الوضع المظلم
الجمعة ٢٠ / مايو / ٢٠٢٢
Logo
ألمانيا وأوكرانيا.. كفة المصالح ترجح لصالح روسيا
ألمانيا وأوكرانيا \ ليفانت نيوز

رغم الخلاف المتصاعد بين الغرب وروسيا حول الملف الأوكراني، تنفرد ألمانيا التي تعتبر واحدة من الدول الأساسية في الاتحاد الأوروبي، بموقف ملتبس بعض الشيء من القضية، وهو ما يبدو أنه اصطفاف بجانب المصالح، حيث تتشارك ألمانيا مع روسيا في خط السيل الشمالي2، الذي من المفترض أنه سينقل الغاز الروسي إلى الأراضي الألمانية عبر بحر البلطيق، دون الحاجة إلى المرور بالأراضي الأوكرانية، الأمر المرفوض أوكرانياً، باعتبار أنه سيحرمها من عائدات مرور الغاز أولاً، كما سيخرج ورقة الغاز من أي نزاع مستقبلي بين أوكرانيا وروسيا، ثانياً.

ذلك السيناريو (النزاع) لا يبدو مستبعداً، في ظل التحشدات العسكرية الروسية على حدود أوكرانيا، رغم نفي موسكو المتكرر لنية تنفيذ غزو عسكري، لكنه إنكارٌ لا يعتد به، فتجربة استيلاء روسيا على القرم في العام 2014، لا تزال ماثلة، بجانب تحريض روسيا للانفصاليين في شرق أوكرانيا، لمواجهة سلطة كييف، وإنشاء إقليم حكم ذاتي من طرف واحد في دونباس.

المصالح هي البوصلة

في بداية أكتوبر الماضي، أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن التطوير البناء للتعاون بين موسكو وبرلين، بما في ذلك في حل المسائل الدولية الهامة، يتفق مع مصالح الشعبين الروسي والألماني، وهي مصلحةٌ يبدو أن ألمانيا قد وجدتها في النأي بنفسها عن الاصطفاف إلى جانب أوكرانيا، خاصة في المجال العسكري، حيث عارضت ألمانيا في نهاية أكتوبر، إعلان حكومة كييف شنها أول هجوم بواسطة طائرة تركية مسيرة على منطقة دونباس.

اقرأ أيضاً: رئيس الوزراء البريطاني يحذّر من توغّل روسيا في اجتياح أوكرانيا 

فشددت ألمانيا على أن طرفي النزاع في جنوب شرقي أوكرانيا ليسا مخولين باستخدام هذا النوع من السلاح، وأعربت الخارجية الألمانية عن قلق برلين إزاء تكثيف الأعمال القتالية في دونباس، وإعلان هيئة الأركان العامة للجيش الأوكرانية عن استخدامها لأول مرة طائرة تركية مسيرة من طراز "بيرقدار تي بي 2" في منطقة النزاع.

انتقادات متعددة لألمانيا

بجانب أوكرانيا، لا تبدو الولايات المتحدة سعيدة بمشروع السيل الشمالي 2، معللةً موقفها بأنه قد يدخل القارة العجوز تحت رحمة الدب الروسي، الذي قد يستغل حاجة بروكسل للغاز، بغية ابتزازها في قضايا سياسية، إن أحكم حكام الكرملين قبضتهم على أنابيب الغاز لألمانيا، وهو موقف تتشاركه بولندا، إذ انتقد رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافيتسكي في منتصف نوفمبر الماضي، مشروع "السيل الشمالي 2" للغاز، داعياً ألمانيا للتخلي عن المشروع، والتعاون لمواجهة أزمة الهجرة على الحدود مع بيلاروس.

قائلاً في تصريح لصحيفة "بيلد" الألمانية: "نحمي حدود الاتحاد الأوروبي هنا في بولندا! وإذا تحدثنا عن الصورة الكبرى، لنعمل معا من أجل السلام ولا نعطي فلاديمير بوتين أموالاً إضافية عبر المدفوعات مقابل الطاقة ليستمر بالتطور"، وأردف: "يجب وقف "السيل الشمالي 2".

اقرأ أيضاً: بايدن يجدد تحذيره لبوتين من غزو أوكرانيا

 ورغم ذلك، لم تدخر ألمانيا جهداً لتمرير مشروع السيل الشمالي، كونها تجد فيه مصلحة اقتصادية، وبالصدد، نقلت صحيفة "Axios" نهاية نوفمبر الماضي، عن وثيقة سرية أن حكومة ألمانيا طلبت من الكونغرس الأمريكي عدم فرض عقوبات على مشروع "السيل الشمالي 2" متعهدة في المقابل بتشديد النهج تجاه روسيا سياسياً.

وقالت الصحيفة إنها اطلعت على فحوى وثيقة مصنفة كسرية ومؤرخة بـ19 نوفمبر، وجهتها السفارة الألمانية في واشنطن إلى الكونغرس الأمريكي، شددت فيها على أن العقوبات "ستضر الوحدة الأطلسية"، مضيفة أن الإجراءات ضد حليفة للولايات المتحدة "لن تمثل إلا انتصاراً" للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وبحسب الوثيقة فإن الحكومة الألمانية ستتخذ إجراءات على المستوى الوطني لتشديد النهج تجاه روسيا، بما في ذلك عبر "تصريحات علنية حاسمة" في إطار الجهود الهادفة إلى منع الحكومة الروسية من استخدام "سلاح الطاقة".

لا أسلحة ألمانية لأوكرانيا

ولم تكتفي ألمانيا بمطالبتها للجانب الأمريكي، بل حاولت قطع يد العون العسكري لأوكرانيا، إذ ذكرت صحيفة بيلد الألمانية، منتصف ديسمبر الماضي، نقلاً عن مصادر، أن المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل، منعت شخصياً توريد الأسلحة إلى أوكرانيا عبر الناتو، فاستخدمت برلين كعضو في الناتو، حق النقض (الفيتو) في مايو، لمنع توريد بنادق باريت الأمريكية والبنادق الليتوانية المضادة للطائرات المسيرة، إلى أوكرانيا، كما "أجبرت" (أقنعت) حكومة ميركل، هولندا على دعم القرار، حتى لا يكون هنالك انطباع بأنها "كانت المعارض الوحيد لعملية البيع".

اقرأ أيضاً: أمريكا ترسل مساعدة دفاعية لأوكرانيا في ظل فشل المفاوضات

ومن الجلي أن الموقف الألماني متسق مع الموقف الروسي، إذ كان قد دعا في منتصف نوفمبر الماضي، دميتري بيسكوف، السكرتير الصحفي للرئيس الروسي، دول الناتو إلى الوقف عن ضخ أوكرانيا بأسلحة حديثة، لأن ذلك يلهم أوكرانيا للقيام بأفعال مجنونة"، وهو ما كرره وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف في أوائل ديسمبر، عندما أشار إلى أن ضخ الأسلحة إلى أوكرانيا يغذي رغبة كييف لتخريب اتفاقات مينسك بشأن دونباس، ويدفعها نحو الحل العسكري للصراع.

الموقف ما بعد ميركل

جملة المواقف الألمانية، دفعت أندريه ميلنيك، سفير أوكرانيا في برلين، في منتصف يناير الجاري، إلى القول إن ألمانيا لا تنظر إلى أوكرانيا "ككيان مؤثر في السياسة"، ولهذا السبب لا تأخذ برلين رأي كييف دائماً في الاعتبار، وتابع القول، إن أوكرانيا بحاجة ماسة إلى أسلحة للدفاع، لكن برلين تفتقر إلى "الإرادة السياسية"، وهو أمر "مؤسف" على خلفية "خطر الحرب الشديد في أوروبا".

اقرأ أيضاً: ألمانيا ترسل مستشفى ميدانيًا إلى أوكرانيا مع تزايد مخاوف الحرب

لكن الموقف الألماني بقي على حاله عقب مغادرة ميركل، حيث قال المستشار الألماني الجديد أولاف شولتس، إن برلين لا تزود أوكرانيا بأسلحة فتاكة، وهذا الخط السياسي سيبقى بدون تغيير، وأضاف أن بلاده تؤيد التوصل إلى حل دبلوماسي، للوضع حول أوكرانيا من خلال المفاوضات، فيما أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، بأن ألمانيا عرقلت تسليم إستونيا أسلحة ألمانية لأوكرانيا، في الوقت الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا وبولندا ودول البلطيق وغيرها، عن تقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا، في ظل التوترات في منطقة دونباس، والاتهامات الغربية لروسيا بالتحضير لهجوم عسكري على أوكرانيا.

استياء أوكراني من ألمانيا

ومعه، استدعت وزارة الخارجية الأوكرانية، السفيرة الألمانية أنكو فيلدغوزن، بغية التعبير عن استياء كييف العميق من موقف الحكومة الألمانية الرافض لإمداد أوكرانيا بأسلحة دفاعية، كما أعرب وزير الخارجية الأوكراني دميتري كوليبا عن استياء كييف من التصريحات الألمانية الأخيرة بخصوص حدود دعم برلين لبلاده ضد روسيا، بينما زاد قائد البحرية الألمانية، كاي أخيم شونباخ، طين العلاقات الألمانية الأوكرانية بلةً، عندما قال إن شبه جزيرة القرم "ذهب ولن تعود أبداً" إلى أوكرانيا، داعياً كييف إلى ضرورة إعادة الحوار مع موسكو.

اقرأ أيضاً: روسيا تخطط لانقلاب عسكري في أوكرانيا

وعليه، يبدو جلياً أن على أوكرانيا التفكير بعيداً عن ألمانيا في مواجهتها مع روسيا، وأن برلين لن تكتفي فقط بالحياد، بل ربما ستلجأ إلى استخدام سطوتها الأوروبية بغية منع أي بلد أوروبي آخر من الانجرار إلى محرقة الحرب مع موسكو، ما يشير إلى أن الجبهة المقابلة لـ"الدب الروسي" منقسمة على ذاتها، وهي معطيات سيكون لها أثر بالغ على مستقبل الصراع المسلح، فيما لو انزلق أحد الطرفين إليه.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!