رواية “دمشق التي ترتدي خوذة” في زمن الحرب والسياسة

لا تقدّم الحياة ذاتها كما هي في خيال المبدع، وإنما يعيد الكاتب تقديمها في ذوات أبنائها المخلصين أينما كانوا وأينما حلّوا، وهذا ما عمل عليه المسرحي والروائي “المهند حيدر” في روايته “دمشق التي ترتدي خوذة” الصادرة عن دار نينوى بدمشق في العام الجاري.

دمشق زمن الحرب:
تختلف دمشق (العاصمة السورية) في زمن الحرب عن ذاتها في أوقات السلم، فهي في زمن الحرب ارتدت حلّتها العسكرية لتخوض غمار الحرب، فالمكان الذي يتناوله الروائي يقصد فيه المكان كمصداقية وكمثال، فهو في الحالة المجردة والنموذج الذهني للأمكنة جميعاً، أما المكان كمصداقية، فيقصد منه المكان والبيئة أو الطراز المحدد لمواقع دمشق بعينها، وهو ما يمت لمفهوم البيئة والتضاريس الجغرافية، والمكان المعمار الاجتماعي والثقافي والمعطى النصي من قبل المؤلف بصفته أرضية وإطاراً للحدث الروائي، كما أنه الموقع التاريخي المرتبط بالحدث الدرامي، والمكان الشرطي الذي تفترضه الوظيفة والمكانة الاجتماعية للشخصيات، وأيضاً المكان المتخيل والمتجسد في الفضاء الروائي بشكله الواقعي والتجريبي.

فدمشق وقفت على أطرافها الحرب في الضواحي مع محاولات التقدّم نحوها دون أن تحقق أي تقدم نحو شوارعها وبيوتها ومؤسساتها، ويظهر ذلك جلياً في الرواية من خلال التفجير الذي حصل في ساحة المرجة منذ سنوات طويلة، وانهار على أثره زجاج (المسرح العسكري، سينما العباسيين سابقاً)، ووضعت ألواح خشبية مكانه، حيث نجد الحديث الطويل عن الحراسات في (المسرح، السينما)، إذ يقول: “مشيت بتثاقل حتى وصلت الباب الخارجي لصالة المسرح العسكري، حيث كان يجلس خالد الحارس اليافع نصف نائم محتضناً بندقية ذات المخزن الفارغ من الطلقات كما هي الأوامر الصارمة، فعلى الرغم أننا وسط دمشق إلا أنه سبق وأن حدثت عدة عمليات تفجير قريبة منا، أطاحت إحداها بالعشرات من المارة، وبجميع الواجهات الزجاجية للمحلات والمكاتب على مدى مائتي متر، بما فيها الواجهات الزجاجية الثلاث الضخمة لهذا المسرح، لتستبدل لاحقاً بألواح خشبية حجبت الضوء عن داخل الصالة، محولة المسرح إلى قبر مغلق ومعتم ورطب”.

فالمصداقية في الواقع التي حدثت فجر المكان من المسرح والسينما إلى القبر، وهذا تغير في وظيفة المكان من مكان للفرح والسعادة والعمل إلى مكان للموت واللاحياة، وعدم القدرة على الدفاع عن الذات كأفراد، ولا عن المكان كمؤسسة قابلة للحياة.

ويعمق الروائي حيدر مفهوم المكان الدمشقي للموت إذ يقول: “حين كانت تهبط قذائف الهاون فاردة ملاءة الموت على دمشق، كان الكثيرون في حين يتركون بيوتهم ويلجؤون إلى مقهى الروضة المزدحم، وغير المسقوف أصلاً، ليشربوا قهوة جماعية على شرف توقع الموت بقذيفة تحيل المكان إلى مجزرة، وكنت أنا من هؤلاء الناس”.

إن عملية اختيار مكان الموت المرتبط بالموقع التاريخي والثقافي للحياة الدمشقية، كمقهى الروضة، هي جزء من الدفاع الذاتي كروح للفرد نحو الحالة الجماعية، والموت الجماعي في لحظة من لحظات الخيار بين الموت الفردي والموت الجماعي.
هذه الحالة تكون فقط في وضعية القذائف، لكن تبقى دمشق، رغم كل الوضع المأساوي الذي عاشته في تلك السنوات، إلا أنه يبقى هنالك الكثير من الجمال الطبيعي الدمشقي يتناوله الروائي حيث يذكر “سرنا أنا وعامر بضع خطوات لنجد أنفسنا داخل المنزل، ومن ثم فجأة على شرفته كان مطلاً على دمشق كما لو أنه قاسيون. أردت أن أناديه ليرى الإطلالة البديعة لهذه المدينة التي لم نرها من الأعلى”.

ويفرد للمنحى الجمالي نظرة إلى دمشق عندما يتذكر علاقة الشاعر الدمشقي نزار قباني بمدينته حين يقول: “فترى أحجار شوارع دمشق تزهر برومنسية طفولية كقصيدة لنزار قباني، لتمشي على ياسمينها الأبيض بقدميها الحافيتين.. لارا خذيني في هذيانك أيتها المزملة بالبياض”.

السياسة والخطف في الرواية:


لا تظهر السياسة في الرواية بشكل مباشر كفعل سياسي وعلاقات سياسية ودبلوماسية في الحقل (الدبلوماسي- السياسي)، وإنما تظهر كفضاء عام روائي لديه بعض الخصوصية لبعض شخصياته الروائية التي تنتمي إلى اليسار، وكذلك وجود بعض القادة العسكريين المعروفين من قادة الفصائل العسكرية المحيطة بدمشق. بالإضافة إلى الحالة التي يتركها أثر الفضاء العام العسكري المحيط بدمشق من مفاعيل الحالة العسكرية التي تأخذ منحى سياسي.
فمنذ بداية الرواية يضع إحدى شخصياته الأساسية، “رند ابنة الجارة الشيوعية القديمة لأهلي في مدينة سلمية”، القادمة من بلاد لم تعد موجودة على الخرائط، وتلتقي به مصادفة في السرفيس وتخبره أنها كانت في ساحة التحرير الدمشقية “ما كنا كتار.. يمكن يكون في حدا ملاحقني”.

والمحطة السياسية التالية تكون عندما يسأل صديقته مروة ساخراً “مانك خايفة من أبو علي خبية؟
أجابت دون اهتمام: مين هاد؟!

مبارح قال إنو بدو يضرب ميتين قذيفة هاون ع الشام، بمناسبة الانتخابات”.
إن أسلوب السخرية من القائد العسكري أبو علي خبية، يقدم الموقف الحقيقي الشعبي في تلك المرحلة من خبية وتهديداته لسكان مدينة دمشق في أحيائهم.
ويتابع خط السخرية “كأننا مخلوقات علوية مختلفة عنهم، نحيا كما لا يحيون، نمتلك مالا يمتلكون، ونرى ما لا يرون، كعرافي الآلهة القديمة أو مثل “شامان” بملابس عصرية.

وفي الحقيقة ما هي إلا مجرد لافتات لا قيمة لها، كأكوام لافتات المترشحين لانتخابات مجلس الشعب المنتشرة، معلقة فوق بعضها البعض على تقاطع الصالحية مع شارع العابد، بشعاراتهم التي لا تعني أحداً، ووجوههم التي لا يعرفها أحد، تلك الوجوه التي تضحك في صورهم المعلقة، ساخرة من جموع العابرين تحتها، وهم يحاولون إكمال حياتهم دون شعارات”.

السخرية المريرة التي يقدّمها حيدر من مرشحي مجلس الشعب أنهم غير معنيين بالشعب، وإنما معنيون بأنفسهم فقط، فصورهم الضاحكة تذكر السوريين بالبقرة الضاحكة في الإعلانات التلفزيونية من الجبنة إلى السمنة.
ويعرض لماذا لم ينفّذ أبو علي خبية وعده، فيقول: “لم ينفذ أبو علي وعده بإطلاق مائتي قذيفة هاون على دمشق احتفالاً بانتخابات الأعضاء الجدد لمجلس الشعب، الذي كان يقع على مسافة مئة متر من شقتي أو أكثر بقليل، بعد الوساطة الروسية والدستور الجديد. فقد أخرست صواريخ (الفيل) المنطلقة من جبل قاسيون المطل على دمشق مدافع الهاون في حي جوبر، الذي يقع في الشرق على بعد كيلو مترين بعد القذيفة الثانية والستين، لكنه اليوم على ما يبدو قرر المحاولة مجدداً”.

إن السخرية الواضحة من قذائف أبو علي خبية هي تحولها من ضربها لمنع الانتخابات، إلى الاحتفاء بأعضاء مجلس الشعب الجدد، يبين هزالة هذه الفصائل ومحتواها السياسي.

ويعود ليلتقي رند في مطعم نينار التي تحدثه عن والدها “عرفت فيما بعد أن والدها الذي كان من محرري (الراية الحمراء)، الصحيفة الناطقة باسم رابطة العمل الشيوعي، عاش سنوات الثمانينات متخفياً في مطاردات مستمرة قبل أن يعتقل عام 1992، ليقضي تسع سنوات في السجن، ولتراه للمرة الأولى، وهي في الحادية عشرة من عمرها. روت لي بحماس كيف كان ينتقل من منزل صديق إلى آخر، وكيف كان يتسلل سراً عن أعين المخبرين والمطاردين ليضاجع والدتها بشوق قبل أن يهرب مجدداً عند صلاة الفجر”.
إن فعل التخفي والملاحقة هو عمل نضالي ينتمي إلى مدرسة سياسية في الساحة السورية تأسست مع وجود الشيوعيين منذ ما قبل الاستقلال مروراً بالمرحلة الناصرية إلى المرحلة البعثية.

لكن حياة والد رند لا تتوقف هنا بل تفصح له أن والدها مخطوف “بابا مخطوف”.. شرحت لي بشكل مفصل كيف تم اختطاف والدها قبل خمسة عشر يوماً وهو قادم لزيارتها في دمشق. أوقفوا سيارته وأجابوه حين قال لهم بأنه معارض سياسي، وأنه أمضى تسع سنوات في السجن: “طز.. نحن حرامية”.

هؤلاء طلبوا فدية بقيمة أربعين ألف دولار كي لا يقتلوه، ورغم محاولات فك خطف والدها، لم تنجح بتسليم الفدية، إلا أن ما كان في شوال الذي كان يجب أن يكون به، يخرج منه غزال، ولم يستطيعوا ملاحقة الخاطفين “أعود إلى الرجل الذي أحصى المبلغ بعينين خبيرتين دون أن يخرجه من الكيس. أشار لرفاقه بيده فأنزلوا من صندوق البيك أب شوال خيش كبير بخط أحمر، من النوع الذي كنا نطلق عليه قديماً في قرانا (عدل أبو ميل).

كان الشوال يتحرّك مما منحنا بعض الثقة أن والدها على قيد الحياة داخله. أمرني بأن لا أفتح الشوال إلا بعد مغادرتهم.. أفلت حسن ذراع رند لتنطلق كعاصفة مباغتة نحو والدها وصرخاتها تشق الصمت المهيب للمكان: بابا.. بابا.. تجاوزتني، فركضت خلفها، انهارت على شوال الخيش القائم لتشق بأظافرها المقضومة أليافه الثخينة، وقبل أن أصل إليها انطلق من بطن الشوال (العدل أبو ميل) غزال صغير بلون غباري محمر”.

إن ما تقدم من رواية “دمشق التي ترتدي خوذة” هو غيض من فيض، حيث تحفل الرواية بالكثير مما يتوجب القول به في السرد وتنوعه، والأمكنة وتنوعها، والمسرح ووظيفته في الرواية، والحب والجنس والنساء، والكتابة الروائية ومستوياتها، والمثقفين والمجندين الإجباريين ومستويات العشق الأنثوي جسدياً وبعيداً عنه.

أخيراً.. إن رواية “دمشق التي ترتدي خوذة” للمهند حيدر تستحق القراءة والكتابة عنها في عدد من المستويات.

ليفانت – ماهر إسماعيل

لا تقدّم الحياة ذاتها كما هي في خيال المبدع، وإنما يعيد الكاتب تقديمها في ذوات أبنائها المخلصين أينما كانوا وأينما حلّوا، وهذا ما عمل عليه المسرحي والروائي “المهند حيدر” في روايته “دمشق التي ترتدي خوذة” الصادرة عن دار نينوى بدمشق في العام الجاري.

دمشق زمن الحرب:
تختلف دمشق (العاصمة السورية) في زمن الحرب عن ذاتها في أوقات السلم، فهي في زمن الحرب ارتدت حلّتها العسكرية لتخوض غمار الحرب، فالمكان الذي يتناوله الروائي يقصد فيه المكان كمصداقية وكمثال، فهو في الحالة المجردة والنموذج الذهني للأمكنة جميعاً، أما المكان كمصداقية، فيقصد منه المكان والبيئة أو الطراز المحدد لمواقع دمشق بعينها، وهو ما يمت لمفهوم البيئة والتضاريس الجغرافية، والمكان المعمار الاجتماعي والثقافي والمعطى النصي من قبل المؤلف بصفته أرضية وإطاراً للحدث الروائي، كما أنه الموقع التاريخي المرتبط بالحدث الدرامي، والمكان الشرطي الذي تفترضه الوظيفة والمكانة الاجتماعية للشخصيات، وأيضاً المكان المتخيل والمتجسد في الفضاء الروائي بشكله الواقعي والتجريبي.

فدمشق وقفت على أطرافها الحرب في الضواحي مع محاولات التقدّم نحوها دون أن تحقق أي تقدم نحو شوارعها وبيوتها ومؤسساتها، ويظهر ذلك جلياً في الرواية من خلال التفجير الذي حصل في ساحة المرجة منذ سنوات طويلة، وانهار على أثره زجاج (المسرح العسكري، سينما العباسيين سابقاً)، ووضعت ألواح خشبية مكانه، حيث نجد الحديث الطويل عن الحراسات في (المسرح، السينما)، إذ يقول: “مشيت بتثاقل حتى وصلت الباب الخارجي لصالة المسرح العسكري، حيث كان يجلس خالد الحارس اليافع نصف نائم محتضناً بندقية ذات المخزن الفارغ من الطلقات كما هي الأوامر الصارمة، فعلى الرغم أننا وسط دمشق إلا أنه سبق وأن حدثت عدة عمليات تفجير قريبة منا، أطاحت إحداها بالعشرات من المارة، وبجميع الواجهات الزجاجية للمحلات والمكاتب على مدى مائتي متر، بما فيها الواجهات الزجاجية الثلاث الضخمة لهذا المسرح، لتستبدل لاحقاً بألواح خشبية حجبت الضوء عن داخل الصالة، محولة المسرح إلى قبر مغلق ومعتم ورطب”.

فالمصداقية في الواقع التي حدثت فجر المكان من المسرح والسينما إلى القبر، وهذا تغير في وظيفة المكان من مكان للفرح والسعادة والعمل إلى مكان للموت واللاحياة، وعدم القدرة على الدفاع عن الذات كأفراد، ولا عن المكان كمؤسسة قابلة للحياة.

ويعمق الروائي حيدر مفهوم المكان الدمشقي للموت إذ يقول: “حين كانت تهبط قذائف الهاون فاردة ملاءة الموت على دمشق، كان الكثيرون في حين يتركون بيوتهم ويلجؤون إلى مقهى الروضة المزدحم، وغير المسقوف أصلاً، ليشربوا قهوة جماعية على شرف توقع الموت بقذيفة تحيل المكان إلى مجزرة، وكنت أنا من هؤلاء الناس”.

إن عملية اختيار مكان الموت المرتبط بالموقع التاريخي والثقافي للحياة الدمشقية، كمقهى الروضة، هي جزء من الدفاع الذاتي كروح للفرد نحو الحالة الجماعية، والموت الجماعي في لحظة من لحظات الخيار بين الموت الفردي والموت الجماعي.
هذه الحالة تكون فقط في وضعية القذائف، لكن تبقى دمشق، رغم كل الوضع المأساوي الذي عاشته في تلك السنوات، إلا أنه يبقى هنالك الكثير من الجمال الطبيعي الدمشقي يتناوله الروائي حيث يذكر “سرنا أنا وعامر بضع خطوات لنجد أنفسنا داخل المنزل، ومن ثم فجأة على شرفته كان مطلاً على دمشق كما لو أنه قاسيون. أردت أن أناديه ليرى الإطلالة البديعة لهذه المدينة التي لم نرها من الأعلى”.

ويفرد للمنحى الجمالي نظرة إلى دمشق عندما يتذكر علاقة الشاعر الدمشقي نزار قباني بمدينته حين يقول: “فترى أحجار شوارع دمشق تزهر برومنسية طفولية كقصيدة لنزار قباني، لتمشي على ياسمينها الأبيض بقدميها الحافيتين.. لارا خذيني في هذيانك أيتها المزملة بالبياض”.

السياسة والخطف في الرواية:


لا تظهر السياسة في الرواية بشكل مباشر كفعل سياسي وعلاقات سياسية ودبلوماسية في الحقل (الدبلوماسي- السياسي)، وإنما تظهر كفضاء عام روائي لديه بعض الخصوصية لبعض شخصياته الروائية التي تنتمي إلى اليسار، وكذلك وجود بعض القادة العسكريين المعروفين من قادة الفصائل العسكرية المحيطة بدمشق. بالإضافة إلى الحالة التي يتركها أثر الفضاء العام العسكري المحيط بدمشق من مفاعيل الحالة العسكرية التي تأخذ منحى سياسي.
فمنذ بداية الرواية يضع إحدى شخصياته الأساسية، “رند ابنة الجارة الشيوعية القديمة لأهلي في مدينة سلمية”، القادمة من بلاد لم تعد موجودة على الخرائط، وتلتقي به مصادفة في السرفيس وتخبره أنها كانت في ساحة التحرير الدمشقية “ما كنا كتار.. يمكن يكون في حدا ملاحقني”.

والمحطة السياسية التالية تكون عندما يسأل صديقته مروة ساخراً “مانك خايفة من أبو علي خبية؟
أجابت دون اهتمام: مين هاد؟!

مبارح قال إنو بدو يضرب ميتين قذيفة هاون ع الشام، بمناسبة الانتخابات”.
إن أسلوب السخرية من القائد العسكري أبو علي خبية، يقدم الموقف الحقيقي الشعبي في تلك المرحلة من خبية وتهديداته لسكان مدينة دمشق في أحيائهم.
ويتابع خط السخرية “كأننا مخلوقات علوية مختلفة عنهم، نحيا كما لا يحيون، نمتلك مالا يمتلكون، ونرى ما لا يرون، كعرافي الآلهة القديمة أو مثل “شامان” بملابس عصرية.

وفي الحقيقة ما هي إلا مجرد لافتات لا قيمة لها، كأكوام لافتات المترشحين لانتخابات مجلس الشعب المنتشرة، معلقة فوق بعضها البعض على تقاطع الصالحية مع شارع العابد، بشعاراتهم التي لا تعني أحداً، ووجوههم التي لا يعرفها أحد، تلك الوجوه التي تضحك في صورهم المعلقة، ساخرة من جموع العابرين تحتها، وهم يحاولون إكمال حياتهم دون شعارات”.

السخرية المريرة التي يقدّمها حيدر من مرشحي مجلس الشعب أنهم غير معنيين بالشعب، وإنما معنيون بأنفسهم فقط، فصورهم الضاحكة تذكر السوريين بالبقرة الضاحكة في الإعلانات التلفزيونية من الجبنة إلى السمنة.
ويعرض لماذا لم ينفّذ أبو علي خبية وعده، فيقول: “لم ينفذ أبو علي وعده بإطلاق مائتي قذيفة هاون على دمشق احتفالاً بانتخابات الأعضاء الجدد لمجلس الشعب، الذي كان يقع على مسافة مئة متر من شقتي أو أكثر بقليل، بعد الوساطة الروسية والدستور الجديد. فقد أخرست صواريخ (الفيل) المنطلقة من جبل قاسيون المطل على دمشق مدافع الهاون في حي جوبر، الذي يقع في الشرق على بعد كيلو مترين بعد القذيفة الثانية والستين، لكنه اليوم على ما يبدو قرر المحاولة مجدداً”.

إن السخرية الواضحة من قذائف أبو علي خبية هي تحولها من ضربها لمنع الانتخابات، إلى الاحتفاء بأعضاء مجلس الشعب الجدد، يبين هزالة هذه الفصائل ومحتواها السياسي.

ويعود ليلتقي رند في مطعم نينار التي تحدثه عن والدها “عرفت فيما بعد أن والدها الذي كان من محرري (الراية الحمراء)، الصحيفة الناطقة باسم رابطة العمل الشيوعي، عاش سنوات الثمانينات متخفياً في مطاردات مستمرة قبل أن يعتقل عام 1992، ليقضي تسع سنوات في السجن، ولتراه للمرة الأولى، وهي في الحادية عشرة من عمرها. روت لي بحماس كيف كان ينتقل من منزل صديق إلى آخر، وكيف كان يتسلل سراً عن أعين المخبرين والمطاردين ليضاجع والدتها بشوق قبل أن يهرب مجدداً عند صلاة الفجر”.
إن فعل التخفي والملاحقة هو عمل نضالي ينتمي إلى مدرسة سياسية في الساحة السورية تأسست مع وجود الشيوعيين منذ ما قبل الاستقلال مروراً بالمرحلة الناصرية إلى المرحلة البعثية.

لكن حياة والد رند لا تتوقف هنا بل تفصح له أن والدها مخطوف “بابا مخطوف”.. شرحت لي بشكل مفصل كيف تم اختطاف والدها قبل خمسة عشر يوماً وهو قادم لزيارتها في دمشق. أوقفوا سيارته وأجابوه حين قال لهم بأنه معارض سياسي، وأنه أمضى تسع سنوات في السجن: “طز.. نحن حرامية”.

هؤلاء طلبوا فدية بقيمة أربعين ألف دولار كي لا يقتلوه، ورغم محاولات فك خطف والدها، لم تنجح بتسليم الفدية، إلا أن ما كان في شوال الذي كان يجب أن يكون به، يخرج منه غزال، ولم يستطيعوا ملاحقة الخاطفين “أعود إلى الرجل الذي أحصى المبلغ بعينين خبيرتين دون أن يخرجه من الكيس. أشار لرفاقه بيده فأنزلوا من صندوق البيك أب شوال خيش كبير بخط أحمر، من النوع الذي كنا نطلق عليه قديماً في قرانا (عدل أبو ميل).

كان الشوال يتحرّك مما منحنا بعض الثقة أن والدها على قيد الحياة داخله. أمرني بأن لا أفتح الشوال إلا بعد مغادرتهم.. أفلت حسن ذراع رند لتنطلق كعاصفة مباغتة نحو والدها وصرخاتها تشق الصمت المهيب للمكان: بابا.. بابا.. تجاوزتني، فركضت خلفها، انهارت على شوال الخيش القائم لتشق بأظافرها المقضومة أليافه الثخينة، وقبل أن أصل إليها انطلق من بطن الشوال (العدل أبو ميل) غزال صغير بلون غباري محمر”.

إن ما تقدم من رواية “دمشق التي ترتدي خوذة” هو غيض من فيض، حيث تحفل الرواية بالكثير مما يتوجب القول به في السرد وتنوعه، والأمكنة وتنوعها، والمسرح ووظيفته في الرواية، والحب والجنس والنساء، والكتابة الروائية ومستوياتها، والمثقفين والمجندين الإجباريين ومستويات العشق الأنثوي جسدياً وبعيداً عنه.

أخيراً.. إن رواية “دمشق التي ترتدي خوذة” للمهند حيدر تستحق القراءة والكتابة عنها في عدد من المستويات.

ليفانت – ماهر إسماعيل

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit