الوضع المظلم
الأحد ٢٣ / يناير / ٢٠٢٢
Logo

أولمبياد الخوف والفساد

أولمبياد الخوف والفساد
أسامة هنيدي
لا أستطيع التنبؤ بما حصل قبل أيام في مباراة تصفيات كأس العالم لكرة السلة بين المنتخب السوري ومنتخب كازاخستان، والتي أقيمت في العاصمة الكازاخية، حين تهيأ لاعبو المنتخب السوري لسماع نشيدهم الوطني، وإذ بعيونهم تتسع حدقاتها لأن ما عزف لا يعرفه بعضهم بالتأكيد، وهو النشيد الوطني الإيراني، وقد درجت العادة عندما ينتهي النشيد يصفق اللاعبون لنشيدهم، ومع جهلهم وعدم احتجاجهم على ذلك، صفق لاعبونا للنشيد، ربما بدافع الحماس للمباراة وتجاهل ما حدث.

ما لم يفهمه لاعبو المنتخب السوري كانت تقول كلماته:
رسالتك بالاستقلال والحرية أيها الإمام منقوشة على أرواحنا
شهداؤنا صيحاتكم يتردد صداها في أذن الدهر صامدة ومستمرة وخالدة
لا أعرف لم خطر لي هشام الكروج وأنا أتابع المشهد على وسائل التواصل الاجتماعي وردود الفعل عليها، ذاك الشاب المغربي الذي أجهش بالبكاء على منصة التتويج في الأولمبياد، في مشهد خالد من مشاهد الرياضة العالمية حين سمع النشيد الوطني المغربي:
إخوتي هيا للعلي سعيا
نشهد الدنيا أن هنا نحيا
ومع اتفاقي مع الرأي القائل بفصل الرياضة عن السياسة في المطلق، إلا أنني في الحالة السورية لا أستطيع أن أفصلها، وذلك لسبب بسيط وهو أن البنية السياسية القائمة منذ خمسين عاماً وأكثر لم تستثنِ قطاع الرياضة في منهج الفساد والإفساد، حيث إن للرياضة والشباب في كل دول العالم وزارة خاصة تنظم عمل الرياضة ولكنها لا تتدخل في شؤون الأندية بل تكتفي بمهمة تنظيم العلاقة بينها وتنظيم أجندات المسابقات والألعاب وتقديم تقارير لحكوماتها عن تقدم القطاع الرياضي، وحاله الأمر الذي أصبح مثار فخر وتعبيراً عن القوة، ولذلك نرى التنافس في الأولمبياد محموماً بين القوى العظمى لأن ذلك جزء من كبرياء تلك الدول وسطوة حضورها وتقدمها.
لم تحقق سوريا في عالم الرياضة على المستوى الدولي سوى إنجازات محدودة في الألعاب الفردية، وأهمها طبعاً ذهبية السباعي للبطلة السورية غادة شعاع في أولمبياد أتلانتا عام 1996، وفضية جوزيف عطية في المصارعة في أولمبياد لوس أنجلوس عام 1984، وبرونزية ناصر الشامي في أولمبياد أثينا 2004، وأخيراً برونزية معن أسعد في رفع الأثقال في أولمبياد طوكيو 2020.
وللتذكير فقط، فإنّ بلاد "الشيطان الأكبر" أنجبت سباحاً اسمه مايكل فيليبس أحرز لوحده 28 ميدالية بواقع 23 ذهبية و3 فضيات وبرونزيتين، كما أنجبت العداءة إليسون فيليكس التي جمعت عبر مشاركاتها 11 ميدالية، منها 7 ذهبيات لبلادها، طبعا كل ذلك بفضل الفساد الموجود في الاتحاد الرياضي العام في الولايات المتحدة الأمريكية، ويقال إن ضابطاً في البحرية الأمريكية هو واسطة مايكل فيليبس، والله أعلم.

وما يحزّ في النفس دائماً، أن سوريا تزخر بالمواهب التي باتت تملأ العالم، لكن هذه المواهب لم تجد بلاداً تلعب تحت علمها المستباح، وإن وجدت البلاد لم تجد المؤسسات والنوادي التي يعشش فيها منطق اللصوصية والنفعية والمحسوبية والفساد.
أنظر إلى الشاشات العربية فأرى جمال الشريف، أهم خبير تحكيمي في واحدة من أقوى الشبكات الرياضية على مستوى العالم، وأيمن جادة، أهم إعلاميي تلك المؤسسة، وأطل على أخرى فأرى مصطفى الآغا، صاحب أهم إطلالة إعلامية لبرنامج رياضي عربي يحاور الدكتور عمار عوض، أحد أهم الكوادر الرياضية إدارياً في العالم العربي.
ولا يفوتني ذكر الهداف التاريخي للنادي الأهلي وللدوري السعودي عبر تاريخه عمر السومة، والهداف التاريخي للنادي العربي وللدوري الكويتي فراس الخطيب

الرياضة في سوريا لم ينظر إليها يوماً إلا بمنطق الشعارات الوطنية الزائفة، فأصبحت شبيهة بالمنظمات الشعبية والنقابات المهنية المؤطرة بالسياسة العامة للدولة، وإلا فما معنى أن يقود لواء في الجيش دفة الرياضة السورية، وإن غاب اللواء حضر أشخاص فاشلون إدارياً ومهنياً ومن خارج الرياضة، باستثناء وحيد طبعاً، وهو فراس معلا، لأنه كان رياضياً ناجحاً لكن المنظومة التي أتت به هي نفس المنظومة.
وعليه فإنّ قرابة 25 مليون سوري (ما قبل 2011) لم يحققوا بوجود هذه المنظومة البائسة سوى حضوراً باهتاً بالمقارنة مع دول قليلة السكان لكنها حققت أرقاماً عالية بسبب منظومة الرفاه والتقدم والشفافية، كالنرويج مثلاً، والتي حتى العام 2020 بلغ عدد سكانها حوالي 5 مليون نسمة، ولكنها ظفرت بـ 528 ميدالية أولمبية في تاريخها، ما يجعلها متفوقة على كل العرب الذين حصلوا عبر تاريخ مشاركاتهم 130 ميدالية فقط.

إذاً فسوريا ليست وحيدة في هذا المجال، إذ إن أجواء الفساد موجودة في كل دول العالم، وفي الحقل الرياضي تحديداً، ومنها تلك المحاكمات المستمرة حتى يومنا هذا لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم السابق، جوزيف بلاتر، ورئيس الاتحاد الأوروبي السابق لكرة القدم، ميشيل بلاتيني، ولكنها تكاد تكون الأسوء من حيث العقلية التي تقود الرياضيين وتسيطر عليهم وتنسب إنجازاتهم الضئيلة لها، وهم بدورهم وبحكم تراث الخوف المعشش فيهم تراهم يهدون تلك الانتصارات لا للبلاد بل إلى القيادة السياسية في براءة اختراع سورية وعربية بامتياز حيث لم أرَ مثلاً ميسي يهدي الكرات الذهبية الست إلى القيادة الحكيمة للرئيس الأرجنتيني.

لن تكون الرياضة في سوريا استثناء عن مشهد الدمار الذي حلّ بالبلاد منذ عقود، وليس فقط منذ عشر سنوات، كما لا يؤمل منها في بلاد الطوابير الطويلة سوى الهزائم المتلاحقة، الدمار الذي بدأ بمنطق الطبلة والربابة، على حدّ تعبير شاعرنا الكبير نزار قباني، وانتهى بالعنتريات التي شردت أهل البلاد إلى المنافي عندما نطقوا بكلام الحق ضد سلطانهم الجائر، لكن العنتريات لا تبقى ولا تدوم، فعنترة مات منذ زمن طويل، وأبو عنتر أيضاً مات.

أسامة هنيدي

ليفانت - أسامة هنيدي
facebook
facebook

ابق على اتصال

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!