الوضع المظلم
السبت ١٣ / أبريل / ٢٠٢٤
Logo
ماهو دور روسيا في العالم الآن
محمود الأفندي

وهو سؤال وجيه و محق، و الجواب عليه هي مسؤولية أخلاقية بالدرجة الأولى، قبل أن تكون سياسية أو قانونية. كما أن السؤال السابق يستدعي طرح سؤال جديد، يرتبط بشكل وثيق بالأول:

لماذا علينا أن ندعم روسيا؟

فمن حق الناس أن تتعرف على الحجج البالغة و الدامغة عند أولئك الذين يدعمون روسيا في مواقفها السياسية من جهة، كما أن الجواب عليه أيضاً هي مسؤولية أخلاقية من جهة أخرى.

فضلاً عن ذلك، لا يجوز بشكل من الأشكال دعم موقف دولةٍ ما استناداً إلى المصالح المتبادلة فحسب؛ لأنه أساساً لا تقوم العلاقة بين الدول إلا على المصالح المتبادلة، ولكن المشكلة تكمن في طريقة و أسلوب تحقيق كل دولةٍ لمصالحها؛ فبهذه المسألة تتفرد و تتميز روسيا عن الدول الغربية، التي تعتبر نفسها الحكم في تعاملها مع الدول الأخرى، إذ اعتادت الحصول على ما تريد عن طريق الضغوط و الابتزاز و التهديد بالقوة أحياناً.

لا عجب و الحال كذلك فيما شهدناه في العقود الأخيرة من تصالح غريب و مريب بين الليبراليات الغربية وجميع التيارات المتطرفة في كل مكان في العالم، كالنزعات الفاشية و النازية و العنصرية و الإرهابية. فلقد استخدمت الليبراليات الغربية هذه التيارات الشاذة كأداة، استطاعت عن طريقها تحويل دول بكاملها إلى مختبرات جيوسياسية لتحقيق مصالحها المباشرة و غير المباشرة، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً.

بالمقابل، سمعنا الرئيس بوتين في العديد من المناسبات يؤكد أنه لا تنجح السياسة الخارجية لأي دولة إلا إذا بنت برامجها و خططها المستقبلية آخذةً بعين الاعتبار مصالح جميع الدول المعنية. وهذه في الواقع رؤية حضارية متقدمة من رئيس دولة تمتلك ترسانة نووية قادرة على تدمير العالم كله. لأنني أعتقد أنه لن يختلف معي أحد عندما أقول: لا يجوز خداع دولة فقيرة أو صغيرة أو ضعيفة؛ فضعف دولة ما لا يجب اعتباره بأي حال من الأحوال مبرراً لخداعها و المكر بها، أو دفعها في مسار يتناقض مع مصلحتها أو مصلحة شعبها.

من هنا نفهم الإصرار الغربي على تقويض أسس القانون الدولي، و وضع مجموعة من (القواعد) غير الواضحة لضبط علاقتها بالدول الأخرى، فالقانون الدولي يحمي الدول الصغيرة و الضعيفة و الفقيرة، أما (القواعد) فيمكن التلاعب بها حسب قابلية هذه الدولة أو تلك للاستغلال و الابتزاز.

هذا النهج الغربي لم ولن يلقَ ترحيباً من قبل العديد من دول العالم، وعلى رأسها روسيا و الصين. ولقد أبدت العديد من دول العالم، وخاصةً في العالم العربي و الإسلامي و الدول الأفريقية و الأمريكية الجنوبية، أي دول الجنوب العالمي، إعجابها بالتوجهات الروسية الجديدة، و إمكانية بناء نظام دولي جديد أكثر عدالة مما كان عليه الحال سابقاً.

يبدو أن الدول الغربية لم تفهم دروس التاريخ، أو أنها لا تريد أن تفهم، أو أنها غير قادرة على التصالح مع فكرة أن الاستعمار ولّى إلى غير رجعة، لذلك نلاحظ أنهم يهربون من أزماتهم الحالية؛ فلقد تكررت على ألسنة العديد من المسؤولين الغربيين في العقود الأخيرة عبارة مثيرة للإهتمام والبحث في آن معاً، و هي: الديمقراطيات الغربية في أزمة. لاحظنا ذلك في العديد من المناسبات، خاصةً عند اندلاع النزاعات المسلحة واسعة النطاق، والتي كان آخرها الأزمة الأوكرانية، التي شكلت تهديداً مباشراً للأمن في أوروبا. فالرئيس الفرنسي، على سبيل المثال لا الحصر، أطلق تحذيراً، في مقابلته مع شبكة سي إن إن الأمريكية بتاريخ 22 سبتمبر 2022، حيث أكّد (أن ما بنيناه في القرن الثامن عشر على المحك الآن) وحذر من أن (الديمقراطيات الليبرالية الغربية في أزمة) بسبب انتشار النزعات الشعبوية و القومية و العرقية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

لا يتوقف الأمر عند المصالح المادية، التي يمكن ضبطها بمعادلات دقيقة، بل إن الأمر وجد صدىً له في منظومة القيم الاجتماعية؛ إذ يروق لبعض أشباه المفكرين ربط الحضارة الحديثة بالليبرالية كنظام سياسي-إجتماعي، متناسياً أن جميع شعوب العالم، في كل حقبة تاريخية قدمت إسهاماتها الحضارية الخاصة، و التي يجب تقييمها في سياق التطور التاريخي للمجتمع البشري، و أنه لا يستطيع أحد ادّعاء امتلاك الحضارة الإنسانية. فكما استفاد الغرب من المنجزات الحضارية للأمم السابقة، فمن حق باقي الأمم الإستفادة من منجزاته أيضاً. فضلاً عن ذلك، لا يقدم أولئك الذين يجرون هذه الاستنباطات التعسفية تعريفاً واضحاً للحضارة حتى نتمكن من إجراء مقارنات عادلة وموضوعية بين منجزات الأمم المختلفة أو الحضارات المختلفة.

كما أن الموضوع يرتبط بأهم المبادئ التي تقوم عليها الليبرالية الغربية، و هي الحرية، التي يبدو بوضوح أنها مصبوغة بـ (الفردانية)، فالفرد هو نقطة البداية في تحليل جميع الظواهر المجتمعية. في هذا السياق قد يكون من المناسب التذكير بعبارة مشهورة لرئيسة الوزراء البريطانية السابقة، مارغريت تاتشر: (لا وجود لهذا الشيء الذي نسميه المجتمع). وهكذا تحولت الحرية إلى قوة مقوّضة لبنية المجتمع و الإنسان، فتحت شعار (احترام الحرية و الخصوصية) أصبح من الممكن تحويل الإنسان إلى شكل من أشكال (الروبوتات البيولوجية).

وهنا يبرز دور روسيا من جديد، التي لم تقدم نفسها فقط ككيان سياسي-اجتماعي-اقتصادي، بل قدمت نفسها كحضارة قادرة على الحفاظ القيم الإنسانية و التقاليد الاجتماعية التي ترسخت عبر قرون من التطور الاجتماعي. لذلك لم يكن كلام الرئيس بوتين عبثاً عندما قال، في مقابلته مع صحيفة الفايننشال تايمز، عام 2019 على هامش قمة العشرين في مدينة أوساكا اليابانية: (برأيي، لقد انتهت صلاحية الفكرة الليبرالية، فبعض عناصرها غير واقعية، و هذا يعترف به العديد من شركائنا الغربيين).

هذه الرؤية الروسية مبنية على طروحات موضوعية، لا يختلف حولها الباحثون. فالعادات و التقاليد الإجتماعية تشكلت خلال (الطور الفطري الطبيعي) لتطور البشرية، أي أن منتجات التكنولوجيا لم يكن لها تأثير على العلاقات بين أفراد البشرية. فالعلاقات الإجتماعية جاءت متناغمة مع الطبيعية، بحركتها البطيئة والمتوازنة. من هنا تبدو أن التقاليد ضرورية لضبط السلوك الإنساني، فتصبح الحرية ضرورة وحاجة أساسية، وليست شكلاً من أشكال الإبتزال والقفز فوق القيم الإنسانية الراسخة. وهكذا فالمتجه التطوري الروسي يتحرك نحو الحداثة، نحو المستقبل، ولكن هذا المتجه مصبوغ بنزعة محافظة تضمن استقرار المجتمع البشري.

على هذه الخلفية، يمكننا فهم التوجه الروسي للعناية بالشباب، فالشباب هم طاقة المستقبل و أمل المستقبل، إذ أنه لا بد من تنشئة عدة أجيال متعاقبة، تؤمن بهذه القيم حتى تترسخ، هذا من جهة. كما أن الشباب هم أكثر الفئات تأثراً بالتيارات الفكرية، خاصة بعد التطور الهائل في وسائل الاتصال، إذ يجري الترويج دائماً لقيم أخرى بديلة من جهة ثانية. وتجسيداً لهذه الرؤية ستنظم روسيا في سوتشي، في بداية شهر آذار المهرجان العالمي للشباب، إذ من المقدر أن يشارك فيه أكثر من 20 ألفاً من الشباب و الفتيات، نصفهم من خارج روسيا. سيكون هذا المهرجان فرصةً رائعةً للتآثر الثقافي بين الشباب من مختلف القوميات و الأعراق و الأديان، و هذا ما سيعزز أواصر الصداقة و التعاون و المحبة بين جميع دول العالم.

يبدو بوضوح أن هذه الجهود الروسية ستعود بالخير و المنفعة، ليس على روسيا فحسب، بل على كل أفراد البشرية، لذلك علينا جميعاً دعمها بكل الطرق و الوسائل المتاحة

ليفانت: محمود الأفندي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!