الوضع المظلم
الإثنين ٢٨ / نوفمبر / ٢٠٢٢
Logo
ليبيا والاستقطاب الدولي.. قلق الجميع من المربع صفر
 رامي شفيق

قبل ساعات قليلة من جلسة مجلس النواب المقررة لاعتماد بنود التعديل الدستوري، وتسمية رئيس جديد للحكومة في ليبيا عوضاً عن عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية، تعرض الأخير لإطلاق وابل من الرصاص في العاصمة طرابلس، في محاولة لاغتياله من قبل مجهولين، نجحوا في الفرار ولم يصب الرجل بأي بسوء.

بات الليبيون على وقع هذه الحادثة بين منكر لصدق الواقعة، وآخر مؤيد لكافة تفاصيلها. وما بينهما تراوحت تأويلات الطرفين، بحسب منسوب مزاج وهواه السياسي.

تأويلات الفريق الذي صدق الواقعة يرى أن الدبيبة تعرض لمحاولة اغتيال بغية تصفيته جسدياً نحو تجاوز حضوره القوي وشعبيته بين الليبيين، أو ترهيبه بمحاولة اغتيال حتى يسلم السلطة دون أي مقاومة أو صراع مسلح، بينما الطرف الآخر الذي ينفي الواقعة برمتها يرى من وجهة نظره أنها محاولة فاشلة لاستدرار عطف الليبيين لشخص انتهت مدة بقائه في الحكم وعليه أن يسلم السلطة طوعاً أو كرهاً.

خط الالتقاء الذي جمع مجلس النواب الليبي برئاسة المستشار عقيلة صالح، والمجلس الأعلى للدولة برئاسة خالد المشري، صاغ بنود فترة انتقالية جديدة نحو اعتماد بنود التعديل الدستوري في مقابل تمرير رئيس الحكومة الجديد، سيما وأن كافة المصادر الصحفية أشارت إلى تزكية سبعة وأربعين عضواً من المجلس الأعلى للدولة للمرشح فتحي باشاغا على منصب رئيس الحكومة.

فضلاً عن صدور الإعلان الدستوري بتعديلاته التي تشير في أحد البنود إلى أن مجلس النواب يصدر قانون الاستفتاء وقوانين الانتخابات العامة بالتوافق مع المجلس الأعلى للدولة.

فتحي باشاغا الذي تولى منصب وزير الداخلية في حكومة الوفاق من العام 2018 إلى العام 2021، من الأسماء الثقيلة في المنطقة الغربية، سياسياً وميدانياً. فضلاً عن كونه مرشحاً توافقياً يحوز على تأييد الشرق والجنوب، لا سيما بعد تقاربه مع القيادة العامّة للجيش، الذي بدا واضحاً من تصريحات الناطق الرسمي باسم القيادة العامة للجيش الليبي، اللواء أحمد المسماري، الذي رحب بموافقة البرلمان على تكليفه بمنصب رئاسة الحكومة، وطالب الأخير فتحي باشاغا بالعمل مع الجهات النظامية الأمنية والعسكرية من أجل فرض هيبة الدولة، وكذا تحالف الأخير مع رئيس البرلمان، المستشار عقيلة صالح، في انتخابات ملتقى الحوار السياسي التي فاز بها الدبيبة، كما يرتبط باشاغا بعلاقات جيدة مع العديد من العواصم الإقليمية والدول الغربية.

عبد الحميد الدبيبة الذي نجا من محاولة اغتيال، وصفها مراقبون للأوضاع الليبية بأنها مسرحية سيئة الإخراج، اعترض على خلعه من المنصب غير مرة بتصريحات واضحة، الأمر الذي دفع نحو تطويق قوات أمنية لمبنى مجلس الوزراء بطرابلس، بحسب وسائل إعلام ليبية، تحسباً لأي تصرف من مليشيات مسلحة وإجبار الدبيبة على تسليم السلطة دون أي مقاومة.

الإعلان الدستوري الذي وافق عليه البرلمان في جلسة الخميس، العاشر من شهر  شباط/ فبراير الجاري، أفضى إلى مادة تشير نحو تغيير تشكيلة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وأن تتولى الإشراف على الاستحقاق الانتخابي.

قراءة ذلك التعديل لا تتجاوز المنطق وتراتبية الأحداث عندما تذهب نحو حتمية التحرك من قبل الأجسام السياسية القائمة على تعديل قوانين الانتخابات، خاصة أن الإعلان الدستوري أشار في مادة مستقلة إلى أن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة سيصدران قوانين الاستفتاء وقوانين الانتخابات بالتوافق فيما بينهما، مما يشي بكثير من الوضوح إلى اعتبار أن كل ما مضى نحو انتخابات الرابع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول الفائت، كان صرحاً من خيال فهوى، وأن ثمة تأسيس مرحلة جديدة توافقية فيما بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة سيضحى صراع الإرادة هو الصوت الأبرز خلال الفترة المقبلة.

في مادة أخرى، يشير الإعلان الدستوري أن تعتمد المفوضية نتائج الانتخابات وتعلنها، وتباشر السلطة التشريعية الجديدة عملها بعد انقضاء ثلاثين يوماً من إعلان نتائج الانتخابات النهائية. وفي أول جلسة لها يحل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وتقوم السلطة التشريعية الجديدة بأداء مهامها وفقاً للدستور. كما ربط الإعلان الدستوري انتهاء عمل الحكومة بانعقاد الجلسة الأولى للسلطة التشريعية، حيث تضحى حكومة تسيير أعمال إلى حين اعتماد الحكومة الجديدة.

إلى ذلك ينبغي فهم وتأويل تحالف المصلحة الذي انعقدت أطرافه بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بالتوافق على تأييد تكليف رئيس الحكومة الجديد بالموافقة على الإعلان الدستوري، من خلال إطالة عمرهما السياسي في السلطة طيلة المدة الانتقالية، التي قد تبدو في نظر البعض مرهونة بفترة الأربعة عشر شهراً حتى يتم الاستحقاق الانتخابي. بيد أن الإعلان الدستوري ربط بقاءهما في دوائر الحكم بانتهاء الاستحقاق التشريعي وانعقاد الجلسة الأولى للسلطة التشريعية، وكذا حدث مع وضعية الحكومة ورئيسها المكلف فتحي باشاغا، حيث يعتبر حكومة تسيير أعمال بعد الجلسة الأولى وتشرع بعدها السلطة التشريعية في تسمية رئيس حكومة جديد. 

لا ريب أن التحالف فيما بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، الذي غلف صفقة تكليف السيد فتحي باشاغا برئاسة الحكومة في ليبيا خلفاً للدبيبة، مرهون بعدة اعتبارات، داخلية ودولية، ينبغي على كافة الأطراف العمل على إنجازها بوتيرة متسارعة وبمنتهى الدقة.

داخلياً، يتأسس نحو العمل بكل جدية على تفكيك كافة المليشيات المسلحة في أرجاء ليبيا والغرب الليبي، تحديداً داخل المؤسسة الأمنية وجمع كافة الأسلحة والمعدات العسكرية خارج إرادة الدولة تحت المظلة الأمنية النظامية، ثم الاستفادة من كافة الخبرات والعلاقات الشخصية التي يتمتع بها السيد فتحي باشاغا، نتيجة خبراته المتراكمة كوزير داخلية في حكومة الوفاق، وله علاقات عميقة مع قادة المليشيات المسلحة، فضلاً عن ضرورة التحرك نحو إنجاز مهمة دمج القوات العسكرية عبر أداء أكثر مرونة، وحسم اللجنة العسكرية المشتركة 5+5، وأيضاً في أسرع وقت ممكن. إذاً؛ ثمة سيناريو تم إعداده على خارطة الانتقال السياسي في ليبيا، واعتماد أسماء قديمة جديدة والإبقاء على الأجسام السياسية بهدف محدد، وهو تصفية الانفلات الأمني في البلاد وتشرذم القوات النظامية، الأمنية والعسكرية، وتباين الولاءات فيما بينهم.

عبر ذلك تحديداًً يبدو دور المستشارة ستيفاني ويليامز، التي دأبت على التحرك الميداني في أرجاء ليبيا والتشاور مع عديد الأطراف المحلية الفاعلة والنافذة على مسرح الأحداث بغية تمرير المشهد السياسي والميداني نحو أقرب صورة ممكنة للأهداف الغربية. فالولايات المتحدة الأمريكية ترى أن العبث الأمني في ليبيا وفوضى انتشار السلاح يمثلان أكبر داعم لروسيا نحو تمثل أهدافها في أوروبا عبر شمال أفريقيا، وتحديداً في ليبيا. ولذلك تتحرك واشنطن نحو العمل على فضّ هذه الاشتباكات لتهيئة مسرح الأحداث بعيداً عن المفاعيل الروسية التي تعتمد على التناقضات والعلاقات المركبة حول الأوضاع في ليبيا سبيلاً لتفويت المصالح الأمريكية.

 

ليفانت - رامي شفيق

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!