الوضع المظلم
الثلاثاء ١٦ / أغسطس / ٢٠٢٢
Logo
  • حرب الثقافة الروسية التركية في أوكرانيا وسوريا 

حرب الثقافة الروسية التركية في أوكرانيا وسوريا 
شيار خليل

جرت العادة أن الحروب ترسم معها معالم ثقافية واجتماعية جديدة، ولا سيما الحروب التي تقام بأهداف جيوسياسية دينية أو قومية، وبهدف تغيير ديموغرافية المنطقة على حساب الهويات القديمة والجديدة. 

خلال مراقبتي للحرب الروسية الأوكرانية لاحظت أن تركيز الغزو الروسي لأوكرانيا كان على حالة حملتها العسكرية. لطالما كانت الحرب مكوناً بارزاً للصحافة ، حيث تجمع بين الدراما والقصص البشرية والصور الأيقونية وإحساس التاريخ بالحركة. علاوة على ذلك، فإن الحريات النسبية لوسائل الإعلام في أوكرانيا وروسيا تعني أن خط المواجهة في أوكرانيا يمكن الوصول إليه بشكل أكبر من تلك التي تقع تحت السيطرة الروسية.

هذا ما جرى تماماً عندما غزت تركيا عام 2018 مدينة عفرين الكردية شمال سوريا بالتحالف مع قوات للمعارضة السورية المسلحة، حيث ركّزت تركيا على البروباغاندا الإعلامية دون السماح للوكالات الإعلامية الدولية بالدخول إلى المنطقة ومراقبة الانتهاكات التي ارتكبتها القوات التركية والسورية المتحالفة معها بحق السكان الأصليين هناك.

في الحرب الروسية الأوكرانية هناك حلقة مفقودة، وهي ممارسات روسيا في الأراضي المحتلة شرق البلاد، وهو جزء مهم للغاية من رواية الصراع، بالإضافة للإشارة إلى نية موسكو الاستراتيجية للمستقبل. وفي هذا الشأن يصف المحللون ذلك "بإضفاء الطابع الروسي على شرق أوكرانيا". حيث تم استبدال لافتة ترحب بالناس في ماريوبول بأخرى مرسومة بألوان العلم الروسي، بدلاً من علم أوكرانيا. بدأ الجنود الروس في تجريد اللغة الأوكرانية وأعلامها من الأراضي المحتلة شرقي البلاد. كما تمت إضافة الاعتراف بجمهورية دونيتسك الشعبية وجمهورية لوهانسك الشعبية إلى البرنامج المدرسي في التاريخ الحديث لروسيا.

لا تفرق هذه الممارسات عن تلك التي مارستها القوات التركية بحق أهالي عفرين، حيث بدلوا اللافتات التي تدل على أسماء المدن والقرى والمحلات من الكردية إلى التركية، بجانب تحويل معابد الديانة الإيزيدية إلى جوامع ومعاهد تحفيظ القرآن، ناهيك عن فتح مدارس باللغة التركية وتغيير المناهج العربية والكردية.

في أوكرانيا يتم هدم اللافتات المكتوبة باللغة الأوكرانية من المباني أو الطلاء عليها أو تدميرها.  لم يعد هناك المزيد من دروس اللغة الأوكرانية في المنطقة، حتى كتب التاريخ تمت إعادة كتابتها وفقاً لترتيب الكرملين.  تدعم كل هذه السياسات السرد من موسكو حول "تحرير" روسيا للمتحدثين الروس تحت تهديد الزعيم "النازي" الأوكراني.

إنه تذكير بأن الاحتلال العسكري لأراضي أوكرانيا ليس سوى قمة جبل الجليد عندما يتعلق الأمر باستراتيجية روسيا. وهذا ما يفسر قول بوتين: "نصيبنا هو استعادة وتوحيد الأراضي الروسية التاريخية".

الفرق بين بوتين وأردوغان أن الأول يقولها (بوتين) بكامل الشفافية وبشكل لا يُصدق، فيأخذ دور كتاب "اللعب الروسي التاريخي لتوسيع نفوذ الدولة إلى ما وراء أراضيها الشاسعة" التي يبلغ عرضها 6000 ميل. فسبق أن نُقل عن كاثرين العظيمة قولها إن "ما يتوقف عن النمو يبدأ في التعفن" وأن بوتين، الذي قارن نفسه علناً الآن ببطرس الأكبر، يعيد تأكيد الأعراف الروسية التقليدية ذات المصلحة المتميزة في خارجها القريب والتي تعادل أساساً السيادة المحدودة على أراضيها. في حين أن أردوغان يفعل كل ذلك تحت حجة ومسمى محاربة "الإرهاب" وحماية أمنها الوطني والقومي.

لا شك في أن الثقافة واللغة كانتا جزءاً من السرد الجيوسياسي بين روسيا وأوكرانيا قبل الغزو الدراماتيكي في فبراير. حيث يمثل استهداف روسيا للمواقع الثقافية الأوكرانية في المناطق المتنازع عليها شرق البلاد وقرارها بفرض الدروس المدرسية والعملة الروسية على الأراضي المحتلة في أماكن أخرى محاولة منهجية لتدمير الثقافة الأوكرانية. 

أما في الجانب السوري - الكردي، فلم يتوانَ أردوغان عن فرض هيمنته العثمانية على المناطق المحتلة، شمال سوريا، فمع دخول قواته لمنطقة عفرين دمر كل المقابر التي دفن فيه الجنود الكرد من العسكريين والمدنيين، إضافة إلى تكسير الشواهد التي كتب عليها باللغة الكردية. بالتزامن مع استبدال العملة السورية بالتركية، إلى جانب فتح البنوك التركية الرسمية هناك، مع تحويل كل المؤسسات الحكومية الرسمية إلى مؤسسات تركية تأخذ أوامرها من الجانب التركي بالاتفاق مع الحكومة السورية المؤقتة التابعة للاستخبارات التركية. 

من كل ما تحدثنا به أعلاه، نستنتج أن التركي والروسي لهما أهداف مشتركة في الغزوتين الأوكرانية والسورية، وهي القضاء على الثقافة الأوكرانية والسورية، فالأوطان تبنى بلغاتها وثقافتها، وبدون تلك الموروثات لا بقاء لها. وأن ما يدار من معارك وسباق بالأسلحة ليس إلا واجهة وراءها مذابح فكرية وثقافية واجتماعية كبيرة تدار. لذا فإن التركيز على المكون الثقافي لهذا الصراع المتوازن أهم من العنصر العسكري التقليدي، فالحرب الثقافية الروسية التركية هي بالطبع أكثر دهاءً ومكراً من حركة القوات والدبابات والتحالفات والتنديدات الدولية التي تجري على حساب دماء الناس وبقائهم ووجودهم.
 

ليفانت - شيار خليل

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!