لولا أمريكا لا كنّا ولا كانوا

غسان المفلح
غسان المفلح

قوة الموقف الأمريكي أكثر ما تتجسد فيه أنها ما تزال مثار خلاف. خلاف حول دور أمريكا في كل بؤر التوتر في العالم، بل في كل العالم. الخلاف حول استراتيجيات أمريكا وتكتيكاتها، سياساتها ومصالحها، تحالفاتها وعداواتها، حيادها وانخراطها في صراعات عديدة في أرجاء المعمورة.

قوة الموقف الأمريكي أنها تترك مجالاً للاجتهادات في تحليل سلوكها وممارساتها. كتب وأبحاث ومقالات ومراكز بحوث ودراسات تحاول الاجتهاد في تحليل وفهم السياسة الأمريكية في هذا الكوكب. الطريف في هذا الموضوع، أنّ أغلب ما يصدر من هذه التحليلات والدراسات المختلفة القراءة لدور أمريكا، تصدر وتترجم إلى العالم من مراكز بحوث أمريكية بالدرجة الأولى. حلفاء أمريكا أيضاً يشغلهم معرفة حقيقة الموقف الأمريكي، أقصد حلفاء أمريكا من دارسي مواقفها. هذا ينطبق أيضاً على أعداء أمريكا. في الواقع هذا ينطبق على كل المعنين بالسياسة ما عدا قادة دول تبلغهم أمريكا بما تريد منهم.

في هذا السياق المربك، ما يزال ملف المعارضة للأنظمة الديكتاتورية من أجل قيام أنظمة ديمقراطية ملفاً أسود. خاصة في الشرق الأوسط. الصحيح طبعاً أنّ أمريكا تتعامل مع وضع كل دولة على حدة، لكن الصحيح أيضاً أن هذه المعاملة تأتي في سياق أن أمريكا تعتبر منطقة الشرق الأوسط برمتها ملفاً أمنياً اقتصادياً بالدرجة الأولى. الأمن وما يوفره للاقتصاد الأمريكي من تلك البقعة من العالم، هذه البقعة المليئة بالنفط والثروات وإسرائيل، هذه المنطقة عبارة عن مناطق بينها حدود تسمى دول، في كل منطقة حاوٍ وسجّان.

مع الفارق النسبي بين منطقة وأخرى أو بين دولة وأخرى. أمريكا تضفي شرعيتها على سلطات هذه الدول، على الحواة والسجانين، على المجازر والسجون المليئة بالمعتقلين، على الدمار والتهجير والاقتلاع إذا اقتضى الأمر ذلك. في نفس الوقت أمريكا في سجلها أنها الدولة الأكثر تبرعاً في الحقل الإنساني عبر الأمم المتحدة، وأحياناً مباشرة، للحد من الكوارث والحد من عدد الضحايا بعد المجازر وليس قبلها. يقول أحدهم: لولا أمريكا لابتلع بوتين والأسد سوريا وشعبها. نعم لولا أمريكا لدفن الأسد وبوتين وملالي طهران السوريين قبل أن يتسنى لهم الهرب. فكان الاقتلاع والتهجير حلاً وسطاً بين هذا الثلاثي وبين أمريكا.

نعم في الملف السوري أمريكا أكثر من قدّم مساعدات إنسانية لتلافي بعض النتائج التي سمحت بها بحرب هؤلاء الثلاثي على الشعب السوري، وأدخلت تركيا لاحقاً بالمعادلة. الشيء بالشيء يذكر، لفتت نظري تصريحات لأردوغان ومسؤولين أتراك عن ضرورة خروج أمريكا من سوريا، علماً أنّ تركيا موجودة في سوريا بتنسيق مع أمريكا. مصلحة تركيا الفعلية تقتضي بقاء أمريكا، لأنّه لولا أمريكا لابتلعت روسيا ما يعرف بالمنطقة التركية في سوريا، رغم أن هذا الاحتمال ما يزال قائماً إذا غضّت أمريكا الطرف وأعطت روسيا الضوء الأخضر في اجتياح الشمال الغربي السوري. لهذا نجد أنّ قادة دول المنطقة يتنمرون إعلامياً على أمريكا وهم في ظلّها يعيشون، وأكثر من يفعل ذلك هم الأتراك والملالي والأسد وبوتين شخصياً.

هكذا شاءت أمريكا أن تحوّل سوريا إلى بقعة غير معينة يحكمها أمراء حرب من محتلين وأدواتهم. أمريكا أكثر من تدرك أنّ من دفع ويدفع ثمن خيارها هذا هو الشعب السوري بكل مكوناته. لم يدخل محتلّ إلى سوريا إلا بتنسيق مع أمريكا. هل هذه تحتاج لمراكز بحوث ودراسات؟ أيضاً الشيء بالشيء يذكر في هذا السياق، التصريح الروسي عن قرب عقد اجتماع أمني بين رؤساء مكاتب شؤون الأمن القومي في روسيا وأمريكا وإسرائيل ضمن اقتراح إسرائيلي، هل لأنّ هذه الدول الثلاث هي المقررة النهائية بالشأن السوري؟ أم لأن أمريكا تريد هذه المساحة للتشاور نحو مزيد من خراب ما هو مخرب؟ فالأردن طبّع مع الأسد، والعراق مطبع مع إيران، ولبنان حزب الله الذي يقتل السوريين، وبشارة الراعي الذي يطالب بطرد اللاجئين السوريين من لبنان.

استثناء تركيا وإيران من هذا الاجتماع دليل أن حصتهما في سوريا ما تزال قيد البحث الأمريكي. أمريكا من القوة بحيث كان بإمكانها وقف المأساة السورية قبل بدئها بعد انطلاق ثورتها بأشهر، على أبعد تقدير، عام 2011. لكنها أرادتها حقلاً مفتوحاً للجريمة والإبادة بحق هذا الشعب الذي لم يفعل شيئاً سوى أنه أراد أن يعيش بحرية وكرامة. أخطر ما يوجه المحنة السورية في الواقع من أجل أجيالنا القادمة هو تبرئة أمريكا. إنه تزوير للتاريخ من جهة، ويجعل المرء نفسه أمريكياً أكثر من أوباما صاحب الكيماوي.

كنا في مأساتنا هذه وكانوا في جريمتهم بأمريكا. الجميع في سوريا كانوا بأمريكا. مع ذلك ستبقى مراكز البحوث الأمريكية مختلفة حول تاريخ ما جرى ويجري في سوريا والمنطقة. وستبقى ترجمة هذه البحوث والدراسات قائمة. تقييم الذات ونقدها يجري في سياق معرفة مواقف الدول الفاعلة في الملف. المعارضة السورية رغم تفاهة من تصدروها بعد غربلة أمريكية تركية وغيرها، هي نتيجة وليست سبباً. نتيجة للمذبحة التي كانت أمريكية بامتياز بأيد غير أمريكية، والحبل على الجرار.

غسان المفلح

ليفانت – غسان المفلح

قوة الموقف الأمريكي أكثر ما تتجسد فيه أنها ما تزال مثار خلاف. خلاف حول دور أمريكا في كل بؤر التوتر في العالم، بل في كل العالم. الخلاف حول استراتيجيات أمريكا وتكتيكاتها، سياساتها ومصالحها، تحالفاتها وعداواتها، حيادها وانخراطها في صراعات عديدة في أرجاء المعمورة.

قوة الموقف الأمريكي أنها تترك مجالاً للاجتهادات في تحليل سلوكها وممارساتها. كتب وأبحاث ومقالات ومراكز بحوث ودراسات تحاول الاجتهاد في تحليل وفهم السياسة الأمريكية في هذا الكوكب. الطريف في هذا الموضوع، أنّ أغلب ما يصدر من هذه التحليلات والدراسات المختلفة القراءة لدور أمريكا، تصدر وتترجم إلى العالم من مراكز بحوث أمريكية بالدرجة الأولى. حلفاء أمريكا أيضاً يشغلهم معرفة حقيقة الموقف الأمريكي، أقصد حلفاء أمريكا من دارسي مواقفها. هذا ينطبق أيضاً على أعداء أمريكا. في الواقع هذا ينطبق على كل المعنين بالسياسة ما عدا قادة دول تبلغهم أمريكا بما تريد منهم.

في هذا السياق المربك، ما يزال ملف المعارضة للأنظمة الديكتاتورية من أجل قيام أنظمة ديمقراطية ملفاً أسود. خاصة في الشرق الأوسط. الصحيح طبعاً أنّ أمريكا تتعامل مع وضع كل دولة على حدة، لكن الصحيح أيضاً أن هذه المعاملة تأتي في سياق أن أمريكا تعتبر منطقة الشرق الأوسط برمتها ملفاً أمنياً اقتصادياً بالدرجة الأولى. الأمن وما يوفره للاقتصاد الأمريكي من تلك البقعة من العالم، هذه البقعة المليئة بالنفط والثروات وإسرائيل، هذه المنطقة عبارة عن مناطق بينها حدود تسمى دول، في كل منطقة حاوٍ وسجّان.

مع الفارق النسبي بين منطقة وأخرى أو بين دولة وأخرى. أمريكا تضفي شرعيتها على سلطات هذه الدول، على الحواة والسجانين، على المجازر والسجون المليئة بالمعتقلين، على الدمار والتهجير والاقتلاع إذا اقتضى الأمر ذلك. في نفس الوقت أمريكا في سجلها أنها الدولة الأكثر تبرعاً في الحقل الإنساني عبر الأمم المتحدة، وأحياناً مباشرة، للحد من الكوارث والحد من عدد الضحايا بعد المجازر وليس قبلها. يقول أحدهم: لولا أمريكا لابتلع بوتين والأسد سوريا وشعبها. نعم لولا أمريكا لدفن الأسد وبوتين وملالي طهران السوريين قبل أن يتسنى لهم الهرب. فكان الاقتلاع والتهجير حلاً وسطاً بين هذا الثلاثي وبين أمريكا.

نعم في الملف السوري أمريكا أكثر من قدّم مساعدات إنسانية لتلافي بعض النتائج التي سمحت بها بحرب هؤلاء الثلاثي على الشعب السوري، وأدخلت تركيا لاحقاً بالمعادلة. الشيء بالشيء يذكر، لفتت نظري تصريحات لأردوغان ومسؤولين أتراك عن ضرورة خروج أمريكا من سوريا، علماً أنّ تركيا موجودة في سوريا بتنسيق مع أمريكا. مصلحة تركيا الفعلية تقتضي بقاء أمريكا، لأنّه لولا أمريكا لابتلعت روسيا ما يعرف بالمنطقة التركية في سوريا، رغم أن هذا الاحتمال ما يزال قائماً إذا غضّت أمريكا الطرف وأعطت روسيا الضوء الأخضر في اجتياح الشمال الغربي السوري. لهذا نجد أنّ قادة دول المنطقة يتنمرون إعلامياً على أمريكا وهم في ظلّها يعيشون، وأكثر من يفعل ذلك هم الأتراك والملالي والأسد وبوتين شخصياً.

هكذا شاءت أمريكا أن تحوّل سوريا إلى بقعة غير معينة يحكمها أمراء حرب من محتلين وأدواتهم. أمريكا أكثر من تدرك أنّ من دفع ويدفع ثمن خيارها هذا هو الشعب السوري بكل مكوناته. لم يدخل محتلّ إلى سوريا إلا بتنسيق مع أمريكا. هل هذه تحتاج لمراكز بحوث ودراسات؟ أيضاً الشيء بالشيء يذكر في هذا السياق، التصريح الروسي عن قرب عقد اجتماع أمني بين رؤساء مكاتب شؤون الأمن القومي في روسيا وأمريكا وإسرائيل ضمن اقتراح إسرائيلي، هل لأنّ هذه الدول الثلاث هي المقررة النهائية بالشأن السوري؟ أم لأن أمريكا تريد هذه المساحة للتشاور نحو مزيد من خراب ما هو مخرب؟ فالأردن طبّع مع الأسد، والعراق مطبع مع إيران، ولبنان حزب الله الذي يقتل السوريين، وبشارة الراعي الذي يطالب بطرد اللاجئين السوريين من لبنان.

استثناء تركيا وإيران من هذا الاجتماع دليل أن حصتهما في سوريا ما تزال قيد البحث الأمريكي. أمريكا من القوة بحيث كان بإمكانها وقف المأساة السورية قبل بدئها بعد انطلاق ثورتها بأشهر، على أبعد تقدير، عام 2011. لكنها أرادتها حقلاً مفتوحاً للجريمة والإبادة بحق هذا الشعب الذي لم يفعل شيئاً سوى أنه أراد أن يعيش بحرية وكرامة. أخطر ما يوجه المحنة السورية في الواقع من أجل أجيالنا القادمة هو تبرئة أمريكا. إنه تزوير للتاريخ من جهة، ويجعل المرء نفسه أمريكياً أكثر من أوباما صاحب الكيماوي.

كنا في مأساتنا هذه وكانوا في جريمتهم بأمريكا. الجميع في سوريا كانوا بأمريكا. مع ذلك ستبقى مراكز البحوث الأمريكية مختلفة حول تاريخ ما جرى ويجري في سوريا والمنطقة. وستبقى ترجمة هذه البحوث والدراسات قائمة. تقييم الذات ونقدها يجري في سياق معرفة مواقف الدول الفاعلة في الملف. المعارضة السورية رغم تفاهة من تصدروها بعد غربلة أمريكية تركية وغيرها، هي نتيجة وليست سبباً. نتيجة للمذبحة التي كانت أمريكية بامتياز بأيد غير أمريكية، والحبل على الجرار.

غسان المفلح

ليفانت – غسان المفلح

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit