هل أصبحت سوريا جاهزة للحلّ السياسي؟

عبد الوهاب أحمد

يوحي جانب من المشهد، أنّ القوى الدولية المتصارعة على سوريا تتجه نحو توافقات أكثر استقراراً وديمومة، بعد تسويات وخفض التصعيد في مناطق سورية عدة، استقرّ تدحرجها في بقعتين متصلتين جغرافياً هما: الشمال السوري (إدلب) وشرق الفرات.

ولأهمية هاتين المنطقتين جيوسياسياً، استحوذتا على قدر كبير من الأهمية في لقاءات وحوارات عدة عقدت مؤخراً على مستوى رؤساء الدول المعنية (أمريكا – روسيا – تركيا) وإداراتهم للتوافق على تسوية ما في تلك المناطق، إلا أن الاتفاقيات النهائية لا تبدو وجيزة، قبل أن يتم التوصّل إلى تسوية ملف جبهة النصرة والجماعات المسلحة الأخرى في الشمال السوري، المدعومة تركياً بقوة، مقابل الإصرار الروسي على حلّها عسكرياً، وملف حزب العمال الكوردستاني وإدارته الذاتية في شرق الفرات، إذ ترفض تركيا وجودهم على حدودها الجنوبية، بغضّ النظر عن المسميات المختلفة.

في إدلب، تبدو كل من تركيا وروسيا في طريقهما نحو تسوية ملف جبهة النصرة من خلال حلّها أو دمج عناصرها في تشكيل عسكري جديد قد تنحصر مهامه في تسيير المنطقة إدارياً، أو القضاء عليهم عسكرياً، إذا لم تلتزم تركيا بتعهداتها السابقة أمام روسيا بهذا الخصوص، أما في شرق الفرات، ما زالت الرغبة التركية في حسم هذا الملف عسكرياً، والطموح الروسي في إعادة سيطرة النظام على كامل الجغرافية السورية؛ تصطدمان بالموقف الأمريكي المستقر حتى الآن في دعم واستقرار المنطقة بهدف “محاربة داعش والوقوف في وجه التمدد الإيراني”. لكن، مشاهد صور آخر طائرة أمريكية أقلعت من مطار كابول أرعبت حليفه العسكري -قوات سوريا الديمقراطية (قسد)- وأجبرته على النهوض باحثاً عن مخرج قد يكون الأخير.

ومن جانب آخر، أوقدت هذه المشاهد الأمل لدى موسكو وأنقرة في إحياء تفاهماتهما السابقة أو تفعيل اتفاق “أضنة” مجدداً واقتناص أي قرار مشابه قد تتخذه واشنطن بالنسبة لوضعها في شرق الفرات، خاصة وأنّها شجعت مراراً، وعلى لسان كبير مسؤوليها، قادة مجلس سوريا الديمقراطي (مسد) وقسد للتفاوض مع دمشق حول إدارة شمال شرق سوريا.

لم يتجاهل قادة حزب الاتحاد الديمقراطي هذا الطلب الأمريكي المتكرر، والذي تزامن مع دعوات موسكو الدائمة في هذا الاتجاه، دون أن تلزم الأخيرة نفسها برعاية هذه المفاوضات أو تُقدّم ضمانات تجذب مسد أكثر نحو دمشق. لتاريخه، لا يملك حزب الاتحاد الديمقراطي حرية اختيار مسار معين والمضي فيه حتى النهاية، وغالباً ما توقف أو تعثّر فيها لاعتبارات إقليمية أو دولية، فلا طريق دمشق معبد للحصول على ما يريد، والذي إن تم؛ سينقذه من جملة مسائل داخلية باتت تشكل تهديداً لمصيره، ولا تغيير مرتقب في سياسة أنقرة تجاهه للقبول به ضمن مشروع سياسي متكامل (كما طرحه رياض دردار أحد قادة مسد)، يمتدّ من إدلب حتى ديريك يكون فيها شريكاً جنباً إلى جنب مع المعارضة السورية السياسية والعسكرية، ومن جهة أخرى يواجه ضغوطات أمريكية متزايدة لدفعه للقبول بشراكة حقيقية مع المجلس الوطني الكردي والمكونات السياسية الأخرى في المنطقة، وهو الخيار الأكثر قساوة بالنسبة له حتى الآن.

يدرك حزب الاتحاد الديمقراطي أن ما حققه على الأرض لا يتعدّى كونه حالة إدارية – عسكرية مؤقتة، وهي مهددة بالتلاشي في أية لحظة، خاصة بعد تعرّض تجربة إدارته الذاتية لامتحان المصداقية مع حلفائه العسكريين، وما زالت تجربة عفرين وسري كانيه وكري سبي شاهدة على ذلك، ولطالما تؤكد الجهات الدولية الرئيسة (الولايات المتحدة الأمريكية – روسيا) على تمسكها بالحل السياسي، وأن إنهاء الأزمة السورية لا يتم إلا عبر القرار الدولي وبيان جنيف واحد، فإنّ كل وضع قائم حالياً، فرض بقوة السلاح وتحت مسميات مختلفة، وعلى كامل الجغرافية السورية، لن يتحول إلى أمر واقع حقيقي بمعزل عن مسار الحل السياسي العام في سوريا، ويفقد أهميته ما لم يتم العمل على دعمه سياسياً، أو إيجاد أرضية سياسية مقبولة له من قبل جميع الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية قبل الوصول إلى اتفاق تسوية شامل في البلاد.

في الجانب الآخر من المشهد، يرى بشار الأسد ونظامه أنهم باتوا في مأمن من أي وقت مضى، فالإشارات الآتية من الإدارة الأمريكية مشجّعة، وقانون القيصر الذي كان يُهدّد به أثبت فشله، وهو ما كان متوقعاً كما في جميع الأنظمة الشمولية الاستبدادية، لا بل وجد في مشروع تمرير الغاز المصري عبر سوريا إلى لبنان، وإعادة جزء من علاقاته الدبلوماسية مع الأردن واتصاله الأخير مع الملك عبد الله الثاني، بداية لكسر طوق الحصار السياسي والاقتصادي عليه، وينتظر أن تكون هذه المؤشرات مدخلاً لعلاقات أوسع مع الدول العربية، وكذلك تغيير في سياسية بقية الدول تجاهه، وربما هذا ما دفعه للقبول بسياسية “خطوة مقابل خطوة”، وأبدى استعداده لمناقشة وفده في اللجنة الدستورية خمسة بنود دستورية في الجلسة التي حددها المبعوث الدولي “غير بيدرسون”، في منتصف هذا الشهر.

يقرأ النظام السوري جيداً مدى الانعكاس السلبي لهذه المؤشرات على توجهات المعارضة ويضعف موقفها التفاوضي في لاحق الأيام، خاصة وأنّ الضغط الروسي العسكري تتصاعد وتيرته على تركيا في إدلب، إلى جانب سعي موسكو الحثيث في إقناع قادة حزب الاتحاد الديموقراطي بالتفاوض مع دمشق من أجل استكمال عودة النظام إلى كامل الجغرافية السورية.

يبقى أمل السوريين عموماً في ألا يتحوّل الحراك السياسي والدبلوماسي الإقليمي والدولي من أجل قضيتهم، في الآونة الأخيرة، إلى سراب ومجرد لقاءات استعراضية أمام شاشات التلفزة، وألا يرسم قول “على النظام تغيير سلوكه والقيام بإصلاحات” ابتسامة النصر على وجه دكتاتور أجرم بحق سوريا والسوريين، فلم يبقَ في سوريا ما يستوجب الدمار والخراب أكثر، والشعب السوري بكافة مكوناته سئم من هذه الحرب القذرة، وبات بأمس الحاجة إلى حل ينهي معاناته، ويلفظ عشر سنوات من القتل والانتقام والتدمير والتهجير والذل من ذاكرته، والبدء في تأسيس دولة مدنية ديمقراطية تعددية لكل السوريين، مع أو بدون بشار الأسد.

ليفانت – عبد الوهاب أحمد

يوحي جانب من المشهد، أنّ القوى الدولية المتصارعة على سوريا تتجه نحو توافقات أكثر استقراراً وديمومة، بعد تسويات وخفض التصعيد في مناطق سورية عدة، استقرّ تدحرجها في بقعتين متصلتين جغرافياً هما: الشمال السوري (إدلب) وشرق الفرات.

ولأهمية هاتين المنطقتين جيوسياسياً، استحوذتا على قدر كبير من الأهمية في لقاءات وحوارات عدة عقدت مؤخراً على مستوى رؤساء الدول المعنية (أمريكا – روسيا – تركيا) وإداراتهم للتوافق على تسوية ما في تلك المناطق، إلا أن الاتفاقيات النهائية لا تبدو وجيزة، قبل أن يتم التوصّل إلى تسوية ملف جبهة النصرة والجماعات المسلحة الأخرى في الشمال السوري، المدعومة تركياً بقوة، مقابل الإصرار الروسي على حلّها عسكرياً، وملف حزب العمال الكوردستاني وإدارته الذاتية في شرق الفرات، إذ ترفض تركيا وجودهم على حدودها الجنوبية، بغضّ النظر عن المسميات المختلفة.

في إدلب، تبدو كل من تركيا وروسيا في طريقهما نحو تسوية ملف جبهة النصرة من خلال حلّها أو دمج عناصرها في تشكيل عسكري جديد قد تنحصر مهامه في تسيير المنطقة إدارياً، أو القضاء عليهم عسكرياً، إذا لم تلتزم تركيا بتعهداتها السابقة أمام روسيا بهذا الخصوص، أما في شرق الفرات، ما زالت الرغبة التركية في حسم هذا الملف عسكرياً، والطموح الروسي في إعادة سيطرة النظام على كامل الجغرافية السورية؛ تصطدمان بالموقف الأمريكي المستقر حتى الآن في دعم واستقرار المنطقة بهدف “محاربة داعش والوقوف في وجه التمدد الإيراني”. لكن، مشاهد صور آخر طائرة أمريكية أقلعت من مطار كابول أرعبت حليفه العسكري -قوات سوريا الديمقراطية (قسد)- وأجبرته على النهوض باحثاً عن مخرج قد يكون الأخير.

ومن جانب آخر، أوقدت هذه المشاهد الأمل لدى موسكو وأنقرة في إحياء تفاهماتهما السابقة أو تفعيل اتفاق “أضنة” مجدداً واقتناص أي قرار مشابه قد تتخذه واشنطن بالنسبة لوضعها في شرق الفرات، خاصة وأنّها شجعت مراراً، وعلى لسان كبير مسؤوليها، قادة مجلس سوريا الديمقراطي (مسد) وقسد للتفاوض مع دمشق حول إدارة شمال شرق سوريا.

لم يتجاهل قادة حزب الاتحاد الديمقراطي هذا الطلب الأمريكي المتكرر، والذي تزامن مع دعوات موسكو الدائمة في هذا الاتجاه، دون أن تلزم الأخيرة نفسها برعاية هذه المفاوضات أو تُقدّم ضمانات تجذب مسد أكثر نحو دمشق. لتاريخه، لا يملك حزب الاتحاد الديمقراطي حرية اختيار مسار معين والمضي فيه حتى النهاية، وغالباً ما توقف أو تعثّر فيها لاعتبارات إقليمية أو دولية، فلا طريق دمشق معبد للحصول على ما يريد، والذي إن تم؛ سينقذه من جملة مسائل داخلية باتت تشكل تهديداً لمصيره، ولا تغيير مرتقب في سياسة أنقرة تجاهه للقبول به ضمن مشروع سياسي متكامل (كما طرحه رياض دردار أحد قادة مسد)، يمتدّ من إدلب حتى ديريك يكون فيها شريكاً جنباً إلى جنب مع المعارضة السورية السياسية والعسكرية، ومن جهة أخرى يواجه ضغوطات أمريكية متزايدة لدفعه للقبول بشراكة حقيقية مع المجلس الوطني الكردي والمكونات السياسية الأخرى في المنطقة، وهو الخيار الأكثر قساوة بالنسبة له حتى الآن.

يدرك حزب الاتحاد الديمقراطي أن ما حققه على الأرض لا يتعدّى كونه حالة إدارية – عسكرية مؤقتة، وهي مهددة بالتلاشي في أية لحظة، خاصة بعد تعرّض تجربة إدارته الذاتية لامتحان المصداقية مع حلفائه العسكريين، وما زالت تجربة عفرين وسري كانيه وكري سبي شاهدة على ذلك، ولطالما تؤكد الجهات الدولية الرئيسة (الولايات المتحدة الأمريكية – روسيا) على تمسكها بالحل السياسي، وأن إنهاء الأزمة السورية لا يتم إلا عبر القرار الدولي وبيان جنيف واحد، فإنّ كل وضع قائم حالياً، فرض بقوة السلاح وتحت مسميات مختلفة، وعلى كامل الجغرافية السورية، لن يتحول إلى أمر واقع حقيقي بمعزل عن مسار الحل السياسي العام في سوريا، ويفقد أهميته ما لم يتم العمل على دعمه سياسياً، أو إيجاد أرضية سياسية مقبولة له من قبل جميع الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية قبل الوصول إلى اتفاق تسوية شامل في البلاد.

في الجانب الآخر من المشهد، يرى بشار الأسد ونظامه أنهم باتوا في مأمن من أي وقت مضى، فالإشارات الآتية من الإدارة الأمريكية مشجّعة، وقانون القيصر الذي كان يُهدّد به أثبت فشله، وهو ما كان متوقعاً كما في جميع الأنظمة الشمولية الاستبدادية، لا بل وجد في مشروع تمرير الغاز المصري عبر سوريا إلى لبنان، وإعادة جزء من علاقاته الدبلوماسية مع الأردن واتصاله الأخير مع الملك عبد الله الثاني، بداية لكسر طوق الحصار السياسي والاقتصادي عليه، وينتظر أن تكون هذه المؤشرات مدخلاً لعلاقات أوسع مع الدول العربية، وكذلك تغيير في سياسية بقية الدول تجاهه، وربما هذا ما دفعه للقبول بسياسية “خطوة مقابل خطوة”، وأبدى استعداده لمناقشة وفده في اللجنة الدستورية خمسة بنود دستورية في الجلسة التي حددها المبعوث الدولي “غير بيدرسون”، في منتصف هذا الشهر.

يقرأ النظام السوري جيداً مدى الانعكاس السلبي لهذه المؤشرات على توجهات المعارضة ويضعف موقفها التفاوضي في لاحق الأيام، خاصة وأنّ الضغط الروسي العسكري تتصاعد وتيرته على تركيا في إدلب، إلى جانب سعي موسكو الحثيث في إقناع قادة حزب الاتحاد الديموقراطي بالتفاوض مع دمشق من أجل استكمال عودة النظام إلى كامل الجغرافية السورية.

يبقى أمل السوريين عموماً في ألا يتحوّل الحراك السياسي والدبلوماسي الإقليمي والدولي من أجل قضيتهم، في الآونة الأخيرة، إلى سراب ومجرد لقاءات استعراضية أمام شاشات التلفزة، وألا يرسم قول “على النظام تغيير سلوكه والقيام بإصلاحات” ابتسامة النصر على وجه دكتاتور أجرم بحق سوريا والسوريين، فلم يبقَ في سوريا ما يستوجب الدمار والخراب أكثر، والشعب السوري بكافة مكوناته سئم من هذه الحرب القذرة، وبات بأمس الحاجة إلى حل ينهي معاناته، ويلفظ عشر سنوات من القتل والانتقام والتدمير والتهجير والذل من ذاكرته، والبدء في تأسيس دولة مدنية ديمقراطية تعددية لكل السوريين، مع أو بدون بشار الأسد.

ليفانت – عبد الوهاب أحمد

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit