مستقبل تركيا في سوريا

عمار ديوب

أرادت تركيا أن تستخدم سوريا ورقة بيدها ومنذ 2011، ولتقوية موقعها العالمي. لم تتخذ موقفاً صلباً من الثورة حينما كانت تتوسّع شعبياً، وحينما تعسكرت أيضاً لم تدعمها، وانتهت براغماتيتها غير الذكية، ومعها الخليج، إلى خلق ودعم الفصائل الإسلامية واختصّت هي بدعم الإخوان المسلمين، وهذا كان أكبر أخطائها بحق الثورة والسوريين.

لقد رغِبت أن تُطوّع الفصائل والمعارضة السورية تحت إمرتها. وبالطبع تعرضت الثورة لمختلف أشكال الحصار، وتزعمتها معارضات رديئة بكل المقاييس، فكانت الحصيلة تشكيل تركيا مع روسيا وإيران حلفاً مشتركاً، اختطّ لنفسه مسار أستانا وسوتشي واللجنة الدستورية، ولقاءات لا تنتهي بين بوتين وأردوغان. لقد فوّتت تركيا على نفسها السنوات الأولى للثورة، لتكون فاعلة في الوضع السوري، وبعد التدخل الأمريكي 2014 والروسي 2015، أصحبت تابعة لسياسات الدول العظمى، وانتقلت بذلك للدفاع عن نفسها وعن مصالحها، كما رفضت تركيا إيجاد حل عادل وديموقراطي، للمسألة القومية الكردية، كذلك استعدت الأكراد في سوريا. الأسوأ، أنها وظفت في استعدائها فصائل سورية كثيرة في غزواتها للأراضي السورية. مشكلة تركيا أنها لا تريد التسليم بتراجع دورها في الوضع السوري، ولهذا نراها تحاول المناورة بين الروس والأمريكان، سعياً منها لتحجيم قوات قسد وسحب أسلحتها وتفكيكها، وإلغاء أية حقوق للأكراد في سوريا.

رفض بايدن لقاء أردوغان في الأمم المتحدة في الأسابيع الأخيرة، وذهب ضعيفاً إلى القيصر الروسي، الذي وجدها فرصة ثمينة لمحاصرة السلطان، ومطالبته بتخفيض أحلامه في عديدٍ من القضايا الإقليمية، ومنها الوجود التركي في إدلب وبعض أرياف حلب، وضرورة أن يتخلص من كافة التنظيمات الجهادية، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام، وفتح طريق أم 4، ورفضَ بوتين مقترحاً يدمج هيئة التحرير ضمن الجيش الوطني. بدا حينها ظهر أردوغان عارٍ كلية، واستفادت قوات قسد، وهاجمت بعض المناطق التي تسيطر عليها القوات التركية. قوات الأخيرة ردّت بالمثل، وتتحيّن، وفقاً لتقارير إخبارية كثيرة، الدخول إلى مناطق عديدة تسيطرعليها قسد، كتل رفعت مثلاً.

فاجأت أمريكا تركيا بتمديد وجودها في سوريا عاماً كاملاً، وبتصريحاتٍ جديدة ضد داعش، وأدخلت أسلحة جديدة إلى مناطق سيطرة قسد في الأسابيع الأخيرة، بينما تصلبت تركيا بموقفها ضد قسد وأنها تنظيم إرهابي. الآن تبدو تركيا بموقف ضعيف للغاية، فالنظام يهاجم مناطق سيطرتها في حلب وإدلب، وقسد تتحرك ضد الوجود التركي، وكأن تركيا أصبحت محاصرة من روسيا وأمريكا في سوريا؛ هذه قراءة تركيا حالياً، وربما هي صائبة بذلك.

السياسة الروسيّة إزاء تركيا في سوريا لم تتغير، وتريد إبعاد تركيا عن حلف الناتو، وزيادة التنسيق الروسي التركي بكافة المجالات، وضمن ذلك تحثّ روسيا تركيا بالانفتاح على النظام السوري وقسد، والإقرار بفشل الثورة والفصائل. مشكلة تركيا ليست إزاء روسيا فقط، فهناك إيران، وروسيا وإيران حليفتان قويتان، وفي سوريا تنبني السياسة الروسية على التوافق مع إيران بالدرجة الأولى ومع تركيا ثانياً. خطيئة تركيا في أنها لم ترفض الوجود الإيراني منذ البدء، والآن تحصد نتائج سياساتها الفاشلة في سوريا. لن تضغط روسيا كثيراً على تركيا، ولكنها تحاصر مناطق سيطرتها بالتدريج، وتدفع بالفصائل نحو أشرطة حدودية هامشية، ويبدو أن روسيا تسير نحو السيطرة على مدينة إدلب ومناطق كثيرة في هذه المدينة.

تركيا المرفوضة أمريكياً، والمتجهة نحو تحالفٍ وثيق مع روسيا، تجد نفسها بعد لقاء بوتين أردوغان ضعيفة ومحاصرة وغاضبة. الآن تتحدّث التقارير حول عملية عسكرية وشيكة لتركيا، وباتجاه تل رفعت. هذا الأمر خطير حيث ليس من تغطية روسية أو أمريكية له.

تركيا معنية بتغيير سياساتها في سوريا، والتخلص فعلياً من هيئة تحرير الشام، وستخضع لسياسات روسيا أكثر فأكثر، هي معنية أيضاً بتغيير سياساتها إزاء قسد، وإذا كانت محقّة في ضرورة إنهاء كل علاقة لقسد بحزب العمال الكوردستاني، وهو ما تتفق فيه مع قوى كردية ومع الأمريكان، فإنها تخطِئ بتعزيز الروح “الشوفينية” لدى الفصائل السورية ضد قسد. الأخيرة، ولا شك لديها سياسات خاطئة، ومنها شوفينية أيضاً، وبالجملة، وهناك عدم تمثيل العرب في إداراتها أو في قسد، وعدم انفتاحها إزاء المعارضة، وقد اختلفت حتى مع هيئة التنسيق الوطنية.

ما حصل لدرعا، ستحاول روسيا إعادة تكراره في شمال وشرق سوريا. وكما سلمت أمريكا درعا لروسيا، فهي ستحاول الأمر عينه مع تركيا وأمريكا في بقية مناطق سوريا. الموقف الأمريكي الأخير، والرافض للانسحاب وتمديد البقاء بسوريا بسبب حالة الطوارئ، سيدفع روسيا لتعيد حساباتها؛ فالشرق السوري لن يعود قريباً. تركيا تبدو مصممة على “حقوقها” في تل رفعت، ومنبج ومناطق كثيرة، ولن تُسلم بسهولة للسياسات الروسية أو الأمريكية، وبالتالي تتجه الأوضاع نحو التأزّم أكثر فأكثر. طبعاً، يُستبعد أن تتطوّر الأوضاع إلى معارك بين تركيا وروسيا وتركيا وأمريكا. وأغلب الظن ستكون هناك طبخة جديدة، تنال فيها تركيا تل رفعت مقابل تسليم مناطق لروسيا وربما لأمريكا.

بكل الأحوال تركيا لن تكون رابحة، وستعزّز أمريكا من دور روسيا إزاء إيران وتركيا، فهل ستتحرّك الأطراف السورية “المعارضات” نحو عقد لقاءات جادة، وتخرج من عباءة كل من تركيا وروسيا وأمريكا؟ هذا لن يتحقق بدوره، وبالتالي سينتظر السوريون تسوية إقليمية ودولية، وهذا خارج الاحتمالات حالياً.

عمار ديوب

ليفانت – عمّار ديّوب

أرادت تركيا أن تستخدم سوريا ورقة بيدها ومنذ 2011، ولتقوية موقعها العالمي. لم تتخذ موقفاً صلباً من الثورة حينما كانت تتوسّع شعبياً، وحينما تعسكرت أيضاً لم تدعمها، وانتهت براغماتيتها غير الذكية، ومعها الخليج، إلى خلق ودعم الفصائل الإسلامية واختصّت هي بدعم الإخوان المسلمين، وهذا كان أكبر أخطائها بحق الثورة والسوريين.

لقد رغِبت أن تُطوّع الفصائل والمعارضة السورية تحت إمرتها. وبالطبع تعرضت الثورة لمختلف أشكال الحصار، وتزعمتها معارضات رديئة بكل المقاييس، فكانت الحصيلة تشكيل تركيا مع روسيا وإيران حلفاً مشتركاً، اختطّ لنفسه مسار أستانا وسوتشي واللجنة الدستورية، ولقاءات لا تنتهي بين بوتين وأردوغان. لقد فوّتت تركيا على نفسها السنوات الأولى للثورة، لتكون فاعلة في الوضع السوري، وبعد التدخل الأمريكي 2014 والروسي 2015، أصحبت تابعة لسياسات الدول العظمى، وانتقلت بذلك للدفاع عن نفسها وعن مصالحها، كما رفضت تركيا إيجاد حل عادل وديموقراطي، للمسألة القومية الكردية، كذلك استعدت الأكراد في سوريا. الأسوأ، أنها وظفت في استعدائها فصائل سورية كثيرة في غزواتها للأراضي السورية. مشكلة تركيا أنها لا تريد التسليم بتراجع دورها في الوضع السوري، ولهذا نراها تحاول المناورة بين الروس والأمريكان، سعياً منها لتحجيم قوات قسد وسحب أسلحتها وتفكيكها، وإلغاء أية حقوق للأكراد في سوريا.

رفض بايدن لقاء أردوغان في الأمم المتحدة في الأسابيع الأخيرة، وذهب ضعيفاً إلى القيصر الروسي، الذي وجدها فرصة ثمينة لمحاصرة السلطان، ومطالبته بتخفيض أحلامه في عديدٍ من القضايا الإقليمية، ومنها الوجود التركي في إدلب وبعض أرياف حلب، وضرورة أن يتخلص من كافة التنظيمات الجهادية، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام، وفتح طريق أم 4، ورفضَ بوتين مقترحاً يدمج هيئة التحرير ضمن الجيش الوطني. بدا حينها ظهر أردوغان عارٍ كلية، واستفادت قوات قسد، وهاجمت بعض المناطق التي تسيطر عليها القوات التركية. قوات الأخيرة ردّت بالمثل، وتتحيّن، وفقاً لتقارير إخبارية كثيرة، الدخول إلى مناطق عديدة تسيطرعليها قسد، كتل رفعت مثلاً.

فاجأت أمريكا تركيا بتمديد وجودها في سوريا عاماً كاملاً، وبتصريحاتٍ جديدة ضد داعش، وأدخلت أسلحة جديدة إلى مناطق سيطرة قسد في الأسابيع الأخيرة، بينما تصلبت تركيا بموقفها ضد قسد وأنها تنظيم إرهابي. الآن تبدو تركيا بموقف ضعيف للغاية، فالنظام يهاجم مناطق سيطرتها في حلب وإدلب، وقسد تتحرك ضد الوجود التركي، وكأن تركيا أصبحت محاصرة من روسيا وأمريكا في سوريا؛ هذه قراءة تركيا حالياً، وربما هي صائبة بذلك.

السياسة الروسيّة إزاء تركيا في سوريا لم تتغير، وتريد إبعاد تركيا عن حلف الناتو، وزيادة التنسيق الروسي التركي بكافة المجالات، وضمن ذلك تحثّ روسيا تركيا بالانفتاح على النظام السوري وقسد، والإقرار بفشل الثورة والفصائل. مشكلة تركيا ليست إزاء روسيا فقط، فهناك إيران، وروسيا وإيران حليفتان قويتان، وفي سوريا تنبني السياسة الروسية على التوافق مع إيران بالدرجة الأولى ومع تركيا ثانياً. خطيئة تركيا في أنها لم ترفض الوجود الإيراني منذ البدء، والآن تحصد نتائج سياساتها الفاشلة في سوريا. لن تضغط روسيا كثيراً على تركيا، ولكنها تحاصر مناطق سيطرتها بالتدريج، وتدفع بالفصائل نحو أشرطة حدودية هامشية، ويبدو أن روسيا تسير نحو السيطرة على مدينة إدلب ومناطق كثيرة في هذه المدينة.

تركيا المرفوضة أمريكياً، والمتجهة نحو تحالفٍ وثيق مع روسيا، تجد نفسها بعد لقاء بوتين أردوغان ضعيفة ومحاصرة وغاضبة. الآن تتحدّث التقارير حول عملية عسكرية وشيكة لتركيا، وباتجاه تل رفعت. هذا الأمر خطير حيث ليس من تغطية روسية أو أمريكية له.

تركيا معنية بتغيير سياساتها في سوريا، والتخلص فعلياً من هيئة تحرير الشام، وستخضع لسياسات روسيا أكثر فأكثر، هي معنية أيضاً بتغيير سياساتها إزاء قسد، وإذا كانت محقّة في ضرورة إنهاء كل علاقة لقسد بحزب العمال الكوردستاني، وهو ما تتفق فيه مع قوى كردية ومع الأمريكان، فإنها تخطِئ بتعزيز الروح “الشوفينية” لدى الفصائل السورية ضد قسد. الأخيرة، ولا شك لديها سياسات خاطئة، ومنها شوفينية أيضاً، وبالجملة، وهناك عدم تمثيل العرب في إداراتها أو في قسد، وعدم انفتاحها إزاء المعارضة، وقد اختلفت حتى مع هيئة التنسيق الوطنية.

ما حصل لدرعا، ستحاول روسيا إعادة تكراره في شمال وشرق سوريا. وكما سلمت أمريكا درعا لروسيا، فهي ستحاول الأمر عينه مع تركيا وأمريكا في بقية مناطق سوريا. الموقف الأمريكي الأخير، والرافض للانسحاب وتمديد البقاء بسوريا بسبب حالة الطوارئ، سيدفع روسيا لتعيد حساباتها؛ فالشرق السوري لن يعود قريباً. تركيا تبدو مصممة على “حقوقها” في تل رفعت، ومنبج ومناطق كثيرة، ولن تُسلم بسهولة للسياسات الروسية أو الأمريكية، وبالتالي تتجه الأوضاع نحو التأزّم أكثر فأكثر. طبعاً، يُستبعد أن تتطوّر الأوضاع إلى معارك بين تركيا وروسيا وتركيا وأمريكا. وأغلب الظن ستكون هناك طبخة جديدة، تنال فيها تركيا تل رفعت مقابل تسليم مناطق لروسيا وربما لأمريكا.

بكل الأحوال تركيا لن تكون رابحة، وستعزّز أمريكا من دور روسيا إزاء إيران وتركيا، فهل ستتحرّك الأطراف السورية “المعارضات” نحو عقد لقاءات جادة، وتخرج من عباءة كل من تركيا وروسيا وأمريكا؟ هذا لن يتحقق بدوره، وبالتالي سينتظر السوريون تسوية إقليمية ودولية، وهذا خارج الاحتمالات حالياً.

عمار ديوب

ليفانت – عمّار ديّوب

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit