الوضع المظلم
الخميس ٠٨ / ديسمبر / ٢٠٢٢
Logo
بوتين يدقّ ناقوس النووي
حسام فاروق

استمرار الضغط على الرئيس الروسي بوتين بسبب عدم إحرازه تقدماً ملحوظاً في الحرب واستشعاره أن قواته بدأت تفقد حماسها، بعد سبعة أشهر من العمليات القتالية، جعله يعلن على عجلة من أمره عن إجراء استفتاءات دون إنذار مسبق لضم أربع مناطق في جنوب وشرق أوكرانيا للأراضي الروسية، هي لوهانسك ودونيتسك وخيرسون وزابوريجيا، ثم يعلن ضمها بالفعل، ومؤخراً حشد بوتين نحو 300,000 مجند ضمن القوات الروسية المحاربة في أوكرانيا ليؤكد على أن الاستراتيجية الغربية لم تنجح في إقناعه بالعدول عن قرار حرب من المتوقع ألا ينتصر فيها، في وقت كان الغرب يأمل أن تدفع الانتصارات التي حققتها القوات الأوكرانية مؤخراً الرئيس بوتين للتراجع عن موقفه.

أثبتت التجربة أن العكس هو الصحيح وأن بوتين يسعى لتعزيز قدرات قواته في أوكرانيا، ويرى تلك الحرب "حرب وجود" وأنه على أتم استعداد للتصعيد العسكري إلى حد المغامرة إذا رأى أنه يتكبد خسائر في أرض المعركة، وهو الآن أكثر من أي وقت مضى لديه الاستعداد بالفعل لاستخدام السلاح النووي، بعد أن تمكنت أوكرانيا من استعادة خاركيف، ليصبح العالم بأسره على بعد خطوتين أو ثلاث من حرب نووية طاحنة، في تصعيد خطير لم يشهده العالم منذ 77 سنة.

قبل الخوض في تفاصيل احتمالية استخدام روسيا للسلاح النووي، يجب أولاً أن نوضح أن ضم روسيا للأقاليم الأربعة، سيجعل أي ضربات لتلك المناطق بمثابة ضربات لموسكو ذاتها، باختصار يريد بوتين نقل الحرب ولو نظرياً إلى الأراضي الروسية، ويقول: "كنا نتعارك في أوكرانيا، والآن أصبحت أرض المعركة روسية".

أعلن بوتين أن روسيا ستدافع عن أراضيها بما فيها الأقاليم الجديدة بكل الوسائل الممكنة، وقال الرئيس الروسي السابق، دميتري ميدفيديف، قبل أيام أنه بمجرد أن يرفرف العلم الروسي فوق الأقاليم الأربعة ستحصل على نفس مستوى الحماية كأي جزء آخر من الاتحاد الروسي، ويخطط بوتين لرفع العلم الروسي على مساحة تزيد عن 100 ألف كيلومتر مربع، من أراضي شرق أوكرانيا، وهو ما تعتبره كييف انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.

كان بوتين قد وقع في عام 2020، مرسوماً بتحديث العقيدة النووية الروسية بما يسمح باستخدام السلاح النووي في حالة العدوان على روسيا، وعندما يكون وجود الدولة ذاته تحت التهديد، وقبل أيام أصدر بوتين تحذيراً قائلاً: "أولئك الذين يحاولون ابتزازنا بالأسلحة النووية يجب أن يعلموا أن الرياح السائدة يمكن أن تنقلب في اتجاههم"، وأشار بشكل عابر إلى أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي في ساحة المعركة وكانت سباقة في هذا الصدد حين ألقت القنبلة الذرية على هيروشيما وناجازاكي.

تعارض الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون وعدد من الدول الأخرى ضم روسيا للأقاليم الأوكرانية الأربعة، ويرون أن الاستفتاءات كانت خدعة لم تخل من تزوير الأرقام النهائية، أُجبر فيها بعض السكان على التصويت تحت تهديد السلاح، وفر جزء كبير منهم كنازحين داخلياً، ويقولون أيضاً إن السماح لدولة ما بالاستيلاء على أراض دولة أخرى بالقوة يشكل سابقة مزعزعة للاستقرار وأن روسيا، عضو في الأمم المتحدة، لكنها تنتهك ميثاق الأمم المتحدة، الذي يلزم الدول الأعضاء في المنظمة الامتناع عن استخدام القوة ضد وحدة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. وندد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بهذه الخطوة واصفاً إياها بأنها لا قيمة قانونية لها وتمثل تصعيداً خطيراً يخترق أهداف ومبادئ الأمم المتحدة، لكن الشواهد السابقة تؤكد أن رد فعل الغرب تجاه الضم لن يتعدى نطاق العقوبات.

ما أشبه الليلة بالبارحة، فالأمر يبدو وكأنه صورة طبق الأصل لما فعله بوتين، في مارس/ آذار 2014، إذ انتزع شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، ودعا إلى استفتاء لقي معارضة واسعة من المجتمع الدولي، لكن في الأخير ضمها إلى بلاده، الفرق الوحيد أن ضم القرم لم يكن مصحوباً بإراقة دماء، وأحكمت روسيا سيطرتها التامة عليها، أما المناطق الأربع فهي كلها بدرجات متفاوتة في يد أوكرانيا جزئياً، وتمثل مجتمعة 15 في المئة من التراب الأوكراني.. وكانت المنطقتان الشرقيتان في يد المتمردين لروسيا منذ 2014، ولكن بعد سبعة أشهر لم تعد روسيا تسيطر إلا على 60 في المئة دونيتسك، وما تزال عاصمة زاباروجيا في يد أوكرانيا، وإن كانت في مرمى الصواريخ الروسية وتتعرض لوهانسك إلى هجوم من القوات الأوكرانية، الموجودة أيضاً على بعد أميال من خيرسون.

نبرة التهديد بالنووي الروسي علت مقارنة بما كانت عليه في وقت سابق من العام، والخوف حالياً من أن تبلغ مشاعر الإحباط ببوتين مبلغاً يدفعه لاستخدام السلاح النووي لتغيير اتجاه حرب يبدو أنها لا تسير في صالحه، ظل المسؤولون الغربيون لا يعتقدون أن الرئيس الروسي سوف ينفذ تهديده باستخدام السلاح النووي وأنه يلوح به فقط كسلاح ردع لمنع الدول الغربية من إمداد أوكرانيا بالأسلحة المتطورة، ولكن بعد أن ضمت روسيا الأقاليم الأربعة، فمن المتوقع استخدام السلاح النووي، لحمايتها من هجمات القوات الأوكرانية، وهو ما جعل المسؤولون في الغرب يعيدون النظر في تهديدات بوتين ويأخذونها على محمل الجد، فحذرت أمريكا من هذه الخطوة، حيث أعلن جاك سوليفان، مستشار الأمن القومي الأمريكي، أن استخدام السلاح النووي من جانب روسيا سوف يكون له عواقب خطيرة، رافضاً في نفس الوقت تحديد ماهية تلك العواقب.

صحيح أن التهديد الروسي بالسلاح النووي يهدف إلى إخافة أوروبا من لتقلل دعمها لأوكرانيا، لكن الدول الأوروبية تعلمت من مجريات الحرب العالمية الثانية، أن أي خضوع أو تهاون مع التهديدات العسكرية له نتائج عكسية، لذلك فهي لن تتساهل هذه المرة مع روسيا، لأن ذلك سيشجع بوتين على الاستمرار في مشروعه الذي قد لا يتوقف عند أوكرانيا، ومن ثم فمن غير المتوقع أن يدفع التهديد بالنووي، حلف الناتو إلى التراجع عن سياسته الحالية الرامية إلى ردع روسيا ومعاقبتها.

السيناريوهات المقبلة تبدو قاتمة، في ظل غياب المساعي الدولية الجدية للتوصل إلى حل لهذه الأزمة، حتى بعد مرور سبعة أشهر على تفاقمها، روسيا الآن تهدد باستخدام السلاح النووي من أجل تفادي الهزيمة في أوكرانيا، وفي ظل غياب الوساطات العالمية المؤثرة للحل، خاصة من الصين والهند، اللتين أعربتا مؤخراً عن انتقادهما للتدخل الروسي في أوكرانيا، رغم مواصلتهما التعامل التجاري والدبلوماسي الطبيعي معها، قد يجد الرئيس الروسي نفسه مضطراً إلى استخدامه النووي حتى ولو استخداماً محدوداً لاختبار ردة الفعل العالمية.

التهديد بالسلاح النووي أمر جد خطير ولا يمكن تجاهله، حتى وإن كان مجرد تهديد لإخافة الخصوم، وإن بقيت دول العالم، لا سيما الكبرى منها، تفي موقع المتفرج، دون أن تبحث جدياً عن حل، فإن القلق العالمي من استخدام النووي، سيربك الاقتصاد، ويدفع دولاً عديدة إلى دخول سباق التسلح النووي هي الأخرى، وإعادة النظر في خططها وحساباتها المستقبلية، وهذا بالطبع سيعرقل النمو الاقتصادي والتقدم العلمي، ويقوض الاستقرار والسلم الدوليين.

 

ليفانت - حسام فاروق

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!