الوضع المظلم
الخميس ٠٩ / فبراير / ٢٠٢٣
Logo
كأس عالم يفيض بالأسى
عبد السلام حاج بكري

أما وقد بدأ كأس العالم في الدولة العربية الإسلامية قطر، سيبدو المنتقد حاسداً، والراغب بفشلها حاقد، ولتجنّب ذلك لندع ما في الصدور جانباً، ونسير مع القطيع خلف المرياع إلى حيث الأكفّ الفاترة المفتوحة للسماء، المبتهلة خلف الشيخ المؤقت نصراً ونجاحاً، ولا أعرف ماذا أيضاً، ليكن أي شي، وذلك حتى نهاية هذه الهمروجة.

لكن عاقلاً، أي عاقل، في أي بقعة من الأرض الإسلامية أو العربية أو ما يتصل بها، أو في بقعة أخرى من هذا العالم، لا يقبل الفساد والإفساد، ويدير محركات دماغه كبشريّ طبيعيّ، سسيسأل في الحد الأدنى نفسه، لماذا يجري كل هذا؟

بتفصيل أوسع، العقلاء غير الفاسدين، يدركون أن تلك الدولة التي تشكّل سدادة لخزان غاز خصصت إحدى فتحات السدادة لشراء حق استضافة كأس العالم، وفتحة أخرى للترويج للحدث المهم عبر نجوم الرياضة والفن، وخصصت فتحات كثيرة وكبيرة للإعداد لهذا الحدث المهم.

يتساءل غربي، لماذا تسعى حثيثاً دولة محدودة جغرافياً وبشرياً لاستضافة حدت كبير كهذا، تحتاج فيه لبناء شامل يشاد من الصفر، من بنى تحتية وفنادق ومطاعم وملاعب تكلّف عشرات وربما مئات مليارات الدولارات، وستصفر الرياح فيها عقب انتهائه، ولن يكون غريباً أن يتساءل، لماذا لم تبادر هذه الدولة الإسلامية التي تتبنى نهج السلام والدعوة للخير إلى تخصيص هذه المَبالغ المُبالغ فيها بهرجة لتوظيفها في معالجة مشكلة المناخ التي تهدد مستقبل العالم، أو تأمين الطعام لملايين الجائعين على مساحة الكون، أو تأمين مساكن أو خياماً للمهجّرين واللاجئين اتقاء لحرّ الصيف وقرّ الشتاء.

ويحق للمسلم أن يتساءل أليس من الخير لقطر أنها دفعت هذه الأموال لدعم اقتصادات دول إسلامية مثلها؟ وكأن توفر بنى تحتية تحمي سكان الباكستان من الفيضانات المتكررة، وتساهم في وقف إبادة المسلمين في الصين وميانمار، وتنقذ سكان الصومال من المجاعة، ما دفعته قطر إعداداً لهذا الحدث العابر كان كفيلاً بإنجاز كل ذلك.

وعندما يرى العربي "للتذكير، العاقل" الحدث الكبير الوقتي سيتذكر أن قطر تقف إلى جانب إيران التي تقتل العراقيين والسوريين واللبنانيين واليمنيين، ولن ينسى أنها دفعت المليارات لميليشيات الحشد الشعبي التي تدوس رقاب العراقيين، وهي التي رعت عملية التغيير الديمغرافي في سوريا من خلال ما يعرف بإتفاق المدن الأربع، ولن يغفر "العربي" لقَطَر دعمها جماعة الإخوان المسلمين التي امتطت ظهر ثورات الربيع العربي وأفشلتها، لهذا فإن العربي هو الوحيد الذي يتمنى لو أن الإعداد لكأس العالم استهلك أيضاً ما دفعته قطر من أموال لإيران والحشد الشعبي والإخوان المسلمين وجماعة الحوثي في اليمن.

ولا شك أن للمواطن القَطَري الكثير من التساؤلات عن سبب استضافة بلاده هذه البطولة العابرة بهذا المقابل الباهظ، لكنه إما مغلوب على أمره لا يستطيع التعبير عما يجول في صدره، فيهمس في سرّه: ما مردود هذه البطولة العالمية عليه، أما كان من الأجدر إقامة بينة صناعية إنتاجية للدولة عوضاً عنها، هذه المليارات التي تكفي لتحويل اقتصاد قطر إلى اقتصاد صناعي يضاف لواردات الغاز، وربما ارتضى قَطَريون الرفاهية التي ينعمون بها ملاذا دون غيره.

كانت قطر "سدادة الغاز" منذ بدأت ببيع الغاز تحاول إيجاد مساحة لها في الكون أكبر من حجمها، وبدهاء واضح فتحت خطوطاً واسعة مع جماعات التطرف الإسلامي لا سيما القاعدة بزعامة بن لادن، جعلتها عصا ملتوية في يدها يتجنبها الجميع، اتبعت ذلك بافتتاح قناة الجزيرة لتكون صوتاً مسموعاً يصرخ: هذه قطر، وألحقتها بشراء حقوق نقل منافسات كرة القدم الأكثر شعبية في العالم عبر قنوات بين سبورت، واشترت أكبر ناد لكرة القدم في فرنسا، وهذا يحقق لها انتشاراً قسرياً، ويجعل العالم يتداول اسم الدولة، وكل هذه الاستثمارات لا شك خاسرة إلا من الترويج لها.

لقطر الصغيرة طموحات على صعد شتى، ففي السياسة، تتوسط بين أطراف عالمية متصارعة، وغالباً ما تربطها صلات قوية مع الأطراف المنبوذة والمارقة، تمثل صوتهم في التفاوض، مثل إيران وطالبان وقبلها القاعدة.

الاختلاف مع رؤية حكام قطر هو الأمر الأكثر عقلانية، أما موافقتهم عليها، فتصب في خانة الانتفاع أو رغبة بالصمت، وأكثر من يحق له انتقاد قطر هم الأفراد بتمثيلهم الشخصي وليس المؤسسات والدول، فهذه لها من الانتهاكات ما يوازي ارتكابات قطر أو تفوقها.

كمواطن يحب كرة القدم، لم أرَ يوماً في كأس العالم بطولة نزيهة، إذ كان الفساد يستشري في أغلب دوراتها، وهذه الدورة تضاف إلى سابقاتها، فتعزّز العُرف، وتضيف عليه أسى يصيبني كمواطن في هذا الشرق المبتلي بحكام تقتصر مواهبهم على الإجرام والجهل.

 

ليفانت - عبد السلام حاج بكري

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!