وثائق باندورا من منظور أنتروبولوجي

أليخاندرو رويلاس
أليخاندرو رويلاس

علمنا من عديد من وسائل الإعلام هذا الأسبوع أن أفراداً من العائلة المالكة القطرية تهربوا من دفع ضرائب بملايين الجنيهات الإسترلينية في صفقة لشراء عقارَين فاخرَين في لندن، إلا أن بي بي سي نيوز العربية، وغيرها من وسائل الإعلام، قالت إنه “لا يوجد ما يشير إلى أن العائلة المالكة القطرية أو بائعَي العقارَين قد تصرفوا بشكل غير قانوني”.

هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها نشر فضائح كهذه للعلن، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة.

حصل نفس الشيء منذ عدة سنوات حين تم نشر وثائق بَنَما.

في كل مرة يحدث شيء كهذا، يزداد إيمان الكثير من الناس أن البشر كائنات غير خيّرة، وبالتالي يزداد نفورهم من البشر، إلا أن البعض يرى أن السرقة هي مسألة انتهاز فرص. ويقول فرَنسيس بَيكن “الفرصة تصنع اللص”، ومن اللافت أن مجلة Crime Science لم تكن تعتبر انتهاز الفرص دافعاً لارتكاب الجريمة في عام 1976، ولكن بعد 22 عاماً اعتبرته كذلك.

إلا أنني لا أؤمن بدقة هذا الادعاء، لأنه يرى أن انتهاز الفرص هو الدافع وراء ارتكاب الجريمة لكن إذا اعتبرنا أن الإنسان جزءاً من الطبيعة، فيمكننا حينئذ أن نتبنى أحد مبادئ نظرية الفوضى ألا وهي أن “الحياة في النهاية ستجد طريقها إلى الاستقرار”، وكما قال ديكارت في كتابه “مقال عن المنهج”، إن البشر موجودون لأنهم يفكرون والتفكير سيخلق دائماً فرصاً جديدة وأكثر تعقيداً لارتكاب الجريمة.

إذً الإنسان هو من يخلق الفرص. وعليه، أود أن أتناول قضية وثائق باندورا من منظور مختلف.

بالتعمق في تسريبات 14 مصدراً، وعملِ أكثر من 600 صحفي، نجد قاسماً مشتركاً ملفتاً للغاية في كل من وردت أسماؤهم وهو أنهم من بلدان ذات اقتصاد رأسمالي واضح، ومن الجلي أن تلك البلدان كانت أكثر استقراراً من باقي دول العالم، ويشعر أثرياء العالم بأمان أكثر على ثرواتهم في تلك البلدان.

منذ عدة سنوات، كنت في اجتماع في عَمّان مع الرئيس التنفيذي لصندوق الأسهم الخاصة في الأردن، ومع أحد كبار رجال الأعمال العراقيين. عند تقديمي قالوا إنني أعيش في ميامي، ثم قال لي رجل الأعمال العراقي بفخر كبير: “عائلتي أيضاً تعيش في كوكونت غروف”، يبدو أنه يشعر بأمان وثقة أكبر أن عائلته (حيث أعماله أيضاً) تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية.

لماذا البلدان الرأسمالية أو البلدان ذات الطابع الاقتصادي الواضح أكثر استقراراً؟ دعونا ننتقل إلى جذور الفلسفة الاقتصادية التي حددها أبو الاقتصاد، آدم سميث، في القرن الثامن عشر، الذي لم يكن في الواقع خبيراً اقتصادياً، بل كان من أتباع الفلسفة الأخلاقية.

يصف بعض الباحثين سميث بأنه “الشاب” و”العجوز” في آن. سميث الشاب الأخلاقي نشرَ هدفه من الحياة في أهم أعماله “بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم”. إلا أن سميث العجوز وصل (كما وصل كثيرون غيره في سن الشيخوخة) إلى استنتاج أن البشر أنانيون بالفطرة. عدد قليل من رجال العلم والفلسفة لم يصبحوا ميسانثروبيين (أي ينفرون من البشر).

نجد أحد رواد الفلسفة السياسية، توماس هوبز، في كتابه ليفِيالتان Leviathan، الذي بُنِيَت عليه معظم الأنظمة السياسية الحديثة، يقتبس المثل اللاتيني “الإنسان للإنسان ذئب”.

من الواضح أن الفلسفات الاقتصادية والسياسية تتشارك تشاؤماً عميقاً تجاه الطبيعة البشرية.

تدرك وتقرّ النظم الاقتصادية الرأسمالية بأنانية الإنسان التي هي طبعاً ما تجعل الأنظمة الاقتصادية تستمر بالعمل.

كما يقول الخبير الاقتصادي، آدم سميث، منذ ما يقارب ثلاثة قرون، إن ما يجعل المجتمعات تعمل بنجاح هو أن الإنسان كائن أناني بالفطرة.

يمكن تفسير هذه السمة المميزة (الأنانية) للنظام الاقتصادي باستخدام نظرية “معضلة السجينَين” التي أظهر فيها عالم الرياضيات جون ناش (الحائز على جائزة نوبيل في الاقتصاد عام 1994)، أن اللاتعاونية بين الأفراد هي بالضبط ما يخلق توازناً اقتصادياً. ففي النظرية تعدّ إمكانية الحصول على عقوبة مخففة حافزاً قوياً للسجين لدرجة أن خيانة شريكه في الجريمة (الخيار الأكثر أنانية) يصبح أفضل خيار له.

إن الأنانية (التي تطرحها الفلسفة الاقتصادية)، وليفيِاتان (الإنسان للإنسان ذئب في الفلسفة السياسية) هما أساس تلك الأسواق التي تم فيها صناعة وشراء معظم الأصول والعقارات في وثائق باندورا.

النظام الاقتصادي نفسه يشجع ويدعم الانتهازية التي نستشعرها بوضوح في وثائق باندورا. هذه الانتهازية ستبقى موجودة دائماً، لكنها بالتأكيد ستصبح أكثر تعقيداً وذكاء.

وحدهم فقراء المنظور التاريخي ومنعدموه لديهم ذلك التفاؤل الطوباوي في خلق عالم خال من هذا النوع من السلوك.

نبذة عن الكاتب:

أليخاندرو رويلاس-كوسّي، أستاذ في كلية الاقتصاد وإدراة الأعمال بجامعة نَفَارّا، وعمل كأستاذ في كلية إدارة الأعمال بجامعة ميامي وكأستاذ باحث في كلية إدارة الأعمال ومركز العولمة في جامعة نيويورك ستيرن.

قدم استشارات لعدد من الشركات الكبرى في العالم مثل سوني ومايكروسوفت وآي بي إم وBoston Scientific وآبوت و فِلِبس وغيرها. قبل دخوله المجال التعليمي، كان مديراً تنفيذياً أولاً في سيميكس وفي دير آند كومباني. كما شغل لعدة سنوات منصب المدير العام المؤسس لـمعهد أوركيسترا الباسكي للتنافسية في إسبانيا.

حاصل على درجة الدكتوراة في الاستراتيجية من جامعة نورث كارولينا – تشابل هيل، وماجستير في إدارة التكنولوجيا من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

أليخاندرو رويلاس

ليفانت – أليخاندرو رويلاس

علمنا من عديد من وسائل الإعلام هذا الأسبوع أن أفراداً من العائلة المالكة القطرية تهربوا من دفع ضرائب بملايين الجنيهات الإسترلينية في صفقة لشراء عقارَين فاخرَين في لندن، إلا أن بي بي سي نيوز العربية، وغيرها من وسائل الإعلام، قالت إنه “لا يوجد ما يشير إلى أن العائلة المالكة القطرية أو بائعَي العقارَين قد تصرفوا بشكل غير قانوني”.

هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها نشر فضائح كهذه للعلن، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة.

حصل نفس الشيء منذ عدة سنوات حين تم نشر وثائق بَنَما.

في كل مرة يحدث شيء كهذا، يزداد إيمان الكثير من الناس أن البشر كائنات غير خيّرة، وبالتالي يزداد نفورهم من البشر، إلا أن البعض يرى أن السرقة هي مسألة انتهاز فرص. ويقول فرَنسيس بَيكن “الفرصة تصنع اللص”، ومن اللافت أن مجلة Crime Science لم تكن تعتبر انتهاز الفرص دافعاً لارتكاب الجريمة في عام 1976، ولكن بعد 22 عاماً اعتبرته كذلك.

إلا أنني لا أؤمن بدقة هذا الادعاء، لأنه يرى أن انتهاز الفرص هو الدافع وراء ارتكاب الجريمة لكن إذا اعتبرنا أن الإنسان جزءاً من الطبيعة، فيمكننا حينئذ أن نتبنى أحد مبادئ نظرية الفوضى ألا وهي أن “الحياة في النهاية ستجد طريقها إلى الاستقرار”، وكما قال ديكارت في كتابه “مقال عن المنهج”، إن البشر موجودون لأنهم يفكرون والتفكير سيخلق دائماً فرصاً جديدة وأكثر تعقيداً لارتكاب الجريمة.

إذً الإنسان هو من يخلق الفرص. وعليه، أود أن أتناول قضية وثائق باندورا من منظور مختلف.

بالتعمق في تسريبات 14 مصدراً، وعملِ أكثر من 600 صحفي، نجد قاسماً مشتركاً ملفتاً للغاية في كل من وردت أسماؤهم وهو أنهم من بلدان ذات اقتصاد رأسمالي واضح، ومن الجلي أن تلك البلدان كانت أكثر استقراراً من باقي دول العالم، ويشعر أثرياء العالم بأمان أكثر على ثرواتهم في تلك البلدان.

منذ عدة سنوات، كنت في اجتماع في عَمّان مع الرئيس التنفيذي لصندوق الأسهم الخاصة في الأردن، ومع أحد كبار رجال الأعمال العراقيين. عند تقديمي قالوا إنني أعيش في ميامي، ثم قال لي رجل الأعمال العراقي بفخر كبير: “عائلتي أيضاً تعيش في كوكونت غروف”، يبدو أنه يشعر بأمان وثقة أكبر أن عائلته (حيث أعماله أيضاً) تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية.

لماذا البلدان الرأسمالية أو البلدان ذات الطابع الاقتصادي الواضح أكثر استقراراً؟ دعونا ننتقل إلى جذور الفلسفة الاقتصادية التي حددها أبو الاقتصاد، آدم سميث، في القرن الثامن عشر، الذي لم يكن في الواقع خبيراً اقتصادياً، بل كان من أتباع الفلسفة الأخلاقية.

يصف بعض الباحثين سميث بأنه “الشاب” و”العجوز” في آن. سميث الشاب الأخلاقي نشرَ هدفه من الحياة في أهم أعماله “بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم”. إلا أن سميث العجوز وصل (كما وصل كثيرون غيره في سن الشيخوخة) إلى استنتاج أن البشر أنانيون بالفطرة. عدد قليل من رجال العلم والفلسفة لم يصبحوا ميسانثروبيين (أي ينفرون من البشر).

نجد أحد رواد الفلسفة السياسية، توماس هوبز، في كتابه ليفِيالتان Leviathan، الذي بُنِيَت عليه معظم الأنظمة السياسية الحديثة، يقتبس المثل اللاتيني “الإنسان للإنسان ذئب”.

من الواضح أن الفلسفات الاقتصادية والسياسية تتشارك تشاؤماً عميقاً تجاه الطبيعة البشرية.

تدرك وتقرّ النظم الاقتصادية الرأسمالية بأنانية الإنسان التي هي طبعاً ما تجعل الأنظمة الاقتصادية تستمر بالعمل.

كما يقول الخبير الاقتصادي، آدم سميث، منذ ما يقارب ثلاثة قرون، إن ما يجعل المجتمعات تعمل بنجاح هو أن الإنسان كائن أناني بالفطرة.

يمكن تفسير هذه السمة المميزة (الأنانية) للنظام الاقتصادي باستخدام نظرية “معضلة السجينَين” التي أظهر فيها عالم الرياضيات جون ناش (الحائز على جائزة نوبيل في الاقتصاد عام 1994)، أن اللاتعاونية بين الأفراد هي بالضبط ما يخلق توازناً اقتصادياً. ففي النظرية تعدّ إمكانية الحصول على عقوبة مخففة حافزاً قوياً للسجين لدرجة أن خيانة شريكه في الجريمة (الخيار الأكثر أنانية) يصبح أفضل خيار له.

إن الأنانية (التي تطرحها الفلسفة الاقتصادية)، وليفيِاتان (الإنسان للإنسان ذئب في الفلسفة السياسية) هما أساس تلك الأسواق التي تم فيها صناعة وشراء معظم الأصول والعقارات في وثائق باندورا.

النظام الاقتصادي نفسه يشجع ويدعم الانتهازية التي نستشعرها بوضوح في وثائق باندورا. هذه الانتهازية ستبقى موجودة دائماً، لكنها بالتأكيد ستصبح أكثر تعقيداً وذكاء.

وحدهم فقراء المنظور التاريخي ومنعدموه لديهم ذلك التفاؤل الطوباوي في خلق عالم خال من هذا النوع من السلوك.

نبذة عن الكاتب:

أليخاندرو رويلاس-كوسّي، أستاذ في كلية الاقتصاد وإدراة الأعمال بجامعة نَفَارّا، وعمل كأستاذ في كلية إدارة الأعمال بجامعة ميامي وكأستاذ باحث في كلية إدارة الأعمال ومركز العولمة في جامعة نيويورك ستيرن.

قدم استشارات لعدد من الشركات الكبرى في العالم مثل سوني ومايكروسوفت وآي بي إم وBoston Scientific وآبوت و فِلِبس وغيرها. قبل دخوله المجال التعليمي، كان مديراً تنفيذياً أولاً في سيميكس وفي دير آند كومباني. كما شغل لعدة سنوات منصب المدير العام المؤسس لـمعهد أوركيسترا الباسكي للتنافسية في إسبانيا.

حاصل على درجة الدكتوراة في الاستراتيجية من جامعة نورث كارولينا – تشابل هيل، وماجستير في إدارة التكنولوجيا من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

أليخاندرو رويلاس

ليفانت – أليخاندرو رويلاس

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit