عوامل تداعي الديمقراطيات في العالم الرأسمالي الحديث

كمال اللبواني
كمال اللبواني

لم تتطور النظم الديمقراطية في العالم الحديث من دون روافع اجتماعية اقتصادية، جعلت منها الحل الأفضل الذي يسمح بتطور وازدهار المجتمعات، وكما قال كارل ماركس فإن البنى التحتية (قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج) تؤثر بشكل حاسم على البنى الفوقية (النظم الاجتماعية السياسية)، فشيوع علاقة الإنتاج الرأسمالي وتقدم الصناعة هي من فرضت الحاجة لسوق رأسمالي قومي ثم عالمي، وهي من حطمت النظم الإقطاعية في الدول التي سارت في طريق التقدم الصناعي الحديث، فالثورة البرجوازية القومية هي تعبير مباشر عنها، وتشكل الدول الحديثة كان بنتيجة ارتباط التطور الاقتصادي بالتطور السياسي المناسب لنمو علاقة الإنتاج الرأسمالي وازدهارها وانتشارها.

نشأت الدولة الحديثة (دولة المواطنة والمجتمع المدني) بعيداً عن الروابط الأهلية الإقطاعية السابقة، وأدى صراع العمال مع طبقة البرجوازية المهيمنة على الدولة، لتطور نمط خاص من نظم الحكم هو النمط الديمقراطي، الذي ما كان ليقوم من دون بنية اجتماعية اقتصادية مناسبة (الثورة البرجوازية الرأسمالية). وهكذا سادت النظم الديمقراطية في العالم المتقدم طالما كانت تخدم الاستقرار والازدهار والتطور والنمو، وصار العالم المتطلع للحضارة يسعى لتقليد تلك الدول التي وصلت حد الرفاهية، وتعثر انتقال دول العالم المتأخر للديمقراطية بقدر تعثر تحولها لنمط الإنتاج الرأسمالي وبقدر تعثر نمو المجتمع المدني فيها، نتيجة التبادل غير المتكافئ بين دول العالم الأول ودول العالم الثاني والثالث، التي طورت وسائلها الخاصة للتحول الرأسمالي الصناعي (غالباً عبر رأسمالية الدولة الاحتكارية)، أقصد الاشتراكية والشيوعية، وهو ما رسخ الاستبداد وعممه بنتيجة حاجة هذه التشكيلات لسلطة مركزية تحتكر الاقتصاد وتهيمن على المجتمع والحريات بشكل صارم، وهو ما أنتج أنماطاً مشوهة مجرمة من نظم الحكم، انتهت لسيطرة عصابات تمتلك السلطة والمال وتستعبد الشعب، ومع ذلك نجحت جزئياً بالتحول لدول صناعية، بسبب حاجة دول العالم الأول للتوسّع وتصدير أزماتها، وبحثها عن العمالة الرخيصة والأسواق الجديدة.

وهكذا تطورت اقتصادات دول ذات نظم اشتراكية مافيوية استبدادية بفعل هجرة الصناعات الملوثة للبيئة، والتي تتطلب يداَ عاملة رخيصة، من الدول المتقدمة، وزاد من هروب الصناعات من دول العالم الأول لدول العالم الثاني نسبة الضرائب الكبيرة التي تفرضها نظم الرفاهية والخدمات الاجتماعية الموسّعة، التي بفضل الديمقراطية تقدم لكل فئات المجتمع الحديث الذي يستطيع فيه العمال وبقية طبقات المجتمع من ضبط الطبقة البرجوازية وتقييدها، واقتطاع قسم هام من أرباحها. رويداً رويداً، أدّى ذلك لتسارع نمو اقتصادات دول العالم الثاني ذات البنية الاستبدادية، وفقدت بشكل متزايد دول العالم الأول قاعدتها الاقتصادية القادرة على حفظ الاستقرار والرفاهية، وبدأت مسيرة العجز المتنامي عن تأمين لوازم بقائها، بينما نمت اقتصادات دول جديدة لا تعتمد الديمقراطية ولا تقدم لمجتمعاتها الرفاهية والضمانات المطلوبة، هنا أصبح التطور البرجوازي في دول العالم الثاني لا يعتمد على الديمقراطية، بل على نظم القمع والاستبداد.

هذا الافتراق بين البنى التحتية الاقتصادية والبنى الفوقية السياسية بدأ يهدّد بقاء الديمقراطية، وبقاء دول الرفاهية المتحضرة، أصبحت الديمقراطية تنتج سياسات اقتصادية تزيد من التدهور والنزيف الاقتصادي، وعندما وصلت دول العالم الثاني لمستوى القدرة على منافسة دول العالم الأول في الإنتاج، صارت تغرق الأسواق بسلع موازية أرخص تغزوا أسواق الدول المتقدمة ذاتها، وبالتالي سرّعت في انهيار اقتصادات دول العالم الأول، والتي أصبحت مضطرة لتغطية عجزها بالاستدانة وبالتضخم الذي وصل درجة تهدد كامل نظمها بالانهيار.
فدول العالم الأول اليوم هي أكثر الدول مديونية وعجزاً، وبشكل متفاقم، حتى بدأت أزمة الدول الديمقراطية بالتفجر على شكل أزمات سياسية بين ممثلين للبرجوازية يريدون تخفيض نسبة الخدمات الاجتماعية، ونسبة الضرائب (النيوليبرالية)، وبين بقية طبقات الشعب، وفشلت النيوليبرالية في فرض نفسها لأنها لا تحظى بشعبية، بسبب كون أغلب طبقات المجتمع متضررة منها، والتي ستهزم لا محالة في صندوق الاقتراع الديمقراطي، مع أنها الحل الوحيد الذي سيسمح لتلك الاقتصادات بتغيير مسار التدهور ووقف النزيف، وهكذا تضاربت مصالح البرجوازية مع الديمقراطية بشكل جذري، وأصبح على الدول أن تضحي بالديمقراطية كوسيلة وحيدة للحفاظ على درجة من التقدم الاقتصادي، وهنا تناقضت البنى الفوقية مع البنى التحتية، وأصبحت الديمقراطية نقيضاً للبرجوازية، وأصبح على المجتمعات الاختيار بين التقدم والازدهار المشروط بالتخلي عن الديمقراطية والتوازن بين الطبقات، وبين القبول بسياسات تقشفية والتحول التدريجي نحو الفقر بمقدار ضمور المصالح البرجوازية ونزيفها نحو دول الجنات الضريبية الاستبدادية والمافيوية التي لا ترى شعوبها إلا عبيداً سخرة.

هذا هو حال الصراع اليوم بين اقتصاد ونمط إنتاج نموذجه الصين، كنظام سياسي شمولي مافيوي، ومعه عدد كبير من نظم المافيات في العالم المتخلف، وبين الغرب الديمقراطي عموماً، والذي يبدو أن الصين تتجه للفوز به، وتقويض الديمقراطية في عموم العالم، إلا إذا استطاع العالم المتحضّر، التحالف مع شعوب دول العالم الثاني والثالث على منظومات قيم حضارية، ووضع أطر جديدة للاقتصاد المعولم متجاوزاً لنمط الإنتاج الرأسمالي الذي يحركه الربح فقط، وهذا يتطلب ثورة شعبية عالمية في وجه معظم النظم السائدة في الشرق والغرب معاً والمتجسدة في نظام العالم الذي تكون بنتيجة الحرب العالمية الثانية.

أزمة الديمقراطية كعلاقة سياسية فوقية بمنظومتها القيمية الحضارية المتعلقة بحقوق الإنسان، مرتبطة بأزمة البورجوازية كعلاقة إنتاج تحتية، والحل الحضاري لهذا التناقض يكون بتطوير علاقات الإنتاج ذاتها، أي علاقة الإنتاج الرأسمالي المتحرك بمنظومات الربح الحر والتنافس الوحشي، بمنظومة علاقات تقوم على الحرية المشروطة بالمسؤولية، وهو ما توقعه كارل ماركس قبل قرن ونصف من الزمن، عندما قال إن الرأسمالية ستصل إلى أزمة خانقة بنتيجة انسداد آفاقها، عندما تستكمل توسعها وتطغى على العالم، عندها ستنشأ علاقة إنتاج جديدة تخدم تقدم العالم وتمنع تدهوره، لأن التاريخ يسير نحو الأمام والأفضل.

كمال البواني

ليفانت – كمال اللبواني

لم تتطور النظم الديمقراطية في العالم الحديث من دون روافع اجتماعية اقتصادية، جعلت منها الحل الأفضل الذي يسمح بتطور وازدهار المجتمعات، وكما قال كارل ماركس فإن البنى التحتية (قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج) تؤثر بشكل حاسم على البنى الفوقية (النظم الاجتماعية السياسية)، فشيوع علاقة الإنتاج الرأسمالي وتقدم الصناعة هي من فرضت الحاجة لسوق رأسمالي قومي ثم عالمي، وهي من حطمت النظم الإقطاعية في الدول التي سارت في طريق التقدم الصناعي الحديث، فالثورة البرجوازية القومية هي تعبير مباشر عنها، وتشكل الدول الحديثة كان بنتيجة ارتباط التطور الاقتصادي بالتطور السياسي المناسب لنمو علاقة الإنتاج الرأسمالي وازدهارها وانتشارها.

نشأت الدولة الحديثة (دولة المواطنة والمجتمع المدني) بعيداً عن الروابط الأهلية الإقطاعية السابقة، وأدى صراع العمال مع طبقة البرجوازية المهيمنة على الدولة، لتطور نمط خاص من نظم الحكم هو النمط الديمقراطي، الذي ما كان ليقوم من دون بنية اجتماعية اقتصادية مناسبة (الثورة البرجوازية الرأسمالية). وهكذا سادت النظم الديمقراطية في العالم المتقدم طالما كانت تخدم الاستقرار والازدهار والتطور والنمو، وصار العالم المتطلع للحضارة يسعى لتقليد تلك الدول التي وصلت حد الرفاهية، وتعثر انتقال دول العالم المتأخر للديمقراطية بقدر تعثر تحولها لنمط الإنتاج الرأسمالي وبقدر تعثر نمو المجتمع المدني فيها، نتيجة التبادل غير المتكافئ بين دول العالم الأول ودول العالم الثاني والثالث، التي طورت وسائلها الخاصة للتحول الرأسمالي الصناعي (غالباً عبر رأسمالية الدولة الاحتكارية)، أقصد الاشتراكية والشيوعية، وهو ما رسخ الاستبداد وعممه بنتيجة حاجة هذه التشكيلات لسلطة مركزية تحتكر الاقتصاد وتهيمن على المجتمع والحريات بشكل صارم، وهو ما أنتج أنماطاً مشوهة مجرمة من نظم الحكم، انتهت لسيطرة عصابات تمتلك السلطة والمال وتستعبد الشعب، ومع ذلك نجحت جزئياً بالتحول لدول صناعية، بسبب حاجة دول العالم الأول للتوسّع وتصدير أزماتها، وبحثها عن العمالة الرخيصة والأسواق الجديدة.

وهكذا تطورت اقتصادات دول ذات نظم اشتراكية مافيوية استبدادية بفعل هجرة الصناعات الملوثة للبيئة، والتي تتطلب يداَ عاملة رخيصة، من الدول المتقدمة، وزاد من هروب الصناعات من دول العالم الأول لدول العالم الثاني نسبة الضرائب الكبيرة التي تفرضها نظم الرفاهية والخدمات الاجتماعية الموسّعة، التي بفضل الديمقراطية تقدم لكل فئات المجتمع الحديث الذي يستطيع فيه العمال وبقية طبقات المجتمع من ضبط الطبقة البرجوازية وتقييدها، واقتطاع قسم هام من أرباحها. رويداً رويداً، أدّى ذلك لتسارع نمو اقتصادات دول العالم الثاني ذات البنية الاستبدادية، وفقدت بشكل متزايد دول العالم الأول قاعدتها الاقتصادية القادرة على حفظ الاستقرار والرفاهية، وبدأت مسيرة العجز المتنامي عن تأمين لوازم بقائها، بينما نمت اقتصادات دول جديدة لا تعتمد الديمقراطية ولا تقدم لمجتمعاتها الرفاهية والضمانات المطلوبة، هنا أصبح التطور البرجوازي في دول العالم الثاني لا يعتمد على الديمقراطية، بل على نظم القمع والاستبداد.

هذا الافتراق بين البنى التحتية الاقتصادية والبنى الفوقية السياسية بدأ يهدّد بقاء الديمقراطية، وبقاء دول الرفاهية المتحضرة، أصبحت الديمقراطية تنتج سياسات اقتصادية تزيد من التدهور والنزيف الاقتصادي، وعندما وصلت دول العالم الثاني لمستوى القدرة على منافسة دول العالم الأول في الإنتاج، صارت تغرق الأسواق بسلع موازية أرخص تغزوا أسواق الدول المتقدمة ذاتها، وبالتالي سرّعت في انهيار اقتصادات دول العالم الأول، والتي أصبحت مضطرة لتغطية عجزها بالاستدانة وبالتضخم الذي وصل درجة تهدد كامل نظمها بالانهيار.
فدول العالم الأول اليوم هي أكثر الدول مديونية وعجزاً، وبشكل متفاقم، حتى بدأت أزمة الدول الديمقراطية بالتفجر على شكل أزمات سياسية بين ممثلين للبرجوازية يريدون تخفيض نسبة الخدمات الاجتماعية، ونسبة الضرائب (النيوليبرالية)، وبين بقية طبقات الشعب، وفشلت النيوليبرالية في فرض نفسها لأنها لا تحظى بشعبية، بسبب كون أغلب طبقات المجتمع متضررة منها، والتي ستهزم لا محالة في صندوق الاقتراع الديمقراطي، مع أنها الحل الوحيد الذي سيسمح لتلك الاقتصادات بتغيير مسار التدهور ووقف النزيف، وهكذا تضاربت مصالح البرجوازية مع الديمقراطية بشكل جذري، وأصبح على الدول أن تضحي بالديمقراطية كوسيلة وحيدة للحفاظ على درجة من التقدم الاقتصادي، وهنا تناقضت البنى الفوقية مع البنى التحتية، وأصبحت الديمقراطية نقيضاً للبرجوازية، وأصبح على المجتمعات الاختيار بين التقدم والازدهار المشروط بالتخلي عن الديمقراطية والتوازن بين الطبقات، وبين القبول بسياسات تقشفية والتحول التدريجي نحو الفقر بمقدار ضمور المصالح البرجوازية ونزيفها نحو دول الجنات الضريبية الاستبدادية والمافيوية التي لا ترى شعوبها إلا عبيداً سخرة.

هذا هو حال الصراع اليوم بين اقتصاد ونمط إنتاج نموذجه الصين، كنظام سياسي شمولي مافيوي، ومعه عدد كبير من نظم المافيات في العالم المتخلف، وبين الغرب الديمقراطي عموماً، والذي يبدو أن الصين تتجه للفوز به، وتقويض الديمقراطية في عموم العالم، إلا إذا استطاع العالم المتحضّر، التحالف مع شعوب دول العالم الثاني والثالث على منظومات قيم حضارية، ووضع أطر جديدة للاقتصاد المعولم متجاوزاً لنمط الإنتاج الرأسمالي الذي يحركه الربح فقط، وهذا يتطلب ثورة شعبية عالمية في وجه معظم النظم السائدة في الشرق والغرب معاً والمتجسدة في نظام العالم الذي تكون بنتيجة الحرب العالمية الثانية.

أزمة الديمقراطية كعلاقة سياسية فوقية بمنظومتها القيمية الحضارية المتعلقة بحقوق الإنسان، مرتبطة بأزمة البورجوازية كعلاقة إنتاج تحتية، والحل الحضاري لهذا التناقض يكون بتطوير علاقات الإنتاج ذاتها، أي علاقة الإنتاج الرأسمالي المتحرك بمنظومات الربح الحر والتنافس الوحشي، بمنظومة علاقات تقوم على الحرية المشروطة بالمسؤولية، وهو ما توقعه كارل ماركس قبل قرن ونصف من الزمن، عندما قال إن الرأسمالية ستصل إلى أزمة خانقة بنتيجة انسداد آفاقها، عندما تستكمل توسعها وتطغى على العالم، عندها ستنشأ علاقة إنتاج جديدة تخدم تقدم العالم وتمنع تدهوره، لأن التاريخ يسير نحو الأمام والأفضل.

كمال البواني

ليفانت – كمال اللبواني

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit