الوضع المظلم
الجمعة ١٩ / يوليو / ٢٠٢٤
Logo
  • الكورونا وشبح أزمة الأخلاق السائدة في النظام العالمي-الجزء الثاني

الكورونا وشبح أزمة الأخلاق السائدة في النظام العالمي-الجزء الثاني
أحمد منصور

مقال متمم لما سبقه: النظام العالمي

ومن هنا أجد مدخل لعنوان سابق طرحه الكثيرون بأن العالم ما قبل كورونا ليس كما بعد كورونا وضمن عدة صياغات وأبعاد لهذا العنوان، فمن المؤكد أن هذا الوباء القاتل والمُدمر للحياة البشرية، شكل لحظات حزينة وعلامات فارقة كارثية في التاريخ الإنساني المعاصر، ولكن تبقى هناك جوانب يفرض وجودها، الضرورة المُلحة للنظر أليها وتناولها بعيداً عن السلبيات والأحزان القاهرة، التي تخلفها تلك الآفة الوبائية، وعلى الجانب الآخر من تراكمات مجمل الفوضى الرعب والذعر والقلق الحاصل في كل بقاع العالم، كان لا بد لي من الانتباه إلى بعض الإيجابية والتي أصبحت حالات نادراً ما نراها فيما قبل الكورونا، بأن هذه الأيام والأسابيع القادمة، رسمت معالم وملامح جيدة بل وممتازة لإعادة أحياء عموم العلاقات الاجتماعية الزوجية، الأبوية، العائلية، الصداقات، ... إلخ، والتي غلب على معظمها في الأوقات السابقة، طابع القطيعة والبرود وعدم الاهتمام في أهمية دور سائر العلاقات الاجتماعية، في تجسيد النمط الإيجابي للحياة، والذي يدفع المجتمعات لتعزيز أواصر الاحترام لتعدد الآراء والمعتقدات، والحرص على وحدة مصيرها، وصون حقوق الفرد والجماعة والمجتمعات والشعوب في حال تعرضت لاغتصاب وانتهاك واستبداد، من قبل أنظمة ديكتاتورية أو دول معتدية أو جماعات وتنظيمات شاذة عابرة للوطنيات والحدود، وهذا ما دفع الكثير من نخب ومثقفين العالم إلى اغتنام هذا الوقت والمسافات القريبة التي تجمع الأسر والعائلات ببعضها ليكون هناك تفعيل لتلك الروابط المتجمدة والمقطوعة، من خلال الفرق بين انهيار وتراخي تلك العلاقات وضرورة إعادة تجميعها وفق عوامل حميمية تدفع الإنسان/ة إلى تحمل المسؤولية الأخلاقية في مواجهة عدة قضايا ومسائل على المستوى العائلي، البيئي، المحيطي، الوطني، العالمي. مما يشكل ظاهرة اندماج طبيعي بين سائر المجتمعات، والذي تعززه مكملات اساسية منها التبادل الثقافي والتجاري والصناعي والتعليمي والتربوي، ويجعل الدول شعوباً وحكومات منفتحة على بعضها ديموغرافياً، وجيوجغرافياً، وهنا لا يوجد حديث عن أتحاد وتوحيد للسياسات علماً أنه حتى إذا كان ذلك فهو اليوم لصالح تحضر المجتمعات وتطورها، كما أن ذلك لا يمحي أو يزيل هوية دولة أو مجتمع ما، بل سيكون هناك حفاظ واحترام متبادل للهوية الوطنية لكل مجتمع، وهذا بدوره يحفظ قيمة الإنسان ويحمي حقوق المواطنة ويصون قيم الحريات، وهذا ما تحتاجه عموم الإنسانية وخصوصاً في دول العالم النامي، الغارقة في مستنقعات التأخر والاستبداد واللا حقوق واللا هوية، أن الدفء الحاصل اليوم في اجتماع كل العوائل وحرصها على بعضها وغيرها من العائلات والمجتمعات شكل ظاهرة اجتماعية يفترض من عموم مثقفي ونخب وناشطي المجتمع المدني التقاطها، والعمل على تنشيطها من أجل مساندة قضايا المجتمعات والجماعات والأفراد الرازحين تحت الظلم والقمع والترهيب والاستغلال والأنكار لقيمة حياتهم ومستقبلهم، أعلم أن هناك من سيقول: من أين يأتي هذا الاستشراف للمستقبل في وقت نحن فيه عالقون في أزمة انتشار هذا الوباء القاتل ؟؟!!؛ علماً أن الجواب حاضر من الواقع الذي نحياه والذي يتكشف في كل يوم ينتشر فيه هذا الفيروس خاطفاً فيه الطمأنينة والسكينة والأرواح، بغض النظر عن اللون والعرق والديانة والمذهب والطائفة والملة والعشيرة والقبيلة والمنطقة والبلد. النظام العالمي


• ووفق السياق أعلاه لا بد من الإشارة إلى واقع مأزوم وصلت أليه سائر البشرية، من خلال ما يسودها من عوامل مغلوطة، تتجه إلى عولمة المجتمعات البشرية وتحويلها إلى شبه آلية، وهذا لا علاقة له في عولمة الهيكل الأداري والتنظيمي والأرشيفي للحكومات والقطاعات العامة والخاصة ( اقتصادي، تجاري وصناعي، طبي، تربوي وصحي، فكري وثقافي ... إلخ )، مما أدى تدريجياً إلى فقدان القيمة الجوهرية والحيوية للعنصر الإنساني، وتدمير المعنى والمفهوم الضمني والتحتي للفرد وخصوصيته وشخصيته ومن ثم تشويه قيم ومعاني العائلة، إضافة إلى تناولها للقيم الأخلاقية ووضعها ضمن إطار متعدد وجهات النظر، مما أدى إلى مفاهيم وسلوكيات خاطئة، معظمها مُجرد من أدنى روح المُحاكمة والتقدير لمواقف الآخرين سلباً أو أيجاباً، مما أتاح للبعض النفعي ومن كل المجالات، في استغلال ذلك بما يتعارض مع ميزان الحقوق والحريات، وتسخير كل الوسائل والأدوات وفي المقدمة الواقع الافتراضي، عبر استغلال مواقع البحث والتواصل الاجتماعي، لإجراء محاكاة خاطئة لا علاقة لها في الواقع المعيشي واليومي للأفراد والمجتمعات وحتى الدول، ويتجلى ذلك عبر إطلاق النزوات لمنتهزي السلطة والثروات، وإغراقها للمجتمعات الهشة في براثن الجهل والتبعية العمياء والتأخر، وتوجيهها نحو البحث عن اللا واقع العدمي، وتسخيرها نحو التعلق بالمفاهيم الخاطئة، التي تسمح لهم في إطلاق همسات الأنين ضمن ظلامية المجهول، مما يجعلها أداة طيعة يتحكم فيها من يمسك بالعصا والكرباج، ويستخدمها على حسب مصالحه ودوافعه، مما يجعل تلك المجتمعات مجرد أدوات خانعة وهشة، وما يساعد على تنامي ذلك الواقع المُشين، هو انتشار المعلومة المشوهة والمُضللة سواء كانت تاريخية، سياسية، اجتماعية، طبية، ثقافية، ... إلخ، وهو ما يخدم كتل اللا أخلاق واللا نزاهة في تقييد حركة المجتمعات، ناهيكم عن قفز تلك الكتل نحو التدخل وعبر هذا الواقع المأزوم بأدق تفاصيل وخصوصيات الحياة الخاصة للأشخاص، مما يشكل انتهاك صارخ لحقوق الإنسان وحريته، كما استغلال تطور هذا الواقع الافتراضي من أجل الذهاب نحو الأسوء، حيث شارفت على تجميد روح الإنسانية، وإعادة الإنسان إلى الطبائع والغرائز البشرية،《البشري في طبيعته كائن حيواني يعمد على الفتك ببعضه البعض دون غيره من الحيوانات الطبيعية》، كما تعمدها في القضاء على روح القانون لتكون بذلك قضت على منظومة واسعة من النظُم والقيم التي توضح ضرورات سيادة الأخلاق في الحكومات والمجتمعات، مما يقيد حركة التاريخ وتطوره الإنساني المجتمعي والحضري. النظام العالمي


وضمن كل هذا التصور السابق أعتقد بأننا اليوم أمام عدة مفارق من الطرق جميعها يخضع ضمن مواجهة أزمة أخلاق حادة تفضي نتائجها عند النهاية أما نحو إعادة عمار الأنسان بما يضمن له حياة ومستقبل آمن ومستقر عبر هيكلة النظم والحقوق والقوانين الإنسانية وتأمين كل المتطلبات التي تحمي وتصون له ذلك عبر وجود حكومات ومؤسسات وشركات عمادها اقتصاد وقوانين قائمة على ضمانة التنمية المستدامة. أو الاتجاه نحو ما هو أسوء عبر العودة إلى الماضي العفن وقيمه وموروثاته المتأخرة القائمة على تعويم شخصيات تقود تيارات وأيديولوجيات مرجعها الا أخلاق والا نزاهة ولا توجد لديها قيمة لحياة الإنسان ودوره في الحياة.


وفي النهاية وبحسب اعتقادي أن هذا الوقت يشكل لحظات مواتية وحاسمة قادرين من خلالها أفراد ومجتمعات، حكومات ومؤسسات، شركات ومنظمات أن نُعيد النظر جميعنا إلى أهمية دور الإنسان في مجتمعه والتأكيد أن لا حياة كريمة وعادلة بدون سيادة القيم الإنسانية ولا وجود للاستقرار والأمان والمساواة في العالم دون وجود معيار مرتفع لسيادة الأخلاق والنزاهة.

وفي الختام هناك سؤال يفرض نفسه ، هل كانت عموم الإنسانية بمؤسساتها الرسمية العمومية والخاصة في حاجة إلى ظهور هذا الفيروس القاتل حتى تُعاد أليهم دفء الروابط والعلاقات العائلية والاجتماعية التي أتلفها الطمع والحقد البشري. النظام العالمي


ليفانت-أحمد منصور ليفانت

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!