الوضع المظلم
الأحد ٢٣ / يناير / ٢٠٢٢
Logo

من صدام حسين إلى سيف الإسلام القذافي

من صدام حسين إلى سيف الإسلام القذافي
عمار ديوب
لم تنتهِ محاكمة صدام حسين، وشنقه بطريقة طائفية بشعةٍ إلّا وبزر من يترحم على حكمه! لم يأتِ الترحم لطريقة الشنق أو المحاكمة أو لنسيانٍ كبيرٍ لكارثية نظامه الاستبدادي بل لمساوئ النظام الجديد، نظام النهب والفساد والتبعية الطائفية لإيران. لو ظلَ أحد أبنائه، قصي أو عدي حيّاً، لاستطاع جمع أعدادٍ كبيرةٍ من العراقيين خلفه.

حين جاءت الثورة المصرية في 2011، كان حسني مبارك يهيّئ ابنه جمال للحكم، ولولاها لرأيناه الآن رئيساً، وإن مساوئ نظام ما بعد الثورة جاءت بعبد الفتاح السيسي. نعم لو استطاعت القوى السياسية المصرية أن تنشئ تحالفاً سياسياً واسعاً لما استطاع الأخير الترؤس، والتفاخر مؤخراً ببناء أكبر السجون في شرقنا التعيس.

في سوريا أيضاً كانت وفاة باسل الأسد سبباً لتأهيل أخيه بشار للحكم. لم تخرج السلطة من العائلة، وقبل ذلك كادت السلطة السورية أن تتفكك عل إثر مواجهة بين حافظ الأسد ورفعت في 1984. في الأنظمة الملكية والأميرية ليست هناك مشكلة كبيرة، في آلية انتقال السلطة، رغم أن وصول محمد ابن سلمان في السعودية إلى ولاية العهد جاء بطريقة غير شرعية واعتقال واحتجاز عدد كبير من الأمراء، ولولا خشية كبيرة من تفكك السلطة لما صمت الأمراء الأكبر سنّاً عن ذلك.

في الأشهر الأخيرة، شاهدنا كيف انقلب قيس سعيد على الحكم، وكانت التوقعات أن تتشكل تحالفات سياسية قوية لمواجهته، وعكس ذلك شاهدنا انقسامات في حركة النهضة، الحركة الأقوى في هذا البلد، ولم تستطع القوى السياسية والنقابية أن تنهض بتونس منذ 2011. هنا جذر القصة، فلو تمكنت القوة السياسية من تحسين أوضاع التوانسة، لما تمكن "ابن زين العابدين"، ونقصد قيس سعيد، من الانقلاب، ومحاولة جعل النظام في تونس رئاسيّاً و"ديكتاتورياً"، وكل تأخير في تشكيل تحالف سياسي، والاقتراب من تمثيل حاجات التونسيين سيعني أن تونس ذاهبة نحو الديكتاتورية. بالطبع لن يَنعم قيس تونس كما السيسي في مصر في كراسي الرئاسة، وستتجدد الاحتجاجات، كما يحصل الآن في تونس.

تابعنا أخبار تقدّم سيف الإسلام القذافي إلى الترشّح؛ لم نذهل من الخبر، بل من وقاحة الرجل. لقد اعتُقِل لعدّة سنواتٍ، وحتى الآن غير معروف بدقة كيف أُفرج عنه. أيضاً الرجل مطلوب للمحاكمة أمام محكمة الجنايات الدولية، ومع كل ذلك، ورغم إرث أبيه المشين في الحكم، ومسؤوليته هو شخصياً عن دوره المناهض للثورة، أقول رغم ذلك تقدم للترشح، وحسم القضاء بأحقيته بذلك! الطبيعي هنا، أن يتقدم السؤال، على أيِّ أساس يفعل ذلك؟ لا شك أن الرؤساء لا يشيخون أبداً في بلادنا، ومن الرئاسة إلى القبر، وأولادهم يعتبرون السلطة والبلاد والعباد ملكية شخصية، وحقهم بذلك لا يأتيه الباطل أبداً، وبالتالي لا يرف للسيف هذا جفن عينٍ وهو يتقدّم لاستعادة "ملك" أبيه، ملك ملوك أفريقيا، ومن هذه الصفات التافهة.

إذاً أبناء الرؤساء لا يرتدعون عن محاولة الوصول إلى السلطة، ويُسهِلُ لهم ذلك المعارضات الرديئة والفاشلة والفاسدة والتابعة، وهناك التدخلات الخارجية. في سوريا، ورغم مرور عشر سنوات على الثورة، وبغض النظر عن الإخفاق في تطورها، لم تستطع المعارضة إنتاج قيادة أو خطاب أو لجان أو شخصيات وطنية، يجتمع عليها السوريون. إن سياسات وممارسات المعارضة ومنذ 2011، أَبعدت قطاعات كبيرة عن الثورة، ومؤخراً تصاعدت الأصوات السياسية والشعبية الرافضة لاستمرار عمل اللجنة الدستورية؛ فلم يهتم الائتلاف الوطني، ولم يستقل أفراد هذه اللجنة، بل ويؤكدون أنهم مستمرون بأعمالهم فيها، ويتهيؤون للجولات القادمة. يفعلون ذلك رغم أن وظيفة اللجنة الوحيدة تعويم النظام بحجة أنّه يتحاور مع المعارضة ولا ينغلق ضدها، وكذلك تعطي مجموعة المعارضة والمجتمع المدني في هذه اللجنة شرعية للدور الروسي في الاستمرار بمساراته السياسية والإقليمية كبديلٍ عن بيان جنيف 2012، وبعيداً عن التفسير الصحيح للقرار 2254، والمتعلّق بتشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات، وهناك قرارات دولية أخرى، وجميعها تمنع تفرّد روسيا بسوريا، وتدين النظام. لقد خَلق النظام معارضةً على صورته بالتمام والكمال؛ فاسدة، تابعة، والفارق بينهما أنه هو يمتلك دولة، بينما قيادات المعارضة لا قيمة لها من قريب أو بعيد عند الشعب السوري المعارض أو عند الدول التابعين لها.


إن وقاحة سيف الإسلام القذافي لن تمر على الليبيين، كما أن قيس سعيد لن يستمر بالحكم، وربما يطول المقام بالسيسي أو بسواه قليلاً، ولكنه سيغادر إلى المحاكم بالنهاية. الأمر ذاته ينطبق على بقية أولاد الرؤساء، أو الرؤساء. القضية تكمن في عدم إيجاد حلول للتأزّم الشديد في أوضاع المجتمعات العربية، وغياب أيّة مشاريعٍ للنهوض العام. مشكلة المعارضات، وبغض النظر عن تمايزاتها الأيديولوجية، إسلامية أو ليبرالية أو يسارية وغيرها، أنها لا تثق بالنظام الديموقراطي ولا تهمها العدالة الاجتماعية، وقياداتها تنتظر فرصة العمر لاغتنام السلطة والنهب والفساد.


ما أحدث جديداً نوعياً في منطقتنا هو الاحتلال الأمريكي للعراق 2003 أولاً، وثانياً الثورات العربية أواخر 2010. إن محاولات أنظمة وقوى الثورة المضادة أن تنتصر، وهناك تيار عربي يؤكد أنها انتصرت، ويرون الانقلاب الأخير في السودان تتويجاً للنصر، وهناك من يرى وصول أولاد زايد ووفد دبلوماسي إماراتي إلى سوريا منذ عدة أيام إغلاقاً نهائياً لتاريخ الثورات، وبالتالي لن تقوم لها قائمة من جديد.

يتجاهل أصحاب الفكرة السابقة التأزّم الشديد في الأوضاع، والاحتجاجات التي لا تتوقف أبداً في العالم العربي، وآخرها ثلاث ثورات في العراق ولبنان والسودان، والآن تتجدّد الثورة في السودان، وتتصاعد الاحتجاجات في تونس، وبالتالي لا إمكانية مطلقاً لاستعادة السلطة من قِبَل النظام القديم أو أيتامه. إن المحاولة الرخيصة لابن القذافي في استغلال تعقّد المشهد في ليبيا والتسلّل إلى الرئاسة هناك لن يوصله إليها، وكذلك لن ينتهي التاريخ بتأجيل الحل السياسي في سوريا أو إرساء السيسي ديكتاتورية شديدة في مصر.


فاجأتنا رغد، ابنة صدام حسين، وفق منشورٍ متداولٍ على فيسبوك، بدعمها لترشح سيف الإسلام. ونقول مع القائلين: إن الطيور على أشكالها تقع. إن استعادة المجد غير ممكنة، والثورات الشعبية ستتجدد، وكما قضت على حسني مبارك وزين العابدين والبشير وسواهم، ستكنس أولاد الرؤساء من السلطة أو الساعين إليها أو من بها؛ فقط الاستجابة لحاجات الشعوب في العدالة والديموقراطية والنهوض الوطني والقومي يسمح بالعودة للحكم أو بوصول قادة جدد إليه، ودون ذلك، لن يكون مصير القذافي الابن أفضل من مصير أبيه، هذا إن وصل إليه من أصله.

عمار ديوب

ليفانت - عمار ديوب
facebook
facebook

ابق على اتصال

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!