قصة تواطؤ معلن

ماجد حبو

هو تواطأ مع ذاته بإخفاء أمر اعتقاله عن أمه.. وهي تواطأت مع الحياة بإخفاء موتها عنه. اثنا عشر عاماً ونبيل لا ينتظر زيارة والدته، والتي لن تأتي أبداً، وعندما أفرج عنه كانت والدته قد غادرت العالم دون أن يعلمه أحد بذلك، بل والأدهى من ذلك دون أن تعلم والدته بأنه كان معتقلاً بالأصل.

في سنته الجامعيّة الثانية بكلية الهندسة المعمارية بجامعة حلب، كان نبيل يتقن إلقاء النكات وتقليد كل اللهجات السورية بلكنته الديرية المحببة، وكانت سوريا يومها تحبس أنفاسها من الموت البطيء المبطن والمعلن.

ضمته زنازين الاعتقال مع الكثير من رفاقه، بينما كان النزاع المسلّح على أشده في شوارع العديد من المدن السورية في ثمانينات القرن الماضي. لم يدر بذهنه -كما الجميع- بأن الأمر سيكون على الشاكلة التي ستمضي بها الأحداث.

“سأجعلك عبرة للجميع، ستتعفن في السجن لمدة خمس سنوات”، كان ذلك سقف طموحات وتصورات رئيس الأمن السياسي وهو يهدده بما يفوق التوقع والاحتمال.

استقرّ ذهنه بعد جولات التعذيب والتحقيق، كما استقرّ به المطاف في المهجع التاسع مع بقية الرفاق، وقال لشقيقه الذي استطاع معرفه اعتقاله بعد عدة أشهر واستطاع زيارته: “لا تخبروا أمي”.

وأردف كمن تذكر أمراً جلياً وبديهياً: “اكتب لها رسائل باسمي من لبنان، فالأمر لن يطول. إنه الضغط والسكري لديها الذي يجب الانتباه إليه، لكنني أريد أن أبعث رسائل إليها لتطمئن روحي”.

نقاؤه وطيب سريرته -كالفرات- رتبت ملامحه السمراء كمن كان كذلك من قرون وأجيال، هدوؤه الطاغي وقلة كلامه تتنافر بقسوة وشراسة عندما يضحك بصخب وتكرار طفولي عفوي.

ومضت الأيام خلف الشهور والسنين ونبيل يعيد قراءة الرسائل الدورية التي كانت تصله من أمه، بينما سوريا في الخارج تضمد جراحاً لا تقبل الالتئام ولا توقف النزف.

ألم حاد وانزواء صارم -سبات غريزي- يكدر هدوء نبيل مع قدوم كل معتقل جديد، الأمر الذي يضفي الكثير من الفضول لما يحدث في “الخارج” مع الكثير من المرارة لنزيف يرفض التوقف، لكن في زاوية ما من حدقة العين يلمح المرء ومضة بريق خاطفة، مبتهجة ونزقة بأننا لسنا الوحيدين، لسنا الأخيرين، ثمة حمقى ومجانين مثلنا يفكرون وينتحرون علانية في وجه الديكتاتور.

سجون الأسد (أرشيف)

شقيقه الأكبر فقط من واظب على زيارته -كلما كانت الفرصة متاحة- وبصمته البدوي كان يسلم ورقه بدون مغلف للسجان الذي يحتفظ بها لليوم التالي لتصل بعدها إلى صدر نبيل قبل عينيه، يشتمها، يرسم صور الأحرف وشدة تركيز القلم على الورقة لتصور حالة أمه وهي تكتب كلماتها.. لم ينتبه لاختلاف خط الكتابة، لأن والدته كانت قد ماتت قبل أن تخطّ أية كلمة.. ماتت في اليوم الثالث لاعتقاله.

ليفانت – ماجد حبو

هو تواطأ مع ذاته بإخفاء أمر اعتقاله عن أمه.. وهي تواطأت مع الحياة بإخفاء موتها عنه. اثنا عشر عاماً ونبيل لا ينتظر زيارة والدته، والتي لن تأتي أبداً، وعندما أفرج عنه كانت والدته قد غادرت العالم دون أن يعلمه أحد بذلك، بل والأدهى من ذلك دون أن تعلم والدته بأنه كان معتقلاً بالأصل.

في سنته الجامعيّة الثانية بكلية الهندسة المعمارية بجامعة حلب، كان نبيل يتقن إلقاء النكات وتقليد كل اللهجات السورية بلكنته الديرية المحببة، وكانت سوريا يومها تحبس أنفاسها من الموت البطيء المبطن والمعلن.

ضمته زنازين الاعتقال مع الكثير من رفاقه، بينما كان النزاع المسلّح على أشده في شوارع العديد من المدن السورية في ثمانينات القرن الماضي. لم يدر بذهنه -كما الجميع- بأن الأمر سيكون على الشاكلة التي ستمضي بها الأحداث.

“سأجعلك عبرة للجميع، ستتعفن في السجن لمدة خمس سنوات”، كان ذلك سقف طموحات وتصورات رئيس الأمن السياسي وهو يهدده بما يفوق التوقع والاحتمال.

استقرّ ذهنه بعد جولات التعذيب والتحقيق، كما استقرّ به المطاف في المهجع التاسع مع بقية الرفاق، وقال لشقيقه الذي استطاع معرفه اعتقاله بعد عدة أشهر واستطاع زيارته: “لا تخبروا أمي”.

وأردف كمن تذكر أمراً جلياً وبديهياً: “اكتب لها رسائل باسمي من لبنان، فالأمر لن يطول. إنه الضغط والسكري لديها الذي يجب الانتباه إليه، لكنني أريد أن أبعث رسائل إليها لتطمئن روحي”.

نقاؤه وطيب سريرته -كالفرات- رتبت ملامحه السمراء كمن كان كذلك من قرون وأجيال، هدوؤه الطاغي وقلة كلامه تتنافر بقسوة وشراسة عندما يضحك بصخب وتكرار طفولي عفوي.

ومضت الأيام خلف الشهور والسنين ونبيل يعيد قراءة الرسائل الدورية التي كانت تصله من أمه، بينما سوريا في الخارج تضمد جراحاً لا تقبل الالتئام ولا توقف النزف.

ألم حاد وانزواء صارم -سبات غريزي- يكدر هدوء نبيل مع قدوم كل معتقل جديد، الأمر الذي يضفي الكثير من الفضول لما يحدث في “الخارج” مع الكثير من المرارة لنزيف يرفض التوقف، لكن في زاوية ما من حدقة العين يلمح المرء ومضة بريق خاطفة، مبتهجة ونزقة بأننا لسنا الوحيدين، لسنا الأخيرين، ثمة حمقى ومجانين مثلنا يفكرون وينتحرون علانية في وجه الديكتاتور.

سجون الأسد (أرشيف)

شقيقه الأكبر فقط من واظب على زيارته -كلما كانت الفرصة متاحة- وبصمته البدوي كان يسلم ورقه بدون مغلف للسجان الذي يحتفظ بها لليوم التالي لتصل بعدها إلى صدر نبيل قبل عينيه، يشتمها، يرسم صور الأحرف وشدة تركيز القلم على الورقة لتصور حالة أمه وهي تكتب كلماتها.. لم ينتبه لاختلاف خط الكتابة، لأن والدته كانت قد ماتت قبل أن تخطّ أية كلمة.. ماتت في اليوم الثالث لاعتقاله.

ليفانت – ماجد حبو

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit