الوضع المظلم
الإثنين ٢٨ / نوفمبر / ٢٠٢٢
Logo
من الانهيار الجزئي إلى ثورة الجياع
عمار ديوب

ثورة الجياع. هي عبارة بدأت أقلام إعلامية تتناولها، قاصدة التمييز بين ثورة 2011، والاحتجاجات التي بدأت تطلّ برأسها مؤخراً من مدينة السويداء، وكأنّ ثورة 2011 لم تكن بدورها نتاج الإفقار العام، الذي راح يتراكم بسبب الاعتماد الممنهج للنظام للسياسات النيوليبرالية في عام 2000. الأخيرة، سياسات عالمية، ومفروضة محلياً، وهي جذر الانتفاضات في تونس ومصر، وكافة الدول العربية؛ حصيلة تلك السياسات، تمركز الثروة بأيدي فئات قليلة، وحرمان الأغلبية منها، والتبعية للخارج.

الآن، تطل الاحتجاجات في سوريا من جديد، ومنذ 2019 كانت الاحتجاجات في العراق والسودان ولبنان ذات جذرٍ اقتصاديٍّ معلن وصريح، وأصبحت أغلبية التحليلات، تتحدث عن الأخيرات، باعتبارها ثورات "اقتصادية"، ولها شق سياسي، تكثفها المقولة اللبنانية، الجامعة المانعة، نريد إسقاط النظام بأكمله "كلن يعني كلن".

إذاً الثورات الجديدة ليست منقطعة الصلة عن السابقة، بل هي تكملة لها. إن هذا الإكمال، يوضح طبيعة ثورات 2011، وأنها لم تكن ثورات سياسية محضة، ومن أجل الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، بل كانت بأصلها شعبية اقتصادية، ولها شق سياسي دون شك. نوضح أكثر: إن الأساسي بثورات 2011، و2019، والآن هو الاقتصادي، بينما يشكل السياسي فيها، أي الديمقراطية، الشق الثاني فيها. نمايز هنا، ولا نقطع الصلة بينهما؛ الليبراليون لم يروا الواقع أبداً، فهم ينطلقون من حكاية الديمقراطية فقط، ولهذا لم يكونوا أمينين لها جيداً، وتحالفوا مع الإسلاميين من أجل الوصول إلى السلطة.

القضية إذاً، لم تكن حتى الديمقراطية، بل السلطة، وإلّا كيف يتحالفون مع قوى مناهضة لمنظومة المواطنة ولا تعترف فعلياً بالديمقراطية. السبب في ذلك، برأينا، أنها، قوىً كبيرة، والأنكى التحالف مع الدول الخارجية، وهذا بدوره، يعني تسليم البلاد للخارج والارتهان للتبعية؛ التحالف مع الإسلاميين والخارج، يعني في أفضل الأحوال قلة فهم للواقع، وفي أسوئها، مقبولية كاملة للتبعية، كما فعل النظام تماماً. وبالتالي انتقال بلادنا إلى مزيدٍ من الإفقار والاستغلال والتفكك، ولهذا كانت الثورة مناقضة لهذه الرؤى، ومن أجل رفع كافة أشكال المظلومية، وأولها الاستغلال الاقتصادي، وثانيها إعادة مشاركة الشعب في الانتقال الديمقراطي، وتقرير مستقبل البلاد.        

إن أوضاع مصر وتونس وسوريا والسودان والعراق ولبنان، ازدادت سوءاً. في سوريا التي ابتليت بالحرب لقتل الثورة، انهار الوضع الاقتصادي والاجتماعي بشكل مهول، وهناك الهجرة الكبيرة لرؤوس الأموال ولأكثر من عشرة ملايين سوري، وازداد رحيل الاثنان في الأعوام الأخيرة. النظام بدوره لم يتوقف عن سياساته النيوليبرالية، واعتمد اقتصاد الحرب، وخرجت أغلبية الموارد الباطنية عن سيطرته، وهناك الفساد والنهب المنظم. لم يتراجع قيد أنملة عن سياساته قبل 2011، بل وأعطى لكل من روسيا وإيران استثمارات واسعة في سوريا، خرجت بموجبها أغلبية قطاعات الاقتصاد السوري من الدخل القومي، وبالتالي انهيار الدخل الفردي، وهناك التضخم الكبير للعملة.

إن الأسباب الأخيرة بدورها، أوقدت نيران الاحتجاجات. كان قرار التراجع عن الدعم، لأكثر من 600 ألف عائلة، سبباً في اندلاع الاحتجاجات في السويداء، وهناك مؤشرات إلى تأزّم كبير في مدن الساحل. أغلب المراقبين يرون أن الاحتجاجات الحالية، لا تقتصر أهدافها على مدينة السويداء، فهناك رسائل إلى أهالي طرطوس وحلب وحمص واللاذقية، وكلها تنطلق من الاقتصادي، والحق بالثروة والعدالة، وبعضها يؤكد على القرار 2254، أي لا بد من هيئة حكم جديدة، وبصلاحيات كاملة، وأن استمرار النظام الحالي سيؤدي إلى تدهورٍ مستمر، أكثر فأكثر.

 لقد توسعت الاحتجاجات في السويداء كثيراً، وضمت فئات جديدة، ونسقط من تحليلنا المجموعات المرسلة من أجهزة النظام الأمنية للمشاركة بها وتخريبها. نعم، حينما تعلِن المؤشرات الاقتصادية أن أكثر من تسعين بالمائة تحت خطر الفقر، وتحتاج إلى مساعدات إنسانية دولية، فهذا يعني أن الاحتجاجات نتيجة طبيعية للوضع السابق، وأنها قابلة للتمدد إلى مناطق أخرى، وقابليتها تلك تظل قائمة، ولو تراجعت الحالية.

تكمن مشكلة الاحتجاجات في سوريا، ويبدو أن المشكلة لا تتعلق فقط بتعقيدات الوضع السوري؛ فالاحتجاجات في لبنان والعراق، تعاني أيضاً من غياب التنظيمات، والرؤية السياسية الوطنية؛ الأمر بالسودان مختلف، حيث هناك تنظيمات نقابية سابقة وأحزاب سياسية قديمة، وشروط خاصة بهذا البلد، وكلّها تُجمِع على استمرارية الثورة، وكأنها تنطلق اليوم، وليس في 2019. الاحتجاجات في السويداء، ورغم خصوصية المدينة، ورغبة النظام ألا يعاديها وتعاديه هذه المدينة، تعاني من فقدان التنظيمات، وهناك تشتت في القوى المنخرطة بالاحتجاجات، وهي تشبه احتجاجات السوريين 2011. هذه مشكلة كبيرة، وقد تسمح للنظام بدفعها نحو اتجاهات عسكرية مثلاً أو طائفية، أو اتجاهات أخرى.

هناك مسؤولية كبيرة على القوى المعارضة في هذه المدينة، أو المثقفين. يمكن الاستفادة من الوضعية الخاصة للمدينة، والاشتراك في الاحتجاجات، ولا سيما إن رأوا أنها لن تتراجع، وليست مقادة بالكامل من قبل النظام، ولكن هل يمتلك المعارضون رؤية لمستقبل الاحتجاجات هناك؟ إذا كانت الاحتجاجات ذاهبة نحو التجذّر، والأوضاع الاقتصادية تفترض ذلك، فإن دخول تلك المعارضة، سيدفع بالاحتجاجات نحو التنظيم، والسلمية، ورفض اللغة الطائفية، وتعزيز الرؤية الوطنية للمشكلات، وإشراك النساء، حيث لوحظ هامشية وجودهن بها.

ما هو غير قابل للتغيير، ويحاول النظام التراجع عن رفع الدعم، أن الأوضاع لن تتغير، وأن السوريين يراقبون التحرك في السويداء، ومحاولات النظام لتخفيف الأزمة غير ممكنة من أصله؛ تكمن القضية في السياسات الليبرالية واقتصاد الحرب، وهناك مشكلة الكهرباء والماء والأجور المتدنية، والعصابات المنفلتة والخطف، وهناك الاحتلالات، والأسوأ انعدام الأمل بحلٍ سياسيٍّ قريب. أغلبية أهل المدينة يؤكدون أن الدولة لم تغير أو تعدل سياستها أبداً منذ 2011، وما زال الفساد والنهب والآن عصابات القتل والاختطاف، وكلها تابعة للنظام. لا يرى محللون كثر، أن المشايخ سيتمكون من إعادة الناس لبيوتها، وليست المجموعات التابعة للأجهزة الأمنية بقادرة على جرِّ الاحتجاجات نحو قضايا فاشلة، كالتطييف أو التسليح، وعدا ذلك يركز المحتجون على الجانب الاقتصادي بشكل كبير، وهناك امتناع النظام عن قتل المحتجين حتى الآن.

قضايا كثيرة قد تسمح باستمرار الاحتجاجات، ولكنها ستتراجع بالنهاية لأسباب شتى؛ ما ينقذها من التلاشي هو التنظيم المحلي على مستوى المدينة، واندفاع مدن الساحل للاحتجاجات، أو دمشق أو حلب، فهل ستتحرك بقية المدن السورية. الواقع يفترض ذلك، ولكن تعقيدات كبيرة تقف كجبلٍ أمام المواطنين من القيام بذلك، فهل تتكسر سلاسل الخوف والرعب والتطييف، ويتحّيد من ليس منها عن جسدها؟

 

ليفانت - عمار ديوب

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!