الوضع المظلم
الجمعة ٢٣ / فبراير / ٢٠٢٤
Logo
عن الوطنية الجديدة في الخليج العربي
هدى سليم المحيثاوي

إذ شهدَتْ دول المشرق العربي متمثلة بسوريا الأردن لبنان العراق ومعهم مصر، صورةً يمكن أن نسميها بالوطنية الكلاسيكية للدولة، تمحورت حول تشكيل سلطةٍ مركزيةٍ قوية، للنهوض بالشكل الجديد لدولة مابعد الاستعمار التي كان له اليد في رسمها، نشهدُ في هذا العقد في دول الخليج وعلى وجه التحديد دول السعودية الإمارات وقطر، المنخرطة في الأحداث العالمية كفاعل، تبلوراً لما يمكن أن نطلق عليه بالوطنية الجديدة، التي تخطو فيما بعد السلطة المركزية القوية، لترسخ أسس الاقتصاد والتنمية المستدامة، وإنتاج ثقافة المواطنة، التي تغافلت عنها حكومات بلاد الشام في خطوتها للدولة الوطنية، لتنتقل بذلك التجربة الخليجية في الوطنية، من الخطاب عن الشيء إلى الشيء نفسه.

جاءت الوطنية الكلاسيكية العربية، تقليداً للأوروبية التي نجعت ما بين معاهدة ويستفاليا 1648 وحتى الحرب العالمية الثانية، ترسخ خلال هذا السياق الزمني المعنى الوطني على مستوى الدولة، والقومي على مستوى الشعب، وهو ما لم تتمكن الدول العربية من توطينه في سياقها التاريخي بعد تعريب المصطلحات، إذ اقتصر الوطني على السلطة المركزية ليتم الدفع مباشرةً إلى القومية العربية، التي شكلت مايمكن اعتباره فخاً وقعت فيه الدول قبل ترسيخ الوطنية، ظناً أنها الملاذ الآمن من التبعية الاستعمارية.

كان السؤال الرئيس بعد الاستقلال، عن القطب الذي يجب على الدولة أن تنحو منحاه، وكان الجواب بسيطاً لوجود قطبين لا أكثر، أمَا الآن ومع الاتجاه إلى تعدد الأقطاب في العالم وتبلور فكرة المصلحة السياسية وتبخر وهم القيم في جسد السياسة، عدا عن انتهاء مرحلة كون الحروب العسكرية هي الشكل الرئيسي للحروب، نرى كيف تتكسر ما كنا نسميه بالقومية، وهو في الواقع ليس أكثر من تكسرٍ للأوهام.

أثبت التدخل الأمريكي المباشر الذي بدأ يطغى على التدخلات الدولية في هذه الدول بعد غزو العراق خاصة، عدم قدرة السلطة المركزية القوية وحدها في الحفاظ على استمرارية كيان الدولة، التي سرعان ما تفتت إلى مليشياتٍ طائفية وانقساماتٍ دينية وجهَوية بعد تعرضها لثورات الربيع العربي ومارافقها من أحداث، وأظهرت أهمية إنتاج الثقافة الوطنية في سبيل تجاوز القبيلة والطائفة والدين وتحقيق ما يمكن أن يمثل المصلحة المشتركة لكافة مكونات الشعب.

الثقافة الوطنية التي تمحورت في الوطنية الكلاسيكية حول نماذجَ دار معظمها حول العسكرة والتضحية بالنفس في سبيل الوطن، ك عمر المختار عبدالقادر الجزائري يوسف العظمة وأحمد عرابي، تفرزها الوطنية الجديدة بمفهومٍ جديد كأن يكون أحد رموزها رائد فضاءٍ أو كاتبٍ أو شاعر أو أي مثقف بالمعنى السارتري الذي يجعل التزام قضايا الوطن شأناً رئيساً ويضيف لوطنه، هي الثقافة التي تجعل المواطن جزءاً من الدولة، وهي صورة حاربتها أنظمة دول المشرق، فلاحقت مفكريها وأدباءها وأبادت أي مساحةٍ لظهور وتطوير القدرات الفردية، ووضعت مواطنها على التضاد معها.

إنَ التركيز على السلطة المركزية وتجاوز الوطنية في سبيل القومية، أخرج بعد تغير الشكل العسكري للاستعمار وللتدخل الخارجي، دولاً بلا وطنية ولا قومية ولا حتى دولة بعد انهيار تلك السلطة المركزية.

يعاني واقعنا العربي من مشكلة مفاهيمية، تتمحور في فكرة أن التعريب اللغوي للمصطلح يجعل منه قابلاً للتوطين ضمن السياق التاريخي، وهو ما أثبت ويثبت دائماً خطأه، فتبقى هناك فجوة في دلالته بين الغرب والشرق. فبناء الدولة وما تخضع له من ترتيبٍ هرمي، سارت به الدول الغربية حتى تصل مرحلة الدولة الوطنية، قفزت الدول العربية عن مراحل وتصورت القدرة على الوصول إلى نفس المرحلة التي وصلت إليها دول الغرب، فوجدت نفسها تدفن المشاكل الداخلية والإقليمية وتنخرط في الشعاراتية القومية.

الوطنية الجديدة:

يأتي الاقتصاد، التنمية المستدامة وتوليد ثقافة المواطنة، على رأس اهتمامات الدول الخليجية الثلاث، إذ وبعد أن عمدت إلى ترسيخ السلطة المركزية القوية، خطت في اتجاه ترسيخ أسس الدول الحديثة المتبقية، ضمن ترتيبٍ هرمي يُنبأ بخطة انتقالٍ صحيٍ وصحيح.

هذه الاهتمامات تخلق مبادئ جديدة في سياسة هذه الدول، على رأسها تأتي الضرورات السياسية، وهو ما يُحيل إلى إلغاء مبدأ الكل أو اللاشيء الذي لا يتعدى كونه ضرباً من الغباء السياسي وحتى الوجودي.

الوطنية الجديدة تُفضي إلى استقلالية القرار، التي كانت هاجس دول ما بعد الاستعمار، فالصورة الكلاسيكية ارتبطت بالاستقلال الكلاسيكي، الذي لم يتضمن في حقيقته استقلالاً في القرار، إذ بقيت الدول الكبرى تقرر ما يحصل في الجغرافيا العربية، إلاَ أننا نرى قدرةً لدول الخليج الثلاث، على اتخاذ قراراتٍ مستقلة وخاصة، رفضت السعودية والإمارات قرار تحالف البحر الأحمر، أو قراراتٍ مغايرة بكليتها أو جزئيتها أو موافقة بشروط، كالشروط التي فرضتها السعودية على التطبيع الإسرائيلي.

يحيلُ البعض العجز في التحول نحو دولةٍ وطنية خارج الجزيرة العربية إمَا إلى ظهور الإيديولوجيات الدينية أو القومية وإمَا إلى التدخلات الخارجية، وهي في الحقيقة لا تتعدى كونها تمسكاً بخطاب الوطنية الكلاسيكية وعدم التماهي مع التغيرات التي حصلت في شكل التدخلات الخارجية، الذي يفرض نمطاً جديداً من كيفية الحفاظ على الدولة.

فالمملكة السعودية لم تكن تنقصها المقومات للقيام بهذا النهوض الذي خطت نحوه، لطالما امتلكت سلطة مركزية قوية إلى جانب مقومات الاقتصاد القوي، عدا عن النخبة الثقافية التي كانت تعمل منذ الثمانينات، إلاَ أنَ القرار بالتماهي مع التغيرات المحيطة جعلها تعمد إلى تنحية خطاب الوطنية الكلاسيكية وتنحو منحى الوطنية الحديثة.

هل ينظر مثقفو الشام إلى التجربة الخليجية بتمعن؟

تبقى لكل دولة خصوصيتها ومسارها التاريخي، إلاَ أن مبادئ الوطنية الجديدة، والترتيب الهرمي لتشكيل الدولة الذي سارت وفقه، بدءاً من معناها المؤسساتي الذي يكفل الحياة والاستقرار والتعليم والصحة، ثم الانتقال إلى مستوى الوطنية التي يمكن أن تُفضي إلى ثقافة المواطنة، قد أثبتت نجاعتها فيما نراه من نتائج تتحقق، دون القفز عن واحدةٍ منها إلى أخرى.

للتاريخ دورة لا يمكن التغافل عنها، فمثقفو بلاد الشام وقد ساهموا في دعم وتنمية الثقافة الناشئة في دول الخليج في منتصف القرن الفائت، حريٌ بهم في هذا الوقت النظر إلى الأسس والمبادئ التي اتبعتها التجربة الخليجية، للمساهمة في دعم وتأسيس قيادةٍ مدنية مجتمعية وسياسية في دولهم، إذ وفي السياسة خاصةً نحتاج إلى استخلاص النظريات من المجريات، فالواقع أصدق إنباءً من تعريب المصطلحات، وسياسة دول الخليج تقول أنَ التغييرات في صميم السياسة، يجعل الانتقال من الخطاب عن الشيء إلى الشيء نفسه.

ليفانت: هدى سليم المحيثاوي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!