الوضع المظلم
الأحد ٠٢ / أكتوبر / ٢٠٢٢
Logo
القوة الجاذبة والنابذة مع الشباب والجوار
باسل كويفي

إنّ الشعوب أو الجماعات التي تهمّش دور الفكر في حياتها تُهمّش عملياً دور العقل لتُحِلَّ مكانه الغرائز والانفعالات فتصبح الشعوب أدوات فتن، وتتحوّل الأوطان إلى بؤر صراعات تؤجّحها القوى التي تملك "أفكاراً ومشاريعاً"، تُحدث فرقاً شاسعاً بين الشعارات التي تم طرحها أوائل القرن الماضي خلال فترة الاستقلال من الاستعمار، في حق الشعوب بتقرير مصيرها ضمن الإطار الوطني، وبين الشعارات المطروحة حالياً من بعض الشعوب في بلدانها الوطنية لتتحول إلى معنى معاكس (حق الشعوب بتدمير مصيرها) في الحاضن المشترك الوطني والجغرافي.

من تلك التناقضات وغيرها من الأسباب المختلفة التي تدعو للهجرة، اضطرار اللاجئين إلى مغادرة وطنهم بسبب الحرب أو الاضطهاد، وترك ممتلكاتهم بسرعة والمغادرة عبر موانئ سفر شرعية أو دون، بالطيران جواً أو بالقوارب المطاطية بحراً أو عبر الجبال والأشرطة الشائكة، في الليالي الباردة أو الشمس الحارقة، قد يكون هروباً من واقع مرير إلى آخر ربما يكون أشد مرارة في بلاد الغربة، أو إلى فرص غير سانحة، لكن الأمل يحدوهم في اقتناصها.

بعد رحلات قوارب الموت التي في معظمها رحلة إلى الموت يقودها تجار الحروب ومافيات التهريب، أصبحنا بحاجة لعلماء نفس واجتماع وحقوقيين وأطباء ومهندسين... ليقوموا بدراسات على مجتمعاتنا وكيف وصل بها الحال لما نحن عليه.. كما هي ظاهرة الانتحار بشقيها الفردي  والجماعي.

من الواقع المنطقي أن تسارع كل دولة (يهاجر أبناؤها) إلى وضع استراتيجية متكاملة تعكس رؤية الدولة وتصورها المستقبلي للحد من الهجرة وتتواكب مع خطة الدولة للتنمية المستدامة 2030، وتستند إلى دعائم راسخة وهي احترام سيادة القانون ومبادئ ومعايير حقوق الإنسان إلى جانب المشاركة المجتمعية والإقليمية والدولية.

استطلاعات الرأي العام المجتمعي وبعض الإحصائيات المأخوذة من السوشيال ميديا في معظم بلدان منطقتنا الأوسطية، تدلل على "أننا لسنا بخير"، كذلك تُبرز جملة من الظواهر المقلقة التي تتسلل إلى عمق البنية الفكرية والنفسية للمجتمع، وتضرب بقسوة منظومة العلاقات البينية التي تربط الأفراد بمؤسساتهم، وبعضهم بالبعض الآخر.

اقتباس (الأستاذ عريب رنتاوي)

"هذه نتيجة مروعة في بلد يفاخر بالأمن والأمان، ويخرج مسؤولوه صبحاً ومساء بتصريحات تذكّر الأردنيين بـ"النِعم" التي يتمتعون بها، فيما جوارهم القريب والبعيد يكتوي بنيران الحروب والصراعات الداخلية والتدخلات الأجنبية، والفقر والجوع والعوز.. قائمة الراغبين بالهجرة عن أوطانهم يتصدرها الأردن، وهي من بين قوائم ومؤشرات قليلة على أية حال التي يتصدرها.

الشباب (18 – 29 سنة) هم الأكثر ميلاً للهجرة (63 بالمئة)، أكثر من نصفهم (56 بالمئة) من الجامعيين، على الرغم من التركيز غير المسبوق في الخطاب الأردني على أهمية هذه الشريحة والحاجة لتمكينها وإدماجها في الاقتصاد والسياسة.. دوافع غالبيتهم العظمى اقتصادية (93 بالمئة)، برغم وعود الرفاه وبرامج الإصلاح الاقتصادي واستراتيجيات النمو والتحديث.

مواصلة التعليم ليست حافزاً للهجرة سوى لستة بالمئة منهم، أما الحالة الأمنية في البلاد فلا تُقلق أكثر من واحدٍ بالمئة.. إذن، الاقتصاد أولاً، ولكنه ليس أخيراً.

ثمة دول تعاني "جوائح اقتصادية" تطال أساسيات الحياة في البلاد، ولا ينعم سكانها بالكهرباء إلا لسويعات قليلة، والماء النظيف يبدو حلماً بعيد المنال، فيما الفلتان الأمني وفوضى السلاح والأخطار المحدقة بالحياة تكاد تطاول الجميع من دون استثناء، ومع ذلك فإن نسباً أقل من أبنائها وبناتها يفكرون في ترك البلاد في رحلة ذهاب بلا عودة.

"الاقتصاد"، على أهميته، لا يمكن أن يكون سبباً في حفز أكثر من نصف الأردنيين لترك بلادهم، إذ لولا تضافر هذا العامل بعوامل أخرى، لا تقل أهمية أبداً، لما تشكلت الظاهرة وتفاقمت.. هنا، نعود لمقالتنا السابقة، والمتصلة أساساً بفقدان الأردنيين لرأس مالهم الاجتماعي، وهي بالمناسبة نتيجة خرجت بها دراسة لمنتدى الاستراتيجيات الأردني مؤخراً، وحذرت من مخاطرها، ولفتت إلى ضعف اهتمام الحكومات بها باعتبارها شرطاً مسبقاً لإنجاز النمو والتنمية.

حين يفقد ثلثا الأردنيين الثقة بمعظم مؤسسات دولتهم (باستثناء الجيش والمؤسسة الأمنية)، وحين تنهار ثقتهم بأحزابهم وبرلمانهم وصحافتهم وإعلامهم ونخبهم، وحين تُبدي النسبة ذاتها انعدام ثقة بجيرانها وأصدقائها وأقاربها، وحين تحجم نسبة 70 بالمئة عن المشاركة في الانتخابات العامة، وتبدي النسبة ذاتها عزوفاً عن متابعة الشأن العام والانخراط فيه، فإن الأردن ليس بخير، والأردنيين ليسوا بخير.

ولا أدري كم "ناقوس خطر" يتعين أن يُقرع، وكم جهة يتعين عليها الإسهام في "قرعه"، حتى تستيقظ الدولة بمؤسساتها المختلفة، وفي مقدمها الحكومة، على الانتباه لما يقلق الناس، ولا يبقيهم في الأرض".

انتهى الاقتباس

ما ينبغي أن يتأسس عليه فهم التطور والتغييرات في المواقف السياسية هو طبيعة الصراع العالمي وما ينتجه من تحولات كبرى في موازين القوى، وتأتي زيارة بيلوسي إلى تايوان، أول الشهر الحالي، وتوسيع حلف الناتو وتسريبات وثائق ترامب السرية وزيارة بلينكن لأفريقيا في هذا الوقت في نفس السياق، لإعادة تموضع الدول والتيارات المختلفة على كافة المستويات والابتعاد تدريجياً عن التوجه للإرادة الأمريكية التي تعمل جاهدة للإيحاء بأن حربها لا تدور في أوكرانيا فقط عسكرياً بل في محاور وزوايا الاقتصاد العالمي لتصبح حرب استنزاف وموارد للدول بشكل تصاعدي. 

وتأتي تصريحات المسؤولين الأتراك، وآخرهم وزير الخارجية "مولود جاويش أوغلو" عن لقاء جمعه مع وزير الخارجية السوري والاجتماعات الأمنية المتتابعة لإيجاد مساحة مشتركة ومصالح متقابلة بعيداً عن الأيديولوجيا القاتلة وأوهام الانتهازية الزائفة، لأنها السبيل الوحيد لسياسات أكثر مرونة وقابلية للاستدامة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وأعتقد بما لا يدع مجالاً للشك بأن هذه المبادرات تأتي ضمن مقررات أستانا والدول الضامنة للحل السياسي وفق القرار 2254، حيث تتشكل قوة هائلة في التضامن والتعاون لإطلاق العنان في بناء مستقبل وسلام واستقرار مستدام، يحافظ فيه الطرفان على مصالح شعوبهما وترتسم التوازنات السياسية الداخلية والخارجية والإقليمية مع ما يرافقها من الانفتاح والتعافي المجتمعي والاقتصادي والثقافي.

من جانب آخر، صرحت وزيرة الأسرة والخدمات الاجتماعية التركية (داريا يانك) أن تركيا لا تعتني باللاجئين السوريين من باب الرحمة فقط، وإنما من أجل حماية حدودها، ولن يبقى أحد من السوريين في تركيا بعد عام 2023، في نفس الوقت الذي صرح فيه وزير اللاجئين في لبنان بأنه تم التوافق على إعادة اللاجئين السوريين بما يقارب 15 ألف سوري من لبنان شهرياً، بما يشير إلى أن ملف اللاجئين وتسييسه قد أصبح من الماضي وأن عودة اللاجئين إلى بلدهم إضاءة على انتهاء الأزمة.

علينا تحديد الواقع السِّياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ والعسكريّ في كامل الجغرافيا السُّوريَّة بشكلٍ علميّ ومنهجيَّة واضحة بمنطق الدَّولة (الشعب والجغرافيا والحكومة)، وليس بمنطق تيار سياسيّ وحزبيّ.

وهذا الأمر غاية في الأهمِّيَّة؛ فغالبيَّة الدُّول الكبرى لا تتَّخذ أيّ قرار قبل الاستماع للشخصيات الفكرية والمراكز البحثيَّة. تُحدِّد الواقع، وتَقْرَأ المُؤشِّرَات، وتُحَلِّل العلاقات، وتقرأ المستقبل، وتُقَدِّم مُخْرَجاتها لمراكز اتِّخاذ القرار. (العلاقة مع تركيا وفتح الأبواب المغلقة وتأثيراتها الإيجابية على سوريا).

باعتقادي، إن ردّ الجميل للمجتمع الذي تعرض للانقسامات بتدخلات الجوار وعدم التقّيد بأخلاقيات القانون الدولي ومعاهدات حسن الجوار، يتطلب إعادة بناء الثقة ومواجهة خطاب الكراهية والتهويل الإعلامي وقبول الاختلاف وحل الخلاف بالحوار السياسي بدلاً من التدخل العسكري.

فالفكر المتطرف لا يؤمن بالعلم ولا يبالي بالحكمة ولا يعترف بالحوار.. وكما كتبت الباحثة التونسية (ألفة يوسف) "أكبر الألغام المزروعة في أعماق البلاد هي ألغام الجهل والعنف والكراهية، وها نحن نعاني من نتائج انفجارها".

مهما شاهد المرء خارج وطنه ومهما عاش وارتحل يبقى وطنه هو الأجمل والأبقى، مثل الأم لا ترى أجمل من ابنها، فالوطن هو الأم وهو الطفل وهو الشاب وهو تجاعيد وجه امرأة عجوز تجلس على عتبة منزلها في حارة متفرعة من حارات تنتظر الغريب والقريب المنفي الذي سيعود.

 

ليفانت - باسل كويفي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!