نظرة إلى الشأن العام السوري

عمار جلو

غُيّب السوريون عن التصدّي للشأن العام طيلة سنوات الحكم البعثي المقيت، فتحت الثورة للسوريين باباً للانخراط في قضاياهم، ‏وساعد في ذلك ثورة التكنولوجيا ووسائل الاتصال التي ألغت الحواجز المفروضة على احتكار المعرفة في الحوادث والإلمام بالمعلومات.

كما خلقت منصات ومنتديات لازمة لنقاش الشأن العام، لكنها لم تبنِ مسارب تفرض على السالكين الولوج فيها من خلال اختصاصاتهم أو اهتماماتهم، مما أنتج حالة من الهيجان العام في بعض القضايا المصيرية التي يتطلب نقاشها اختصاصات معينة أو مخزون معرفي فيها، وكان آخرها الجلسة السادسة للجنة الدستورية.

ثارت ثائرة السوريين على اللجنة الدستورية في جلستها الأخيرة التي ‏صبّ على نارها الزيت مصطلح الإصلاح الدستوري، وهو مصطلح اختلف الفقه الدستوري في تعيين حدوده، ما بين عملية دستورية شاملة لتشريعات محلية متناسقة مع دستور جديد، وما بين التعديل الدستوري، بشقيه البسيط أو الجوهري، (يحدث تغيير في موازين السلطات الثلاث ومؤسسات الدولة)، وأما الانتقال السياسي الذي ارتقاه المهاجمون للدستورية في جلستها الأخيرة، رغم أحقيته، إلا أنه متأخر في الطرح، حيث يُفترض طرحه بداية تأسيس اللجنة ومباشرتها لعملها، لكنه غاب عن تلك المرحلة مع كثير من القضايا الجوهرية الخاصة باللجنة الدستورية وما تطرحه من أسئلة تحتاج إلى إجابات مصيرية، مثل: مرجعية اللجنة، وهو ما تم حسمه من قبل المفوضية العامة للأمم المتحدة من خلال ربط اللجنة بها لإفشال المساعي الروسية الحثيثة والخبيثة في آن واحد، لربطها باجتماع سوتشي الذي أخرجها للوجود، فيما اعتبرتها الأمم المتحدة أحد الملفات المتفرعة عن القرار ٢٢٥٤ لعام ٢٠١٥، إلى جانب ملفات الحكم والانتخابات والانتقال السياسي والإرهاب.

ورغم استبعادي لنتائج إيجابية تحققها اللجنة، إلا أنه كان من المفترض في حينها دعم الترشيحات الخاصة بقائمة المجتمع المدني، والتي واجهها النظام بضغوط مارسها على المبعوث الأممي الخاص بسوريا في مسعى منه لتفريغ اللجنة من الخبرة اللازمة لعملها، إذ كان من بين المعترض عليهم ستة خبراء دستوريين، وليت التفاعل الحالي انصبّ على تحديد سقف زمني لعمل اللجنة أو للإطار الزمني للدستور الذي قد يصدر عنها، (وهو مستبعد برأيي)، إذ يُفترض أنه دستور مؤقت ينظم المرحلة الانتقالية التي تنتهي بانتخاب اللجنة التأسيسية التي تتولى إعداد الدستور الدائم، وهو ما جرت عليه العادة في حالات النزاع المشابهة للحالة السورية، كذلك مراعاة التمثيل الحقيقي باللجنة لجميع مكونات المجتمع السوري ليتثنى لها مناقشة مطالب تراها مُحقّة في إطار دستور جامع، ونهايةً المطالبة بتفسير واضح لعبارة الموافقة العامة أو العمومية التي تعتبر شرطاً لتطبيق الدستور في حال ولادته من رحم اللجنة الدستورية العقيم بموجب القرار الأممي الناظم للعملية السياسية.

يقبع جوهر القضية السورية في عدم تطبيق الدستور، إذ لم تكن مشكلة السوريين في دستورهم الذي تعرّض لعملية تفصيل مهينة في دقائق معدودة مفتتحاً عهد الجمهوريات الوراثية في العالم العربي المتطلّع إلى هذا العهد، ما قبل ذلك لم يكن للدستور السوري من ظهور، بعد أن غطّته أوحال التعاميم والبلاغات الخارجة من رحم قانون الطوارئ الحاكم للبلاد.

‏يُروى عن الطبيب عبد الحي كنامة، على ما أذكر، إتقانه لمهنته إلى درجة تشخيص حالة الطفل من خلال المعاينة، ودون الحاجة إلى استجواب الأهل الذين غالباً ما يلجأ لطردهم من غرفة المعاينة نتيجة عصبيّته الناجمة عن شروحات الأهل، وفي إحدى المرات والجد يشرح حالة حفيده انتهى بالقول للطبيب “أظن أن لديه زحار”، حينها التفت إليه الطبيب بالقول: “وأنا أتساءل عن المؤتمر الطبي الذي جمعني بك، انصرف لغرفة الانتظار‏”. وحالنا كسوريين لا تختلف كثيراً عن حال الجد، من خلال التصدّر لنقاش ما نعلم وما نجهل، وما هو من دوائر اختصاصنا أو خارجها، ودرجة إلمامنا بالموضوع المُثار وإن دخل في دائرة اختصاصنا، ودون الالتفات إلى القيمة المضافة التي يمكن تقديمها من خلال الولوج للشأن العام، وأهم من هذا وذاك استسهال إطلاق التخوين نتيجة تباين الآراء، وهو مؤشر خطير لامتداد مسيرة الحزب الواحد والرأي الواحد، وإهدار لتضحيات الثورة السورية في طريقها لدولة الحرية والتعددية.

عمار جلو

ليفانت – عمار جلو

غُيّب السوريون عن التصدّي للشأن العام طيلة سنوات الحكم البعثي المقيت، فتحت الثورة للسوريين باباً للانخراط في قضاياهم، ‏وساعد في ذلك ثورة التكنولوجيا ووسائل الاتصال التي ألغت الحواجز المفروضة على احتكار المعرفة في الحوادث والإلمام بالمعلومات.

كما خلقت منصات ومنتديات لازمة لنقاش الشأن العام، لكنها لم تبنِ مسارب تفرض على السالكين الولوج فيها من خلال اختصاصاتهم أو اهتماماتهم، مما أنتج حالة من الهيجان العام في بعض القضايا المصيرية التي يتطلب نقاشها اختصاصات معينة أو مخزون معرفي فيها، وكان آخرها الجلسة السادسة للجنة الدستورية.

ثارت ثائرة السوريين على اللجنة الدستورية في جلستها الأخيرة التي ‏صبّ على نارها الزيت مصطلح الإصلاح الدستوري، وهو مصطلح اختلف الفقه الدستوري في تعيين حدوده، ما بين عملية دستورية شاملة لتشريعات محلية متناسقة مع دستور جديد، وما بين التعديل الدستوري، بشقيه البسيط أو الجوهري، (يحدث تغيير في موازين السلطات الثلاث ومؤسسات الدولة)، وأما الانتقال السياسي الذي ارتقاه المهاجمون للدستورية في جلستها الأخيرة، رغم أحقيته، إلا أنه متأخر في الطرح، حيث يُفترض طرحه بداية تأسيس اللجنة ومباشرتها لعملها، لكنه غاب عن تلك المرحلة مع كثير من القضايا الجوهرية الخاصة باللجنة الدستورية وما تطرحه من أسئلة تحتاج إلى إجابات مصيرية، مثل: مرجعية اللجنة، وهو ما تم حسمه من قبل المفوضية العامة للأمم المتحدة من خلال ربط اللجنة بها لإفشال المساعي الروسية الحثيثة والخبيثة في آن واحد، لربطها باجتماع سوتشي الذي أخرجها للوجود، فيما اعتبرتها الأمم المتحدة أحد الملفات المتفرعة عن القرار ٢٢٥٤ لعام ٢٠١٥، إلى جانب ملفات الحكم والانتخابات والانتقال السياسي والإرهاب.

ورغم استبعادي لنتائج إيجابية تحققها اللجنة، إلا أنه كان من المفترض في حينها دعم الترشيحات الخاصة بقائمة المجتمع المدني، والتي واجهها النظام بضغوط مارسها على المبعوث الأممي الخاص بسوريا في مسعى منه لتفريغ اللجنة من الخبرة اللازمة لعملها، إذ كان من بين المعترض عليهم ستة خبراء دستوريين، وليت التفاعل الحالي انصبّ على تحديد سقف زمني لعمل اللجنة أو للإطار الزمني للدستور الذي قد يصدر عنها، (وهو مستبعد برأيي)، إذ يُفترض أنه دستور مؤقت ينظم المرحلة الانتقالية التي تنتهي بانتخاب اللجنة التأسيسية التي تتولى إعداد الدستور الدائم، وهو ما جرت عليه العادة في حالات النزاع المشابهة للحالة السورية، كذلك مراعاة التمثيل الحقيقي باللجنة لجميع مكونات المجتمع السوري ليتثنى لها مناقشة مطالب تراها مُحقّة في إطار دستور جامع، ونهايةً المطالبة بتفسير واضح لعبارة الموافقة العامة أو العمومية التي تعتبر شرطاً لتطبيق الدستور في حال ولادته من رحم اللجنة الدستورية العقيم بموجب القرار الأممي الناظم للعملية السياسية.

يقبع جوهر القضية السورية في عدم تطبيق الدستور، إذ لم تكن مشكلة السوريين في دستورهم الذي تعرّض لعملية تفصيل مهينة في دقائق معدودة مفتتحاً عهد الجمهوريات الوراثية في العالم العربي المتطلّع إلى هذا العهد، ما قبل ذلك لم يكن للدستور السوري من ظهور، بعد أن غطّته أوحال التعاميم والبلاغات الخارجة من رحم قانون الطوارئ الحاكم للبلاد.

‏يُروى عن الطبيب عبد الحي كنامة، على ما أذكر، إتقانه لمهنته إلى درجة تشخيص حالة الطفل من خلال المعاينة، ودون الحاجة إلى استجواب الأهل الذين غالباً ما يلجأ لطردهم من غرفة المعاينة نتيجة عصبيّته الناجمة عن شروحات الأهل، وفي إحدى المرات والجد يشرح حالة حفيده انتهى بالقول للطبيب “أظن أن لديه زحار”، حينها التفت إليه الطبيب بالقول: “وأنا أتساءل عن المؤتمر الطبي الذي جمعني بك، انصرف لغرفة الانتظار‏”. وحالنا كسوريين لا تختلف كثيراً عن حال الجد، من خلال التصدّر لنقاش ما نعلم وما نجهل، وما هو من دوائر اختصاصنا أو خارجها، ودرجة إلمامنا بالموضوع المُثار وإن دخل في دائرة اختصاصنا، ودون الالتفات إلى القيمة المضافة التي يمكن تقديمها من خلال الولوج للشأن العام، وأهم من هذا وذاك استسهال إطلاق التخوين نتيجة تباين الآراء، وهو مؤشر خطير لامتداد مسيرة الحزب الواحد والرأي الواحد، وإهدار لتضحيات الثورة السورية في طريقها لدولة الحرية والتعددية.

عمار جلو

ليفانت – عمار جلو

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit