دقة كعب

دقة كعب

لم يكن نوار قد بلغ 55 يوماً من العمر عندما اقتحمت دورية مسلحة من الأمن السياسي الشقة التي كنّا نختبئ بها أنا والرفيق هشام بعد إفشاء سرّها من قبل أحد المتخاذلين من الرفاق، وما كان أقلهم أو ربما أكثرهم.


كانت المرة الأولى عندما ربطت حبل السرة لوليدي نوار قبل أن أراه للمرة ما قبل الأخيرة يوم اختلفت وسناء حول تسميته نوار.. أصريت على ذلك، هكذا يعرفني الجميع. أما هي فقالت: “أريده باسم.. هذا ما حلمت به طويلاً”.

واستقر الأمر على أن يستمر كل منّا على تسميته لحين تسجيل زواجنا أولاً وبعدها تسجيل المولود، وهو ما سيكون عليه الأمر بعد سنوات ولكن بكنية أخرى، واسم أب آخر.

في سنواتي الثلاث الأولى في زنزانتي المنفردة “متران طولاً ومتر ونصف متر عرضاً” كانت الصورة الوحيدة التي حفظتها ذاكرتي عن نوار لحظه ولادته: العيون المفتوحة الهادئة والمسالمة، وأصابعه الرقيقة المضمومة، وهي ما سأحمله بقية حياتي.

سجون الأسد (أرشيف)
سجون الأسد (أرشيف)

هواء الزنزانة المخنوق وجدرانها الصلدة لم يمنعاني من استحضار كل حياتي ووجوه أحبتي والأماكن: كف أبي المعرّق، وجه أمي، جديلة سناء، شجرة الكينا، ضفاف بردى، وجوه الرفاق وشمس دمشق.

كانت سوريا يومها تعجّ بالصخب ووجوه الزائرين والمعجبين “بهافانا الشرق”، كما كان يحلو لصديقي الموريتاني تسميتها: “عليك النظر إلى الأمر من زاوية السياسة الخارجية لسوريا ودورها الداعم لحركات التحرر الوطني في الكثير من البلدان، بغض النظر عما يحلو لكم –أنتم- أيها السوريون بالحلم، أنتم ملائكة بلبوس ثوار”.

فتح باب الزنزانة خارج التوقيت المعتاد وأطل وجه السجان بنصف إضاءة: “ارتدِ ثيابك، لديك زيارة”، قالها بلهجته البدوية التي كنت أحبها فيما مضى.

همهمت لنفسي: “ما زلت على قيد وسجلات الحياة، إنها سناء ولا بد.. إنني موجود وحي”.

كانت الصالة مضاءة أكثر مما اعتادت عيناي، وفسيحة أكثر مما أتحمل، والحضور عديد، مما أربكني وأفقدني القدرة على التركيز. الهمهمات والهمس ودعوات الرجاء والتوسل أفزعتني وأدرت برأسي، فأغمضت عيناي بجهد مقصود لتوقظني أصابع تتحرك فوق كتفي.
هي ذات العينين المفتوحة والهادئة والمسالمة. كان رأس نوار يرتمي بسخاء على صدر سناء، وكان صدر سناء أكثر نضارة من تحت القميص الأبيض وأكثر شهوانية. اختفت جديلة سناء ليحل مكانها رأس ملقى بإهمال على كتفين مهزومتين، وعدة شعرات بيضاء تلمع في فروة الرأس.

قلت لها: اشتقت لك. وفي اللحظة التي حاولت أن أمد لأقبض عل يدها، تلاقت ست عيون: السجان، سناء وأنا، لتعيد تعريفي بالمكان الذي نحن فيه.

قالت سناء: “لست زوجتك هنا، أنا ابنة عمتك.. ثم لا تنسَ بأننا لم نسجل زواجنا بعد”. فقبل أكثر من خمس سنوات، وفي ليلة ماطرة، كان هشام قد أحضر الشيخ لكتابة عقد زواجنا الذي لم يرَ النور مطلقاً. وأردفت سناء: “عملت المستحيل للوصول إلى هنا، لابد من خروجك”.
لم أعِ ما قالته من كلمات، ولو أنني تذكرت ولعدة مرات وجه الضابط المحقق وهو يلوّح بورقة مكتوبة أمام عيني: “عليك أن توقع هذة الوثيقة كي نخرجك من هنا”.

ساد الصمت الثقيل، ودارت العيون تبحث عن ركن هادئ لتستقر عليه، بينما الذهن يدور بسرعة محرك نفاث للخروج من دوامة الصمت التي أحسستها دهراً. صوت بعيد يرتجّ في أذني، ونظرات قلقة مشوشة، كانت القدم اليمنى لسناء ترتفع بكاحلها عن الأرض وترتكز على مشط القدم لتعود ثانية مع صوت منتظم، رتيب، وغامض.. دقة كعب.

ماجد حبو

لم يكن نوار قد بلغ 55 يوماً من العمر عندما اقتحمت دورية مسلحة من الأمن السياسي الشقة التي كنّا نختبئ بها أنا والرفيق هشام بعد إفشاء سرّها من قبل أحد المتخاذلين من الرفاق، وما كان أقلهم أو ربما أكثرهم.


كانت المرة الأولى عندما ربطت حبل السرة لوليدي نوار قبل أن أراه للمرة ما قبل الأخيرة يوم اختلفت وسناء حول تسميته نوار.. أصريت على ذلك، هكذا يعرفني الجميع. أما هي فقالت: “أريده باسم.. هذا ما حلمت به طويلاً”.

واستقر الأمر على أن يستمر كل منّا على تسميته لحين تسجيل زواجنا أولاً وبعدها تسجيل المولود، وهو ما سيكون عليه الأمر بعد سنوات ولكن بكنية أخرى، واسم أب آخر.

في سنواتي الثلاث الأولى في زنزانتي المنفردة “متران طولاً ومتر ونصف متر عرضاً” كانت الصورة الوحيدة التي حفظتها ذاكرتي عن نوار لحظه ولادته: العيون المفتوحة الهادئة والمسالمة، وأصابعه الرقيقة المضمومة، وهي ما سأحمله بقية حياتي.

سجون الأسد (أرشيف)
سجون الأسد (أرشيف)

هواء الزنزانة المخنوق وجدرانها الصلدة لم يمنعاني من استحضار كل حياتي ووجوه أحبتي والأماكن: كف أبي المعرّق، وجه أمي، جديلة سناء، شجرة الكينا، ضفاف بردى، وجوه الرفاق وشمس دمشق.

كانت سوريا يومها تعجّ بالصخب ووجوه الزائرين والمعجبين “بهافانا الشرق”، كما كان يحلو لصديقي الموريتاني تسميتها: “عليك النظر إلى الأمر من زاوية السياسة الخارجية لسوريا ودورها الداعم لحركات التحرر الوطني في الكثير من البلدان، بغض النظر عما يحلو لكم –أنتم- أيها السوريون بالحلم، أنتم ملائكة بلبوس ثوار”.

فتح باب الزنزانة خارج التوقيت المعتاد وأطل وجه السجان بنصف إضاءة: “ارتدِ ثيابك، لديك زيارة”، قالها بلهجته البدوية التي كنت أحبها فيما مضى.

همهمت لنفسي: “ما زلت على قيد وسجلات الحياة، إنها سناء ولا بد.. إنني موجود وحي”.

كانت الصالة مضاءة أكثر مما اعتادت عيناي، وفسيحة أكثر مما أتحمل، والحضور عديد، مما أربكني وأفقدني القدرة على التركيز. الهمهمات والهمس ودعوات الرجاء والتوسل أفزعتني وأدرت برأسي، فأغمضت عيناي بجهد مقصود لتوقظني أصابع تتحرك فوق كتفي.
هي ذات العينين المفتوحة والهادئة والمسالمة. كان رأس نوار يرتمي بسخاء على صدر سناء، وكان صدر سناء أكثر نضارة من تحت القميص الأبيض وأكثر شهوانية. اختفت جديلة سناء ليحل مكانها رأس ملقى بإهمال على كتفين مهزومتين، وعدة شعرات بيضاء تلمع في فروة الرأس.

قلت لها: اشتقت لك. وفي اللحظة التي حاولت أن أمد لأقبض عل يدها، تلاقت ست عيون: السجان، سناء وأنا، لتعيد تعريفي بالمكان الذي نحن فيه.

قالت سناء: “لست زوجتك هنا، أنا ابنة عمتك.. ثم لا تنسَ بأننا لم نسجل زواجنا بعد”. فقبل أكثر من خمس سنوات، وفي ليلة ماطرة، كان هشام قد أحضر الشيخ لكتابة عقد زواجنا الذي لم يرَ النور مطلقاً. وأردفت سناء: “عملت المستحيل للوصول إلى هنا، لابد من خروجك”.
لم أعِ ما قالته من كلمات، ولو أنني تذكرت ولعدة مرات وجه الضابط المحقق وهو يلوّح بورقة مكتوبة أمام عيني: “عليك أن توقع هذة الوثيقة كي نخرجك من هنا”.

ساد الصمت الثقيل، ودارت العيون تبحث عن ركن هادئ لتستقر عليه، بينما الذهن يدور بسرعة محرك نفاث للخروج من دوامة الصمت التي أحسستها دهراً. صوت بعيد يرتجّ في أذني، ونظرات قلقة مشوشة، كانت القدم اليمنى لسناء ترتفع بكاحلها عن الأرض وترتكز على مشط القدم لتعود ثانية مع صوت منتظم، رتيب، وغامض.. دقة كعب.

ماجد حبو

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit