سوريا: بلد منتج لـ “الإعاقة”

هنادي زحلوط

ما زلت أتذكر بعض المناسبات التي حضرتها ما قبل العام ٢٠١١، لجمعيات ومؤسسات قليلة عنيت بموضوع الإعاقة في سوريا، جمعيات مغمورة لا يدري بها غالباً إلا ذوو المعاقين المسجلين فيها، ولا يحضرها سواهم، مناسبة للتوعية أو بثّ الهموم، أو ربما للشعور بالانتماء، وأنك محاط بأناس يفهمون صعوبة وضعك ويحسون بك، ويتشاركون معك المطالبة بالحلول.

فيما كانت مناسبات تقيمها الأمانة السورية للتنمية تحظى بكثير من الإعلان ووسائل الإعلام، لتسويق صورة “السيدة الأولى” كراعية لهؤلاء “الذين ليس لديهم أحد”! تجارة بهموم الناس ينتهي سوقها مع انتهاء الحدث المعلن عنه، ليعود بعدها المعاقون المدعوون باحتياجاتهم ذاتها إلى بيوتهم، التي لا يخرجون منها إلا نادراً، وتكون العزلة في صغرهم خيار ذويهم، لتصبح في كبرهم خيارهم لعيش حزنهم ورفضهم لهذا الواقع بعيداً عن عيون الناس.

رفضت الدولة السورية الاستجابة لأي من احتياجات المعوقين فيها، فلم تقدم لهم الرعاية الصحية المأمولة، وكان اندماجهم في التعليم والتأهيل وسوق العمل والحياة بوجه عام لا يخضع لأي برنامج وطني مخلص، ولطالما تعرض المعوقون في كثير من المؤسسات للتمييز السلبي وضاعت حقوقهم بل وتم تعنيفهم، رغم أن الاحتياجات أحياناً كانت بسيطة ولا تكلف ميزانية الدولة الكثير من الأموال، بل كانت ستدر على خزينة الدولة نتيجة تسهيل حركة المعوقين وتأهيلهم لينتقلوا من جانب الاستهلاك إلى جانب الإنتاج.

أما بعد عام 2011 فقد انتقلت سوريا من بلد مهمل لمعوقيه إلى بلد “منتج ومصدّر” للإعاقة، حرفياً، ونتيجة لعمليات القصف والتدمير الممنهج واستخدام السلاح الكيماوي، والتلوث الذي رافق كل العمليات الحربية التي قامت بها السلطة والأطراف المسلحة الأخرى، فقد أصبح ثلاثة ملايين من سكان سوريا معوقين، بين إعاقات دائمة وفاقدي أطراف، وأطفال ولدوا بتشوهات خلقية، وإعاقات أخرى ناجمة عن سوء الرعاية الصحية وعدم القدرة على الوصول إلى مقدمي الرعاية، وزاد من صعوبة الأمر الارتفاع الجنوني للأسعار بحيث أصبح إيجاد الدواء والتمكن من دفع ثمنه حلماً مضاعفاً ومركباً.

في جانب المعارضة، كان هنالك الكثير من المبادرات التي حاولت تغطية احتياجات المعوقين في مناطقها، وكثير منهم يعيشون في مخيمات وظروف عيش قاسية، لكن هذه الجمعيات والجهات كانت تفتقر إلى المصادر الكافية لتغطية الاحتياجات على الأرض.

في جانب النظام وفي مناطقه كان عدد من فقدوا أطرافهم وأصيبوا بإعاقات دائمة في تزايد يقارب سرعة متوالية هندسية، أنشأت السلطة دكاكينها الخاصة لهذه التجارة والدعاية تحت اسم “مراكز الأطراف الصناعية” ونظرياً صار يحق لكل فاقد أطراف طرف صناعي واحد.
عملياً كانت دعاية مجانية مجدداً للسيدة الأولى، راعية الإعاقة والمعوقين! فلوائح الانتظار كانت طويلة إلى الدرجة التي جعلت من الرشاوى قاعدة للحصول على طرف اصطناعي يجعل من المشي والاعتماد على الذات مرة أخرى حلماً ممكن التحقيق عوضاً عن أن يكون حقاً.

بالنسبة للجهات الدولية التي حاولت العمل على هذا الوضع، فإنها قررت المرور عبر بوابة النظام لتنفيذ برامجها على الأرض، وهذا ما حصل مع صندوق الأمم المتحدة للثقافة اليونيسكو الذي نفذ برنامج التحويل النقدي الموجه لأسر الأطفال ذوي الإعاقة في سوريا، والذي تقرر بموجبه منح ٤٠ دولار شهرياً لكل عائلة تضم طفلاً معوقاً من ذوي الإعاقات العقلية والتوحد والشلل الدماغي، فكان أن ألزم النظام صندوق الأمم المتحدة اليونيسكو بتحويل هذه المبالغ للعائلات ذوي الإعاقة عبر شركة “الهرم”، وهي شركة تحويل مالي تتبع لحيتان فساد النظام ذاته.

حالياً تشكل الإعاقة للنظام وأزلامه ” باب رزق” حيث تتم التجارة بالأطراف الصناعية وفتح باب الرشاوي لتقديم طرف اصطناعي أو لا، ولمحاصرة المراكز الخاصة المختصة بإنتاج الأطراف الصناعية، فهي أيضاً لا تستطيع العمل إلا بما تؤمر به، وليس بحسب احتياجات الناس، كما أنها مجبرة على التقيد بالسعر الذي تلزمها به هذه الجهات الحكومية التي ظاهرها جهات تهتم بذوي الإعاقة، أما وراء الستار فتقف سيدة القصر متحكمة بكل شيء.

وحتى وقت قريب، كانت جمعية “البستان الخيرية” التابعة لرامي مخلوف، ابن خال الأسد وأحد أزلام الفساد في البلاد، تقوم ببعض الدعاية من حين لآخر بتغطية تكاليف بعض العلاج والعمليات الجراحية، وأثناء الصراع الدائر مع “سيدة الياسمين” ابتلعت فيما ابتلعته من شركات وأموال منهوبة من قبل آل مخلوف، لتصبح هذه الجمعية فيما بعد “جمعية العرين” ولم يتغير في التجارة شيء سوى اسم المؤسسة والفاسد الذي وراءها.

يفتقد السوريون فيما يفتقدون إلى مؤسسة حقيقية تعنى بذوي الإعاقة وتهتم باحتياجاتهم وتضع خطط لإدماجهم وتفعيل دورهم، بل إن سوريا تعدّت هذا الواقع المر لتصبح بلداً يسهم في عرقلة أبنائه، وفي مقدمتهم “ذوو الإعاقة”.


ليفانت – هنادي زحلوط

ما زلت أتذكر بعض المناسبات التي حضرتها ما قبل العام ٢٠١١، لجمعيات ومؤسسات قليلة عنيت بموضوع الإعاقة في سوريا، جمعيات مغمورة لا يدري بها غالباً إلا ذوو المعاقين المسجلين فيها، ولا يحضرها سواهم، مناسبة للتوعية أو بثّ الهموم، أو ربما للشعور بالانتماء، وأنك محاط بأناس يفهمون صعوبة وضعك ويحسون بك، ويتشاركون معك المطالبة بالحلول.

فيما كانت مناسبات تقيمها الأمانة السورية للتنمية تحظى بكثير من الإعلان ووسائل الإعلام، لتسويق صورة “السيدة الأولى” كراعية لهؤلاء “الذين ليس لديهم أحد”! تجارة بهموم الناس ينتهي سوقها مع انتهاء الحدث المعلن عنه، ليعود بعدها المعاقون المدعوون باحتياجاتهم ذاتها إلى بيوتهم، التي لا يخرجون منها إلا نادراً، وتكون العزلة في صغرهم خيار ذويهم، لتصبح في كبرهم خيارهم لعيش حزنهم ورفضهم لهذا الواقع بعيداً عن عيون الناس.

رفضت الدولة السورية الاستجابة لأي من احتياجات المعوقين فيها، فلم تقدم لهم الرعاية الصحية المأمولة، وكان اندماجهم في التعليم والتأهيل وسوق العمل والحياة بوجه عام لا يخضع لأي برنامج وطني مخلص، ولطالما تعرض المعوقون في كثير من المؤسسات للتمييز السلبي وضاعت حقوقهم بل وتم تعنيفهم، رغم أن الاحتياجات أحياناً كانت بسيطة ولا تكلف ميزانية الدولة الكثير من الأموال، بل كانت ستدر على خزينة الدولة نتيجة تسهيل حركة المعوقين وتأهيلهم لينتقلوا من جانب الاستهلاك إلى جانب الإنتاج.

أما بعد عام 2011 فقد انتقلت سوريا من بلد مهمل لمعوقيه إلى بلد “منتج ومصدّر” للإعاقة، حرفياً، ونتيجة لعمليات القصف والتدمير الممنهج واستخدام السلاح الكيماوي، والتلوث الذي رافق كل العمليات الحربية التي قامت بها السلطة والأطراف المسلحة الأخرى، فقد أصبح ثلاثة ملايين من سكان سوريا معوقين، بين إعاقات دائمة وفاقدي أطراف، وأطفال ولدوا بتشوهات خلقية، وإعاقات أخرى ناجمة عن سوء الرعاية الصحية وعدم القدرة على الوصول إلى مقدمي الرعاية، وزاد من صعوبة الأمر الارتفاع الجنوني للأسعار بحيث أصبح إيجاد الدواء والتمكن من دفع ثمنه حلماً مضاعفاً ومركباً.

في جانب المعارضة، كان هنالك الكثير من المبادرات التي حاولت تغطية احتياجات المعوقين في مناطقها، وكثير منهم يعيشون في مخيمات وظروف عيش قاسية، لكن هذه الجمعيات والجهات كانت تفتقر إلى المصادر الكافية لتغطية الاحتياجات على الأرض.

في جانب النظام وفي مناطقه كان عدد من فقدوا أطرافهم وأصيبوا بإعاقات دائمة في تزايد يقارب سرعة متوالية هندسية، أنشأت السلطة دكاكينها الخاصة لهذه التجارة والدعاية تحت اسم “مراكز الأطراف الصناعية” ونظرياً صار يحق لكل فاقد أطراف طرف صناعي واحد.
عملياً كانت دعاية مجانية مجدداً للسيدة الأولى، راعية الإعاقة والمعوقين! فلوائح الانتظار كانت طويلة إلى الدرجة التي جعلت من الرشاوى قاعدة للحصول على طرف اصطناعي يجعل من المشي والاعتماد على الذات مرة أخرى حلماً ممكن التحقيق عوضاً عن أن يكون حقاً.

بالنسبة للجهات الدولية التي حاولت العمل على هذا الوضع، فإنها قررت المرور عبر بوابة النظام لتنفيذ برامجها على الأرض، وهذا ما حصل مع صندوق الأمم المتحدة للثقافة اليونيسكو الذي نفذ برنامج التحويل النقدي الموجه لأسر الأطفال ذوي الإعاقة في سوريا، والذي تقرر بموجبه منح ٤٠ دولار شهرياً لكل عائلة تضم طفلاً معوقاً من ذوي الإعاقات العقلية والتوحد والشلل الدماغي، فكان أن ألزم النظام صندوق الأمم المتحدة اليونيسكو بتحويل هذه المبالغ للعائلات ذوي الإعاقة عبر شركة “الهرم”، وهي شركة تحويل مالي تتبع لحيتان فساد النظام ذاته.

حالياً تشكل الإعاقة للنظام وأزلامه ” باب رزق” حيث تتم التجارة بالأطراف الصناعية وفتح باب الرشاوي لتقديم طرف اصطناعي أو لا، ولمحاصرة المراكز الخاصة المختصة بإنتاج الأطراف الصناعية، فهي أيضاً لا تستطيع العمل إلا بما تؤمر به، وليس بحسب احتياجات الناس، كما أنها مجبرة على التقيد بالسعر الذي تلزمها به هذه الجهات الحكومية التي ظاهرها جهات تهتم بذوي الإعاقة، أما وراء الستار فتقف سيدة القصر متحكمة بكل شيء.

وحتى وقت قريب، كانت جمعية “البستان الخيرية” التابعة لرامي مخلوف، ابن خال الأسد وأحد أزلام الفساد في البلاد، تقوم ببعض الدعاية من حين لآخر بتغطية تكاليف بعض العلاج والعمليات الجراحية، وأثناء الصراع الدائر مع “سيدة الياسمين” ابتلعت فيما ابتلعته من شركات وأموال منهوبة من قبل آل مخلوف، لتصبح هذه الجمعية فيما بعد “جمعية العرين” ولم يتغير في التجارة شيء سوى اسم المؤسسة والفاسد الذي وراءها.

يفتقد السوريون فيما يفتقدون إلى مؤسسة حقيقية تعنى بذوي الإعاقة وتهتم باحتياجاتهم وتضع خطط لإدماجهم وتفعيل دورهم، بل إن سوريا تعدّت هذا الواقع المر لتصبح بلداً يسهم في عرقلة أبنائه، وفي مقدمتهم “ذوو الإعاقة”.


ليفانت – هنادي زحلوط

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit