منفيون إلى بلاد الغرباء

هند زيتوني
هند زيتوني

ها هي حقيبة سفرك أمامك، وأوراقك الهامة قد اكتملت. تقترب من مراسم الوداع وأنت تُفضّل أن ترحل بلا ضجيج، بلا دموع أو عناق. فليس للوداع عنوان ولا مكان لأنّه سفينة بلا شراع. إنه أبواب مغلقة بلا مفاتيح.

كنتَ تودّ أن تمنح مفتاح قلبك لشخصٍ يحبك كثيراً قبل أن تغادر لكي لا يقتله الشوق من بعدك، ولكن من يستطيع أن يفتح بابَ قلبٍ تكلّس بالصدأ؟ بسبب ما رانَ عليه من الحزن والقهر والعذاب؟ فكرامتك أحياناً أهم ممن تحب. أنت لم تفرّط بأحد، ولكنها يد الزمن القاسية التي امتدت لتحرق كل الأوراق والذكريات بلا رحمة وبرفّة عين ضاع كل شيء أحببته.

إنها اللحظات الأخيرة التي تشعر فيها بالخذلان، هل أنت خذلت الوطن برحيلك أم هو الذي خذلك؟ هل هو الذي أطلق عليك رصاصة الرحيل فأدماك أم أنت الذي طعنته بمدية الخيانة ثم رحلت؟

لقد حاصرك القدر ووضعك في زاوية اللاعودة. تشعر بشعورٍ مبهمٍ، ذلك الشعور الذي يمعن في قتل اللحظات السعيدة. هكذا تمضي بعيداً وبيدك حفنةً من التراب المضمخ بالدم والدموع. تلوح بيدك لكل شيء أحببته حتى للحافلات المهترئة، وبكاء العصافير الصغيرة.
لقد فاتك أن تأخذ ضمة صغيرة من شجرة الياسمين النائمة، لوحت لك ببتلاتها الناصعة من بعيد دون أن تلمحها. كانت واهنة، متعبة وشاحبة، أتعبتها رائحة القتال والمعارك ثم نضبت المياه فجأة، فحاصرها العطش.

في اللحظة الأخيرة تتثبتُ عيناك على نافذة الطائرة وأنت تتأمل المدينة الغافية على جرح طويل لا يلتئم. سماؤها تشتعل بالمدافع والبراميل الحارقة. وفي رأسك سؤال واحد قد يمسح فيكَ كل الأسئلة. وقصة حزينة تنسيك كل القصص.

متى ستتعافى أيها الوطن؟ متى سينعم الناس بالحياة الهانئة، الخالية من كل هذا الجنون والعبث المتراكم؟ متى سيقسم هذا الرغيف البسيط بالتساوي، بين هؤلاء الجياع والمتعبين الذين يبدو على وجوههم سوء التغذية والمرض والشقاء وقلة الفرح والاستقرار. ما زلت تذكر جيداً كيف كنتَ تعمل كالساقية في هذا الغلاء المحموم، والملاليم التي تجنيها تكاد لا تكفي لشراء وجبة يوم واحد.

قلت لي قبل سفرك بأيام: “كم كنتُ أشعر بنفسي بأنني مثل بطل رواية دونكيخوته (ألونسو كياخانو) رجل ضعيف ومريض، أتعبه قلة الطعام والنوم وكثرة القراءة حتى أشرف على فقدان عقله وذاكرته. لقد شد الرحال وركب حصانه الهزيل ليبحث عن مفاجأة تنتظره في بلاد جديدة”. خرج ليحارب طواحين الهواء والأغنام كان يسمى (فارس الظل الحزين)، أما أنا فكنت أعمل وأحارب كل شيء حتى الهواء الذي أتنفسه من أجل أن أعيش فقط! ولم أحظَ إلا بعيشةٍ وضعية.

كتبت لي بأنك استطعت الوصول أخيراً، بعد رحلة شاقة كدتَ تفقد فيها حياتك لتنجو بنفسك والأشياء البسيطة التي تحملها في حقيبتك؛ من قميص قديم وبنطال مهترئ وغيار داخلي، مشط مكسور، وزجاجة عطر من المسك أعطاك إياها والدك، كان قد احتفظ بها منذ ليلة زواجه، وكيس صغير من الزعتر، أصرّت أمك أن تأخذه معك.

أنت الآن في المنفى تستطيع أن تملأ رئتيك بهواء نظيف، تضغط على جهار القهوة الأوتوماتيكي لتصنع قهوتك الصباحية، تدخل الحمام لتستحم بالماء الساخن. تتمدّد في فراشٍ وثير وفوقك غطاء صوفي ناعم يشعرك بالدفء وبأشياء أخرى. تستمع لفيروز (راجعين يا هوا راجعين…) لتبث لنفسك بأنك ما زلت متمسكاً بالغناء العربي والذكريات القديمة. تحاول أن تتمسك بكل شيء مع أنك منفي إلى أرض الغرباء.. هناك لا ينقطع التيار الكهربائي، ولا يقف الناس طوابير من أجل شراء ليتر من المازوت، ولا يوجد بطاقة ذكية لتطلب منك القدوم على الفور، لكي تستلم جرة الغاز وحين وصولك يخبرك الموظف ببلادة -الذي ينفث سيجارته الرخيصة بوجهك- بأنه يعتذر لعدم توفرها الآن! عليك القدوم بعد شهر على الأقل. عليك أن تتحمل البرد والصقيع بما أنك تقدس الوطن ومشاكله، ولتهرم عظامك ومفاصلك، لتدمن بعد ذلك على المسكنات التي لم تعد تملك ثمنها.

فجأة تعصف الذكريات القديمة في رأسك، فترى وجه أمك التي كانت تنهض في الصباح الباكر تبحث عن وسيلة للوقود لتطهو الطعام فلا تجد! تتفقد المدفأة الوحيدة في البيت، فهي لا تعمل لأن الكهرباء مقطوعة! ترمي البطانية القديمة التي “لا تغني ولا تسمن من جوع” على إخوتك الصغار في الشتاء البارد! فهم يرتجفون من البرد والصقيع الذي لا يرحم.

وأنت تجلس هناك في المنفى مع صديقتك الشقراء الفارعة القامة، تضع يدك على كتفها برقّة وتبتسم. تحتسي فنجان قهوتك الثالث وتشرح لها كم هي جميلة مدينتك، وكم هي عظيمة بلادك حيث خرج منها أغلب المكتشفين والمخترعين القدماء ولولاهم لغرقت الإنسانية في الجهل والظلام. تتباهى بشوارعها الساحرة والنظيفة وشاطئها الأزرق اللازوردي في شمال البلاد، وتشرح لها كيف أن الناس سعداء وكأنهم يعيشون في الفردوس. فهم لا يحبون مغادرة بلادهم لأنهم لن يجدوا أجمل منها.

تنظر في المرآة المجاورة فترى عينيك الكاذبتين فتبكي بكاء مراً، كنت تبرر لنفسك كذبك الأبيض، وتقول أريد أن أكذّب كل شرٍ وحزن وأقلب كل مشهد حزين إلى سعادة عارمة. قلت لي في رسالتك الأخيرة، كم أنا مشتاق للوطن بالرغم من كل شيء!
سأعود ذات يوم، بعد أن تندمل الجراح المتخثرة، ستشفى ذاكرتي الشقية من ظلال الأشجار المحروقة وسيخرج القمر في السماء مبتسماً لا يخاف من حراس الليل المرعبين وسترقص النجوم احتفالاً بقدومي.

هند زيتوني

ليفانت – هند زيتوني

ها هي حقيبة سفرك أمامك، وأوراقك الهامة قد اكتملت. تقترب من مراسم الوداع وأنت تُفضّل أن ترحل بلا ضجيج، بلا دموع أو عناق. فليس للوداع عنوان ولا مكان لأنّه سفينة بلا شراع. إنه أبواب مغلقة بلا مفاتيح.

كنتَ تودّ أن تمنح مفتاح قلبك لشخصٍ يحبك كثيراً قبل أن تغادر لكي لا يقتله الشوق من بعدك، ولكن من يستطيع أن يفتح بابَ قلبٍ تكلّس بالصدأ؟ بسبب ما رانَ عليه من الحزن والقهر والعذاب؟ فكرامتك أحياناً أهم ممن تحب. أنت لم تفرّط بأحد، ولكنها يد الزمن القاسية التي امتدت لتحرق كل الأوراق والذكريات بلا رحمة وبرفّة عين ضاع كل شيء أحببته.

إنها اللحظات الأخيرة التي تشعر فيها بالخذلان، هل أنت خذلت الوطن برحيلك أم هو الذي خذلك؟ هل هو الذي أطلق عليك رصاصة الرحيل فأدماك أم أنت الذي طعنته بمدية الخيانة ثم رحلت؟

لقد حاصرك القدر ووضعك في زاوية اللاعودة. تشعر بشعورٍ مبهمٍ، ذلك الشعور الذي يمعن في قتل اللحظات السعيدة. هكذا تمضي بعيداً وبيدك حفنةً من التراب المضمخ بالدم والدموع. تلوح بيدك لكل شيء أحببته حتى للحافلات المهترئة، وبكاء العصافير الصغيرة.
لقد فاتك أن تأخذ ضمة صغيرة من شجرة الياسمين النائمة، لوحت لك ببتلاتها الناصعة من بعيد دون أن تلمحها. كانت واهنة، متعبة وشاحبة، أتعبتها رائحة القتال والمعارك ثم نضبت المياه فجأة، فحاصرها العطش.

في اللحظة الأخيرة تتثبتُ عيناك على نافذة الطائرة وأنت تتأمل المدينة الغافية على جرح طويل لا يلتئم. سماؤها تشتعل بالمدافع والبراميل الحارقة. وفي رأسك سؤال واحد قد يمسح فيكَ كل الأسئلة. وقصة حزينة تنسيك كل القصص.

متى ستتعافى أيها الوطن؟ متى سينعم الناس بالحياة الهانئة، الخالية من كل هذا الجنون والعبث المتراكم؟ متى سيقسم هذا الرغيف البسيط بالتساوي، بين هؤلاء الجياع والمتعبين الذين يبدو على وجوههم سوء التغذية والمرض والشقاء وقلة الفرح والاستقرار. ما زلت تذكر جيداً كيف كنتَ تعمل كالساقية في هذا الغلاء المحموم، والملاليم التي تجنيها تكاد لا تكفي لشراء وجبة يوم واحد.

قلت لي قبل سفرك بأيام: “كم كنتُ أشعر بنفسي بأنني مثل بطل رواية دونكيخوته (ألونسو كياخانو) رجل ضعيف ومريض، أتعبه قلة الطعام والنوم وكثرة القراءة حتى أشرف على فقدان عقله وذاكرته. لقد شد الرحال وركب حصانه الهزيل ليبحث عن مفاجأة تنتظره في بلاد جديدة”. خرج ليحارب طواحين الهواء والأغنام كان يسمى (فارس الظل الحزين)، أما أنا فكنت أعمل وأحارب كل شيء حتى الهواء الذي أتنفسه من أجل أن أعيش فقط! ولم أحظَ إلا بعيشةٍ وضعية.

كتبت لي بأنك استطعت الوصول أخيراً، بعد رحلة شاقة كدتَ تفقد فيها حياتك لتنجو بنفسك والأشياء البسيطة التي تحملها في حقيبتك؛ من قميص قديم وبنطال مهترئ وغيار داخلي، مشط مكسور، وزجاجة عطر من المسك أعطاك إياها والدك، كان قد احتفظ بها منذ ليلة زواجه، وكيس صغير من الزعتر، أصرّت أمك أن تأخذه معك.

أنت الآن في المنفى تستطيع أن تملأ رئتيك بهواء نظيف، تضغط على جهار القهوة الأوتوماتيكي لتصنع قهوتك الصباحية، تدخل الحمام لتستحم بالماء الساخن. تتمدّد في فراشٍ وثير وفوقك غطاء صوفي ناعم يشعرك بالدفء وبأشياء أخرى. تستمع لفيروز (راجعين يا هوا راجعين…) لتبث لنفسك بأنك ما زلت متمسكاً بالغناء العربي والذكريات القديمة. تحاول أن تتمسك بكل شيء مع أنك منفي إلى أرض الغرباء.. هناك لا ينقطع التيار الكهربائي، ولا يقف الناس طوابير من أجل شراء ليتر من المازوت، ولا يوجد بطاقة ذكية لتطلب منك القدوم على الفور، لكي تستلم جرة الغاز وحين وصولك يخبرك الموظف ببلادة -الذي ينفث سيجارته الرخيصة بوجهك- بأنه يعتذر لعدم توفرها الآن! عليك القدوم بعد شهر على الأقل. عليك أن تتحمل البرد والصقيع بما أنك تقدس الوطن ومشاكله، ولتهرم عظامك ومفاصلك، لتدمن بعد ذلك على المسكنات التي لم تعد تملك ثمنها.

فجأة تعصف الذكريات القديمة في رأسك، فترى وجه أمك التي كانت تنهض في الصباح الباكر تبحث عن وسيلة للوقود لتطهو الطعام فلا تجد! تتفقد المدفأة الوحيدة في البيت، فهي لا تعمل لأن الكهرباء مقطوعة! ترمي البطانية القديمة التي “لا تغني ولا تسمن من جوع” على إخوتك الصغار في الشتاء البارد! فهم يرتجفون من البرد والصقيع الذي لا يرحم.

وأنت تجلس هناك في المنفى مع صديقتك الشقراء الفارعة القامة، تضع يدك على كتفها برقّة وتبتسم. تحتسي فنجان قهوتك الثالث وتشرح لها كم هي جميلة مدينتك، وكم هي عظيمة بلادك حيث خرج منها أغلب المكتشفين والمخترعين القدماء ولولاهم لغرقت الإنسانية في الجهل والظلام. تتباهى بشوارعها الساحرة والنظيفة وشاطئها الأزرق اللازوردي في شمال البلاد، وتشرح لها كيف أن الناس سعداء وكأنهم يعيشون في الفردوس. فهم لا يحبون مغادرة بلادهم لأنهم لن يجدوا أجمل منها.

تنظر في المرآة المجاورة فترى عينيك الكاذبتين فتبكي بكاء مراً، كنت تبرر لنفسك كذبك الأبيض، وتقول أريد أن أكذّب كل شرٍ وحزن وأقلب كل مشهد حزين إلى سعادة عارمة. قلت لي في رسالتك الأخيرة، كم أنا مشتاق للوطن بالرغم من كل شيء!
سأعود ذات يوم، بعد أن تندمل الجراح المتخثرة، ستشفى ذاكرتي الشقية من ظلال الأشجار المحروقة وسيخرج القمر في السماء مبتسماً لا يخاف من حراس الليل المرعبين وسترقص النجوم احتفالاً بقدومي.

هند زيتوني

ليفانت – هند زيتوني

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit