الوضع المظلم
السبت ٢٠ / يوليو / ٢٠٢٤
Logo
في ذكرى العبور نحو البقاء
 صبحي ساله يي

بعد تغيير النظام في العراق، عمل الكورد بجد لبناء عراق جديد، وشاركوا بفاعلية في صياغة دستور يضمن ويحمي حقوقهم وحقوق جميع العراقيين. وظنوا أن السلوكيات والممارسات المتخلفة والإتهامات والمزايدات المهيجة والمستفزة ستختفي من القاموس السياسي والإعلامي العراقي بشأن مجمل الاستحقاقات الكوردستانية، لكنهم تفاجؤوا باستمرارها، بل وزيادتها بوتائر كبيرة وسريعة عبر سياسات مذهبية وشوفينية ونعرات قومية جديدة تجسدت في الانقلاب على الشراكة، والالتفاف على الدستور ومخالفته، وتخطي وتجاوز الاتفاقيات السياسية، ومحاولة اغتصاب حقوق الكورد المتعارف عليها، وثني عزيمتهم والضغط عليهم بممارسات تحمل الغل والعداء لإقليمهم وتاريخهم.

وبعد سنوات عجاف، احتدم الصراع بين إقليمهم والحكومة الاتحادية، وانتقل الخلاف، إلى مراحل حرجة ومستويات خطرة، وإلى تضارب المصالح، ولكن حكمة وذكاء القيادة السياسية الكوردستانية وتحليها بالعقلانية والصبر، بددت المخاوف وأنعشت الآمال، واتجهت الجهود نحو البحث عن حلول للمشكلات. وبدأت بإزاحة نوري المالكي عن السلطة، وتشكيل حكومة عراقية جديدة برئاسة حيدر العبادي. شارك الكوردستانيون فيها، وتم التوقيع على اتفاقات حظيت بترحيب واسع من أطراف وطنية وإقليمية ودولية، اتفاقات تفتح الطريق للبدء بوضع حلول عادلة للقضايا العالقة بين أربيل وبغداد، ولمد جسور الثقة بين الطرفين بعد سنوات من الشكوك والخلافات، وردم هوة الانقسام ومعالجة الأخطاء، والدفع باتجاه توحيد الصفوف من اجل التفرغ للمعركة المصيرية ضد داعش الإرهابي وإبعاد البلاد عن الكوارث.

ولكن للأسف الشديد، عاد الحكام في بغداد، مرة أخرى، إلى عاداتهم القديمة وبدلاً عن السعي في سبيل التلاشي التدريجي للأفكار السلبية وقصصها المأساوية في كل المجالات والصور المقولبة لها في أذهان الكوردستانيين، لجؤوا إلى إجراءات استفزازية وغير دستورية وغير قانونية وإلى التهديد والترهيب، وحاولوا تكرار الماضي الأليم، تارة بدعم المعادين للكوردستانيين، وتارة بقطع أرزاقهم، وتارة أخرى بمحاولة تفتيت صفوفهم وقولبة كيانهم الدستوري. 

كانت لتلك المواقف والإجراءات وقع الصاعقة على الكوردستانيين، وجعلتهم يشعرون بعمق المأساة ومرارة التعايش مع أناس لا يؤمنون بالتعايش السلمي. وفرضت عليهم الالتفات إلى أن الخطر الذي كان يهددهم منذ بداية تأسيس الدولة العراقية ما زال قائماً، وأن الثقافة العدائية تجاههم متأصلة في النفوس المريضة، كما استوجبت إعادة النظر في علاقاتهم مع الآخرين، وفرضت عليهم عدم التغاضي عما قيل من تصريحات وما أعلن من مواقف وما جرت من أحداث، والتوقف لبحث العلاقات بين مكونات بلد كان تأسيسه مبنياً على افتراضات خاطئة.

وعندما قرر الكوردستانيون العبور نحو البقاء وإجراء الاستفتاء في الـ 25 من أيلول 2017، للتعبير عن رأيهم ورغبتهم في تقرير مصيرهم، في أروع تظاهرة سلمية ديموقراطية شهدتها المنطقة، وأوصلوا أصواتهم إلى أسماع العالم وحققوا واحداً من أكبر الإنجازات الوطنية والقومية. أهاج روح العصبية القومية والكراهية المذهبية والشوفينية عند المتناحرين والمتنافرين فيما بينهم والمتحدين ضد التطلعات الكوردستانية، وأعادهم إلى حقدهم الأعمى الذي هو الأساس في تعاملهم مع الكورد والقضية الكوردية، وراحوا يصبّون جام حقدهم الأعمى وبغضهم المسموم على الموقعين على قرار إجراء الاستفتاء والمتجهين نحو صناديق الاقتراع ، وانقلبت المعادلة في نفوس الذين تسري في عروقهم الجهل والغباء، والذين لم يستفيدوا من تجارب الماضي وآلام الحاضر والتخوفات من المستقبل، بل من التاريخ كله.

اتخذت الحكومة العراقية وبرلمان بغداد، خطوات كثيرة لتعطيل ذلك المسار المنسجم مع الدستور العراقي، وتجاهلت الحقائق وممارست أساليب عنصرية بشعة وخبيثة للنيل من وجود وإرادة الكورد، وقد كانت لتلك الخطوات تداعيات سلبية أكبر وأخطر من تداعيات إجراء الاستفتاء نفسها وخلقت شروخاً جديدة وكبيرة بين الكورد والعرب وعلى جميع المستويات الرسمية والشعبية. وفي ظل الصمت الدولي المخزي المتعارض مع كل مبادئ حقوق الانسان، تعرض الكوردستانيون للتآمر العنصري المحلي والإقليمي النتن، وتم اجتياح 51% من أراضيهم من قبل الذين لايؤمنون بأي حق ديمقراطي ولايعترفون بالوسائل السلمية للتعبير عن الرأي.

حكومة إقليم كوردستان، حقناً للدماء اختارت عدم اللجوء إلى القوة، وقررت تجميد نتائج الاستفتاء، ولم تلغها لأنها لا تستطيع فعل ذلك، كما قررت استمرار التواصل والحوار والتفاهم مع بغداد، ولكن من في بغداد الآن، مع يقينهم التام بأن نتيجة الاستفتاء وانتصاره الساحق قد دخل التاريخ من أوسع أبوابه كوثيقة قانونية لا يمكن بأي حال من الأحوال التنازل عنها أو إلغاؤها فإنهم ما زالوا يتعنتون ويريدون فرض آرائهم الخاطئة وعرقلة تنفيذ الدستور

هؤلاء لايفهمون حقائق الأمور الواضحة والصريحة، وربما لا يريدون قراءة الأمر الواقع ومواجهة المرحلة حسب وجهة نظر منطقية ومعالجة مشكلة قديمة بعمر الدولة العراقية. لذلك ما زالوا يحاولون العودة إلى الوراء، وما زلنا نسمع منهم كل يوم شعارات جوفاء ومزايدات سياسية رخيصة لتأجيج الفتن، وما شاهدناه خلال مناقشة قانون الموازنة قبل أشهر، وما نشاهده من التسويف والتهرب من دفع رواتب ومستحقات موظفي وفلاحي كوردستان خير دليل على عدم تشخيص الأخطاء والنواقص ومكامن الخلل وعدم وضع الأصبع على الجرح لدرء المخاطر وتحمل المسؤولية بأعذار متضاربة.

*ملاحظة ( كوردستان.. العبور نحو البقاء) عنوان كتاب قيّم للكاتب والصحفي بختيار شاخي، صدر في الذكرى الثانية للاستفتاء، يضم أكثر من 700 صفحة من الحجم الكبير، تشرفت بمراجعته قبل طبعه باللغة العربية.

ليفانت  - صبحي ساله يي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!