الوضع المظلم
الخميس ٣٠ / يونيو / ٢٠٢٢
Logo
  • مبارك آل عاتي لليفانت: التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات سطر بداية تاريخ جديد للمنطقة يكتبه أبناؤها بأنفسهم

مبارك آل عاتي لليفانت: التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات سطر بداية تاريخ جديد للمنطقة يكتبه أبناؤها بأنفسهم
مبارك آل عاتي

بعد تسلم الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مقاليد الأمور في البلاد بانتخاب المجلس الأعلى للاتحاد وبالإجماع له كرئيس للدولة، بتلك الآلية التي شاهدها العالم، والتي تعتبر من أرقى درجات الكمال المؤسساتي والدستوري لدولة الإمارات، والتي كانت محل تقدير وإعجاب الدول حول العالم، فيما يخص الانتقال السلس للسلطة بعد وفاة المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة السابق.

بعد هذ الاستلام الرسمي في الإمارات، كيف ستسير وتتطور العلاقة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية، الشقيقة الأكبر في مجلس التعاون الخليجي، في إطار رؤيتهما المشتركة في العديد من الملفات الساخنة القريبة والبعيدة والتي عملت الدولتان عليهما، في الآونة الأخيرة، والمؤثرة في أمن دول مجلس التعاون الخليجي، والهدف تحقيق مصالح استراتيجية مشتركة بين البلدين والشعبين الشقيقين وحرصهما على دعم العمل الخليجي المشترك.

ترتبط المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ودولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بعلاقات تاريخية قديمة تعززها روابط الدم والإرث والمصير المشترك، أسس دعائمها -المغفور له بإذن الله- الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، وصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -رحمه الله- وحرص قيادتي البلدين على تطويرها باستمرار.

فكيف سيبدو التناغم السياسي والموقف من القضايا الساخنة التي عملت عليها كلتا الدولتين في قادم الأيام بعد التغيرات المتسارعة في العديد من الملفات، كلبنان واليمن وليبيا، وقرب التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران والعلاقات التركية الخليجية؟ كل التطورات السياسية المحتملة في هذه القضايا نناقشها في هذا الحوار الذي أجرته ليفانت نيوز مع الكاتب والباحث السياسي السعودي مبارك آل عاتي.

◄ حقيقة ماثلة ومؤلمة أن الزعامات اللبنانية استمرأت البقاء في ميدان الاستقطاعات الإقليمية

◄ السعودية مارست استراتيجية الصبر والنفس الطويل وعدم قطع العلاقات السياسية مع تركيا

◄ الأزمة الليبية حلها في يد الزعامات الليبية نفسها وفي يد الأشقاء في مصر وفي الجزائر وجامعة الدول العربية

◄ واشنطن لا تستطيع أن تتجاوز مكانة وقوة السعودية، إسلامياً واقتصادياً وسياسياً، خصوصاً مع تداعيات أزمة أوكرانيا

نص الحوار:

*تحدثت في الإعلام في الآونة الأخيرة عن مخطط كان يستهدف الدول العربية وأطلقت عليه اسم موسم التثوير وأنه تم إفشاله بفضل العلاقات الجيدة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.. حبذا أستاذ مبارك لو تشرح بشيء من التفصيل عن موسم التثوير هذا، وهل هناك إضافة جديدة وجيدة إلى العلاقات السعودية الإماراتية بعد الاستلام الرسمي للشيخ محمد بن زايد آل نهيان لمقاليد الأمور في البلاد؟

تشكل العلاقة الاستراتيجية التي تربط المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة حجر الزاوية في استقرار المنطقة وفي ازدهارها، وضمان أمنها. حيث نجح محور الرياض وأبو ظبي في تقوية علاقاتهما الأخوية إلى علاقات متينة ومعمقة قائمة على المصير الواحد وعلى التكامل في كل المجالات، حيث كونت هذه العلاقة انعكاسات إيجابية مباشرة على العديد من القضايا والملفات التي تهم البلدين والمنطقة بشكل عام، مما جعلها تشكل الأرض الصلبة لخارطة طريق مدروسة هدفت إلى:

-إيقاف النزيف العربي الذي اجتاحه ما عرف بمواسم التثوير عندما انتشرت الاحتجاجات المدفوعة والمدعومة من قوى عظمى بسرعة كبيرة عبر عدة بلدان عربية، وقد تضمنت نشوب معارك بين قوات الأمن والمُتظاهرين ووصلت في بعض الأحيان إلى وقوع قتلى من المواطنين ورجال الأمن.

-إيقاف إسقاط الدولة الوطنية، خصوصاً بعد سيطرة التنظيمات.

-تنوير الشعوب العربية بخطورة المخططات.

-فضح حقيقة خطورة تيارات الإسلام السياسي وأصوات الغوغاء الشعبوية.

-تقديم دعم حقيقي للدولة الوطنية ودعم أركانها وتثبيت دعائمها.

ثم انطلق محور الرياض - أبو ظبي إلى معالجة أوضاع الدول العربية من خلال التصدي لمخططات الإسقاط تحت حكم تيارات الإسلام السياسي وإيقاف النزف العربي التي غرقت فيه بعض الدول العربية ومساعدة تلك الدول في استعادة الدولة الوطنية واسترداد نظام الدولة والتعافي من حالة الضياع الذي وجدت نفسها فيه، حيث يحسب للبلدين كشفهما مخطط التخريب الذي يقف خلفه فريق الرئيس أوباما واستفاد منه النظام الإيراني الذي قام بأدوار تخريبية لزعزعة أسس الأمن والاستقرار في المنطقة لتعلن لرياض وأبو ظبي قيام التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية والذراع الإماراتية القوية، مدعوماً من دول المنطقة، ليسطر بداية تاريخ جديد للمنطقة يكتبه أبناؤها بأنفسهم، ويبدأ بعودة الشرعية إلى اليمن وهزيمة المخطط الخارجي الخبيث.

*جرت قبل عدة أيام أستاذ مبارك انتخابات برلمانية في لبنان تغير خلالها المشهد السياسي حسب النتائج المعلنة بخسارة حزب الله للأغلبية البرلمانية التي حققها هو وحلفاؤه في العام 2018، وبالتالي فإن هذه النتيجة تصعب عليهم توجيه جدول تشريعي في البرلمان ينتخب فيه رئيساً يخلف ميشيل عون في قصر بعبدا الذي كان حليفاً لحزب الله. هل تعتقد بعد هذه النتائج أن تكون هناك حلحلة وطنية لصالح لبنان أم أن المشهد في طريقه إلى مزيد من التعقيد؟

صغر مساحة لبنان وقلة عدد سكانه لم يمنع من أن يكون هذا البلد المتوسطي محط اهتمام عربي وإقليمي ودولي، وهو الذي للتو خرج من انتخابات نيابية رصدها الجميع نظراً لأن هذه الانتخابات مثلت أملاً طفيفاً في أن يستعيد لبنان جزءاً من تعافيه. دون أن نتوقف حول نتائج وإفرازات الانتخابات تبقى حقيقة ماثلة ومؤلمة أن الزعامات اللبنانية استمرأت البقاء في ميدان الاستقطاعات الإقليمية مغلبة مصالح حزبية وإقليمية على مصالح الوطن وشعبه، وهو ما جعل البلد في حال اختطاف مستمر من الحزب المؤدلج المدجج بالسلاح الرافض لتقديم أي تنازل لصالح الوطن والمواطن.

كل ما يحصل في لبنان اليوم هو إثبات لفشل كل الخطط والجهود والرهانات الإقليمية لإنقاذه وإعادته كدولة مستقلة بسيادتها لصالح مواطنيها، وأن البلد ما يزال غارق في مستنقع الفوضى والمصالح الضيقة، وأن إنقاذ لبنان يحتاج إلى ماراثون سياسي حثيث وصادق ومتواصل من محيطه العربي بقيادة السعودية ودعم أمريكي وفرنسي حيادي مع عدم تغييب ارتباط الإصلاح والمعالجة في لبنان بما يجري في الإقليم من تصالحات أو تشاورات.

مخاوف حقيقية متصاعدة بأن يستمر حال ارتهان الدولة وحال تعليق الحياة السياسية في البلد لأن الناخب اللبناني قال كلمته ضد الحزب وسلاحه وضد الفساد السياسي والمالي وضد خيانات الزعامات السياسية لمكوناتها لكن هذا الناخب لا يستطيع أن يشكل حكومته وبرلمانه لأن قراره ليس بيده.

*زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية هل تعتقد أنها من القوة في إعادة الدفء إلى العلاقات بين البلدين أم أن الخمس سنوات الأخيرة من تراكم العلاقات الخلافية بين أنقرة والرياض من الدعم التركي لجماعة الإخوان المسلمين في المنطقة والتدخل التركي في علاقات الدول الخليجية وسوريا وليبيا ستتطلب المزيد من العمل والتطمينات من الجانب التركي لبناء الثقة بين البلدين.

عودة الرئيس التركي إلى الواقعية السياسية المتمثلة في الانفتاح على الدول الكبيرة في المنطقة، وتحديداً المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية ودولة الإمارات العربية المتحدة، جاءت تحت ضغط قوة تأثير هذه الدول إقليمياً ودولياً، خصوصاً السعودية، التي تتمتع بنفوذ وقوة إسلامية وسياسية واقتصادية دولية، فرغم تعدد وتوالي أزمات أردوغان مع الرياض إلا أن السعودية مارست استراتيجية الصبر والنفس الطويل وعدم قطع العلاقات السياسية من منطلق أنهما بلدان إسلاميان كبيران ومن منطلق أن السعودية هي الدولة القائدة للعالم الإسلامي، بحكم مكانتها التي حباها الله، ومن منطلق أن ما جرى من نتائج مقتل جمال خاشقجي كانت أشبه بسوق نخاسة سياسية اكتشف أردوغان أنه انزلق فيها بحكم ضغط الإسلام السياسي المنتفع من أي انقسام أو نزاع بين دول الإقليم.

بكل تأكيد زيارة الرئيس التركي لجدة ولقاء خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، ومحادثاته مع سمو ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، مثلت منعطفاً إيجابياً لعلاقات البلدين وفتحت آمالاً متزايدة بتحسن ورفع مستوى هذه العلاقة بما يليق بمكانة الدولتين، فالسعودية ترى أن العلاقات يجب أن تكون مبنية على المصالح المشتركة بين الدولتين وليس مع نظام ولا مع حزب، فالرئيس  والحزب يمكن أن يذهبا في انتخابات قادمة لكن الدولة والشعب هم الأساس، هناك حالة استفهام كبيرة ترقى لدرجة عدم الثقة، وهي سرعة الالتفاتة التركية بشكل حاد من حالة عداء وخصام إلى حالة تراضي وتصالح، مما أثار مخاوف من تناقضات أردوغان، لذلك بدا واضحاً أن هناك حالة ترقب من الدول لنشاط وسلوك الرئاسة التركية لرصد جديتها ومصداقيتها في الانفتاح على العرب وإعادة تقوية المصالح المشتركة في علاقات قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤن الداخلية للدول والابتعاد عن الاستثمار في قضايا العرب والمنطقة.

*أستاذ مبارك.. ما الذي يحدث في ليبيا من جديد؟ وكيف تنظر إلى محاولة دخول فتحي باشاغا وحكومته إلى العاصمة طرابلس؟ وإذا كان السيد عبد الحميد الدبيبة يقول: إن مشروع التمديد والانقلاب انتحر سياسياً وإن حكومته ستستمر في مهامها إلى حين التسليم لحكومة منتخبة.. هل بإمكان حكومة الدبيبة إجراء انتخابات عامة في البلاد بالنظر إلى نفوذها على الأرض؟ 

عانت الأزمة الليبية كثيراً ونزفت كثيراً وتحولت إلى مساحة للتدخلات الأجنبية بسبب التدخلات الدولية والتركية وبسبب طول غياب الدور المصري جراء تداعيات ما عرف بموسم التثوير العربي وتأثيراته وانشغال الأشقاء في مصر بإعادة تصحيح أوضاعهم. إن ذاك كل ذلك ألقى بظلاله على حقيقة التطورات ومآلات الأزمة الليبية التي فشلت الأمم المتحدة وفشلت الدول الأوربية وأمريكا في صياغة أي شكل من أشكال الحل وشجع ذلك تركيا لأن تتدخل بشكل سافر في ليبيا وتمثل تهديداً للأمن المصري والعربي.

الأزمة الليبية حلّها في يد الزعامات الليبية نفسها، وفي يد الأشقاء في مصر، وفي الجزائر وجامعة الدول العربية. فهم بالفعل من يستطيع أن يجمع الفرقاء ويحفزهم ويشجعهم على تغليب المصلحة الوطنية على الإقليمية والحزبية. كما أن الآمال معقودة على القمة العربية المقبلة في الجزائر بأن تقر مشروعاً عربياً لحل أزمة ليبيا بفريق ترويكا عربي مستقل ودعم أممي ودولي صادق.

*أريد أن أستغلّ الفرصة وأسأل أستاذ مبارك.. أين وصل مؤشر الدفء في علاقات المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية بعد الحياد الخليجي من الحرب الروسية الأوكرانية وقرب التوقيع على الاتفاق النووي بين إيران والقوة الغربية؟

منذ قيام العلاقات السعودية الأمريكية قبل أكثر من ثمانية عقود وهي تثبت جدواها وفاعليتها للدولتين وللمنطقة والعالم وحاجة كل منهما للآخر، خصوصاً أنها بنيت على قواعد ثابتة وأسس راسخة عمادها الندية والاحترام المتبادل والشفافية والوضوح وصدق المواقف. وقد أثبتت كل الأزمات التي مرت بالمنطقة والعالم فاعلية وجدوى هذه العلاقات التي مثلت ضمانة حقيقية وصمام أمان للأمن الإقليمي والدولي بحكم ما تتمتع به الدولتان من مقومات وميزات وقوة ونفوذ وواقعية أيضاً في التعامل مع القضايا. لكن ذلك لم يمنع من وجود تباين في رؤية العاصمتين لمعالجة عدد من قضايا المنطقة والعالم لكن ذلك لم يؤثر على حقيقة النوايا الصادقة لهما.

ما اعترى علاقات البلدين مؤخراً من فتور أو تدهور في بعض المراحل راجع لنوايا إدارة الرئيس بايدن التي بادرت منذ اللحظات الأولى لها في البيت الأبيض إلى تصريحات مسيئة وغير مقبولة تجاه دولة بحجم ومكانة السعودية التي اعتبرت هذه التصريحات تجاوزاً للخطوط الحمراء، وهو ما دعا الرياض لأن تراجع قرارات وسلوك الإدارة الأمريكية وربطها بالواقع، مع التمسك بأن لا تتأثر علاقات البلدين كدولتين، وأن الحزب قد يرحل ويأتي حزب آخر حقيقة مثلت أمام متخذ القرار السعودي لذلك كان الصبر والحلم السعودي وبعد النظر عنوان المرحلة.

مؤخراً.. أثبتت الأحداث والتطورات أن واشنطن لا تستطيع أن تتجاوز مكانة وقوة السعودية، إسلامياً واقتصادياً وسياسياً، خصوصاً مع تداعيات أزمة أوكرانيا وتمسك السعودية بقرارات وتوصيات أوبك وحماية الطاقة والنفط من سوق المزايدات السياسية وأن النفط هو المورد الأول لدول الخليج للصرف على عملية التنمية، وأنها لن تغامر به لأجل إرضاء أي قوة كانت. كل ذلك جعل عقلاء البيت الأبيض يتنبهون إلى حقيقة أن الرياض قد تغيرت سريعاً، وأنها باتت في موقع قوة يمكنها من تعديد سلة تحالفاته، وأنها من الدول التي تحظى بقبول التعاون مع كثير من قوى العالم، وأن استمرار سياسية البيت الأبيض على ما هي عليه تجاه السعودية والخليج سيجعل العلاقات في مهب الريح، خصوصاً أن الرياض تأخذ على واشنطن أنها لم تتعامل بجدية مع مخاوف المنطقة الأمنية كما يجب، وأن واشنطن وهي تلملم أطرافها من المنطقة عازمة على تركها في مهب الأطماع الإيرانية والإقليمية، مما جعل الرياض ومعها أبو ظبي والخليج يتخذون موقفاً موحداً عنوانه الانتصار للقرار السيادي وتغليب المصلحة الوطنية.

الآمال بدأت تتزايد بتصحيح الأوضاع، فتوالي توافد المسؤولين الأمريكيين للرياض يوحي بأن واشنطن أدركت خطأها وأنها أصبحت تسارع الخطا لمعالجة الأوضاع طبقاً لمصالح الجميع.

ليفانت - خاص

حوار: رودوس خليل

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!