الوضع المظلم
الخميس ٠٢ / مايو / ٢٠٢٤
Logo
تأصيل مفهوم العلمانيّة
كمال اللبواني

هناك مفهومان للعلمانية، واحد فرنسي (لاسيتيه) وواحد إنكليزي (سيكيولارزم). نشأ المفهوم الفرنسي من مفهوم الشعب (لاييك) مقابل الكهنة (كليرك)، فالعلمانيون في المفهوم الفرنسي هم الشعب (العامة) بمقابل كهنة رجال الدين المنتظمين بنظام كنسي بطريركي، فعندما قامت الثورة الفرنسية أطاحت بالنظام الملكي المدعوم من النظام الكنسي واللوردات الإقطاعيين كلهم معاً وجميعاً، وتحررت من سلطاتهم.


واعتبرت الشعب هو صاحب السيادة العليا من دون وصاية ولا إشراف ولا مرجعيات، فهو وحده من يقرر ويشرع ويختار السلطة، والدولة هي من تشرف على تدريس القيم والمبادئ للجمهورية، وليس الكهنوت، فالثورة الفرنسية كانت راديكالية لأنها واجهت تحالفاً متماسكاً من اللوردات الإقطاعيين والملك والكنيسة المرتبطة بالبابا، حيث فشلت قبلها ثورة الاحتجاج الديني البروتستانتية في التغلب على سلطة الكنسية البابوية، وعطلت كل عملية إصلاح ديني وسياسي. بينما في دول أخرى استطاعت البروتستانتية فرض الإصلاح الديني الذي يبعد الدين عن النظام الإقطاعي والسلطات القائمة، ويفك تحالفه معهما، ليسمح بتطور الحريات العامة التي حملتها التغييرات البرجوازية في نمط الحياة الاقتصادية والاجتماعية.


في الدول التي شهدت إصلاحاً دينياً تطور أيضاً مفهوم للعلمانية مختلفاً عن السابق، يكتفي بتعزيز حياد الدولة تجاه المؤسسة الدينية وبالعكس، من دون أن يعتبر الدين ومؤسساته عدواً للشعب والسلطات الجديدة التي فرضتها التغيرات نحو الرأسمالية. وهذا يمثله النموذج البريطاني. وهكذا يتعايش الدين مع الدولة بحياد واستقلال، من دون أن يتدخل أحدهما بالآخر فسلطة الدولة مستمدة من الشعب، والدين له سلطة الضمير والقناعة الحرة فقط، ورجال الدين لا دور سياسي أو سلطوي لهم، بل وظيفة رعوية روحية فقط، حيث تمكن الإقطاع والكنيسة من التكيف مع البرجوازية والتغييرات الجديدة والتعايش معها والتداخل فيها تدريجياً، بينما في ألمانيا صمدت البنية البطريركية الإقطاعية طويلاً في وجه البرجوازية، فتأخر التحول الرأسمالي، وهكذا نمت الفلسفات والعمل النظري كتعويض عن العجز العملي، وهكذا صارت ألمانيا مصنع الفلسفات التي تنطحت أيضاً لهذه القضايا، بدءاً من هيجل ومروراً بفيورباخ، الذي يعتبر فيلسوف العلمانية، بشكلها الفرنسي، والذي يقترب من مفهوم العلمية المادية التجريبية، المضادة للفلسفة المثالية برمتها، فالعلمانية تتراوح بين العداء للدين، والتسامح معه، لكنها تتفق في مفهوميها على تحييد رجال الدين وإبعادهم عن السياسة، وبالعكس (أي منع الدولة من التدخل بالشأن الديني أيضاً).


وهكذا يصبح التعريف الصحيح للعلمانية هي فصل الدولة عن سلطة رجال الدين، وعن المرجعيات الدينية الإكليرية والنصية كمصدر للتشريع ومرجعاً له، وإعطاء هذا الحق للشعب وحده كمصدر وحيد للشرعية، بينما تصبح عملية محاربة الدين باسم العلمانية تطرفاً، أو مشروطة بقبول أو عدم قبول المؤسسة الدينية لهذا الفصل، فالدفاع عن حرية الشعب، ومنع الوصاية عليه، وتمكينه من حقوق المواطنة المتساوية تتطلب عدم خضوعه لسلطة الإكليروس، بل للقانون والنظام مباشرة، الذي يرتضيه الشعب لنفسه ويطبق على الجميع في دولة المواطنة دولة الحق والقانون.


كمال البواني


ليفانت - د. كمال اللبواني ليفانت 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!