقتك في مناهضة نظام الأسدين بسنوات طويلة، وغامرت بحياتي ومصلحتي علنًا، عندما حاربت سياسته تجاه شعبي في إحدى أهم ساحات نفوذه الخارجي (روسيا). آنذاك، لم أجد أحدًا منكم وأتباعكم في هذا الطريق. وأقر: صحيح لم أتمكن من تأمين شروط النجاح.. لكني لم أتوقف مع رفاقي عن السير على دروب النضال والتضحية طيلة نصف قرنٍ كامل! وهذا بوحده لا يعطيك الحق بالإدعاء بأنك صاحب الحق الوحيد لهذا النصر "الناقص"!.



المشكلة أنكم ما زلتم تفكرون كقوميين عرب فقط، وليس كسوريين تجمعنا وأياكم، أهداف وطنية مشتركة! لم تفكروا بمصالحنا كمواطنين سوريين، ولم نجد حتى في ادعاءاتكم الإسلامية أي نتائج ملموسة على صدق نواياكم حتى الآن. لقد قلتُ في إحدى تغريداتي، ذات مرة: "لا يملك كُرد جميع الدول الإسلامية الأربعة 1% مما يمتلكه الفلسطينيون من حقوق في إسرائيل!".


ذكريات شبابي  وبعض تفاصيل حياتي كذلك تجعلني مترددًا في تهنئة أحمد الشرع..


في آذار 2004، وبعد غياب دام 27 عامًا، عدت إلى سوريا. وخلال تلك الزيارة، اندلعت "انتفاضة قامشلو" المجيدة في 12 آذار، حيث شهدتُ بأم أعيني مشاهد قاسية من القمع الوحشي، وقتل الشباب الكُردي بدم بارد، حتى على يد مسؤولين بارزين مثل محافظ الحسكة نفسه آنذاك، سليم كبول. أدركت حينها أن قدري أن أكون شاهدًا على هذه المجزرة المروعة، وأن أنقل تفاصيلها إلى العالم، لعلي أُسهم بذلك في فضح النظام المجرم الذي كان يُحقق حينئذٍ وجزئيًا المجد القومي للعرب، تحت شعار "سوريا قلب العروبة النابض!". ولكنني إصطدمت وكدت لا أصدق نفسي حينما شاهدت وسمعت "أحمد الشرع" نفسه يردد هذا الشعار وبنشوة عالية!.. عندئذٍ أيقنتُ أن نضالي لم ينتهِ ولن يتغير، وتأكد لي تماماً بأن (من يحكمون سوريا اليوم) لا يختلفون في جوهرهم عن الحكام السابقين. وبالمناسبة أقول لهم "إذا كان جهلُكم بحقوق ثاني أكبر قومية في سوريا هو السبب"، فالعياذ بالله، لأن "الجاهل عدو نفسه، فكيف يكون صديق غيره"؟!



منذ تلك الإنتفاضة المجيدة، واظبتُ على توثيق مشاهداتي بصدق وجرأة. وعندما نشرتُ كتابي عن تلك الأحداث،. أسميتُه: "الأسد والأكراد - شريعة الغاب!"، باللغة الروسية، وقدمتُ ندوة عن ذلك في المركز الثقافي الأمريكي بموسكو..


وكان هذا العنوان بمثابة رصاصة موجهة  لرأس النظام على مستوى السياسة الخارجية. ولن أخوض هنا في تفاصيل التضحيات التي دفعتها بسبب هذا الموقف.  أن التأثير الهام لصدى الكتاب  بين المثقفين والأكاديميين والساسة الروس المعتدلين كان غير مسبوقاً بحماسه. أتذكر جيدًا نقاشي مع البروفيسورة  ن. ستيبانوفا، من معهد العلاقات الخارجية (MGIMO) حينما قالت لي: "لو كنتُ قرأتُ كتابك قبل مشاركتي في اللجنة العلمية لمنح الدكتوراه الفخرية لبشار الأسد، لما قبلت أن أكون جزءًا من تلك اللجنة!". وكانت قد كتبت مقالاً مطولاً عن كتابي في مجلة "أوبزرفر" (العدد 4 (183) أبريل 2005. التابعة لوزارة الخارجية الروسية تحت عنوان ""البعث السوري والكُرد". 


آنئذٍ لم أكتفِ بالكتابة، بل نظّمت احتجاجًا ضد أول زيارة لبشار الأسد لروسيا في أبريل 2005. وكان هذا بداية زعزعة ثقة الروس بالأسد ونظامه. آنئذٍ وقفتُ مع مجموعة صغيرة من الشباب الكُرد (حوالي 20 شخصًا) في مظاهرة عند (بارك كولتوري) بالقرب من السفارة السورية في موسكو. .. ورغم قلة عددنا، أولت وسائل الإعلام العالمية، مثل أسوشيتد برس ووكالة الأنباء الفرنسية، اهتمامًا كبيرًا لهذا الحدث. لقد كان إنتشار تأثير الكتاب، أوصلته بيدي للعديد من المسؤولين الكبار كفعل الهشيم بالنار. 


بعد صدور الكتاب، قررت جمعيتنا الكردية في موسكو "جفات" توزيعه على المؤسسات الدولية والشخصيات المهمة حول العالم. وتكفل أحد الأعضاء، (م.أ.) مشكورًا، بدفع تكاليف إرسال 100 نسخة بالبريد المضمون آنئذٍ إلى شخصيات ومؤسسات عالمية.
..عندما أعود إلى تلك المرحلة، أجد أن العديد من الشخصيات السورية المعارضة لم تكن تجرؤ آنئذٍ حتى على إعلان موقفها ضد الأسد، بينما كنتُ أنا والعديد من الشباب الكردي نكسب تأييد وود الدباء والمثقفين والمختصين بالدراسات الشرقية، ونتقدم في المواجهة السياسية والثقافية. وعودة لسؤالي: "لماذا لم أهنئ الشرع.." ، فإن ما يمنعني اليوم من تهنئة أحمد الشرع وقيادته الجديدة، هو أنهم لا يزالون يرددون نفس الشعارات القومية العربية الفاشية والإسلاموية المزيفة التي استخدمها الأسد وأعوانه لتحقيق مآربهم الخاصة.


ثم يبدو لي بأن الحكام الجدد يمارسون نفس السياسة السابقة للنظام ضد الوجود الكردي؛ ومرة أخرى، نجد أنفسنا مواطنين من الدرجة الثانية، بل حتى غرباء في بلدنا!. ما أخشاه هو أن نجد أنفسنا مع الشرع وزبانيته، الضالعين في القتل والدمار والتطرف، ممارسة وفكراً أمام قطيعة ثانية بل تامة ونهائية هذه المرة. طبعاً لا يجري الحديث عن عداء قومي عربي-كُردي، ولا بأي شكل من الأشكال، لكن العروبة كإيديولوجيا سياسية في الصياغة "الإسلاموية" لا تختلف بشيئ عن المعنى والأداء البعثي الذي ذقنا مرارتها وعذاباتها. أن ما ينشر ويذاع بإسم الدين من سياسات متنكرة للحق والحقوق القومية للكرد لا يملك أية صلة مع الدين الحنيف الذي الذي خدم في السياق التاريخي العلاقات الكُردية- العربية، وأوصل قائداً كُردياً لقمة قيادة الأمة الإسلامية بأكملها في إحدى مراحل تطورها.  


كما أننا لن ننخدع بعد اليوم بالوعود السفسطائية المعبّر عنها بلغة "الضاد" أو بالأحرى باللغة المضادة للمختلف قومياً أو دينياً، ولن نسلّم مصيرنا لأصحابها بعد هذا الفصل الأخير من هذه المسرحية الهزلية المخادعة. وأقول لقادة دمشق المؤقتين، لقد حققتم "نصف الانتصار" باستحواذكم على نتائج جهودنا المخلصة السابقة. وإذا كنتم ترفضون الاعتراف بدورنا، فهذا يعكس أنانيتكم فقط،  وبيننا وبينكم الزمن!.


هذا هو السبب الذي يجعلني غير قادر حتى الآن على تهنئة أحمد الشرع على "انتصاره"، لأني لا أزال مترددًا بين مدحه وذمه. وأدّعي، بكل تواضع، أن النصف الأول، الأصعب من المعركة بدأناه نحن منذ "انتفاضة قامشلو" المجيدة، وأن نضالنا المستمر أثبت أن السياسة التي انتهجتها سوريا تجاه الكُرد لم تكن سوى تطبيق صارخ لـ "شريعة الغاب". واليوم، لن نتوقف عن مقاومة أي سياسة مشابهة، ولن نمنح ثقتنا لمن يستحوذون على ما لم يكن لهم من الأساس.

 

د. رضوان باديني

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!