جامعات و”إعادة توطين”… قوة ناعمة تركية لنفوذ أكثر استدامة في الشمال السوري

النفوذ التركي في الشمال السوري واقع سيتسمر طويلاً بعد الانسحاب العسكري

يذهب نائب مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس ديديه بيون في إحدى مقابلاته إلى أن معادلة رسم حدود جديدة بالنسبة لتركيا على الحدود الجنوبية لها مع سوريا “مبالغة” في غير مكانها في الوقت الحالي، طالما أن الصراع العسكري في سوريا لم يحسم تماماً والحضور الكردي حاضر على الأرض فإن إعادة تشكيل الحدود أمر صعب ولن يحدث.

الأمر الذي لا يعني أن استمرار الحضور/النفوذ التركي في شمال سوريا لن يكون طويل الأمد حتى مع عودة “سيطرة” دمشق وفق تسوية دولية. إن الخطورة تكمن في استمرارية هذا الاحتلال غير المباشر عن طريق وكلاء (ميليشيات) وممارسات التهجير وإعادة التوطين لسوريين آخرين منسجمين مع تركيا وثقافتها سواء كانوا سوريين عرب أو تركمان، فضلاً عن استمرار كل التسهيلات ومنها البنية التحتية لفرض الثقافة التركية وضمناً اللغة.

يتخطى الأمر تبعات ما يتعلق بالوجود العسكري التركي كقوة احتلال مؤقتة لم تنجز اتفاقاً مع أي سلطات محلية، فنحن نشهد على نحو معقول نسبياً بناء بنية تحتية تركية تتمثل بالمدارس والمستشفيات وشبكات الري والجامعات والمشافي والمستوصفات ومؤسسات اقتصادية صغيرة ومتوسطة …). قد تبدو مؤشرات على إرادة البقاء أو الحضور إلى أمد طويل في جغرافيا الشمال السوري من خلال القوى الناعمة أيا تكن التسويات التي ستلحظ مصلحة تركيا بالأمن القومي والمكسب الاقتصادي حتى مع عودة قواتها إلى داخل حدودها الوطنية.

لكن أيضاً يمارس الاحتلال التركي الانتهاكات بحق سكان شمال سوريا الأصليين من خلال وكلاء مرتزقة سوريين وأجانب يوفر لهم التغطية ويساعدون في دعم مسار ديمومة النفوذ التركي في الشمال بينما يخفّض عدد قواته ويكتفي بالتوزع في نقاط وقواعد محددة متاخمة على الحدود.
هناك رأي بأن تركيا قلّما انسحبت من جغرافيا احتلتها بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وظهور الدولة القومية الكمالية. لقد جرى الضم بالقوة للقسم اليوناني من تركيا في الجهة الغربية وذهبت أراضي اليونان إلى غير رجعة.

لطالما كانت حدود تركيا الجنوبية مع سوريا مسألة بالغة الأهمية متعلقة بالأمن القومي التركي، وكانت الفرصة سانحة لضرب مشروع الإدارة الذاتية جيوسياسياً “الحزام الكوردي في الشمال السوري” الواصل حتى عفرين من خلال غزو الأخيرة في عملية “درع الزيتون” وشمال سوريا حلب والرقة في عملية “درع الفرات” وفرض مشروع المنطقة الآمنة التي حظيت بتأييد أوروبي. كانت الحجة وجود نشاط لحزب العمال الكردستاني في عفرين ومناطق أخرى من الشمال والشمال الشرقي في سوريا وهو المصنف على قوائم الإرهاب في تركيا على أنه يتمظهر الآن بشكل أو بآخر من خلال بعض مؤسسات الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا السياسية والعسكرية الرسمية أو الخاصة.

النفوذ مستمر حتى مع الانسحاب التركي عسكرياً

حتى وقت قريب كُشفت تفاصيل اتفاق أضنة الذي أبرمه الأسد الأب مع الجانب التركي، يسمح للأخيرة بملاحقة أعدائها (PKK) لمسافة تصل 5 كيلو متر داخل الأراضي السورية وإقامة ما يلزم لذلك إذا اضطر الأمر في حدود هذا العمق. لكن أنقرة تخطته وتجاوزت 30 كيلو متر.

في تلك الأيام لم يكن نشاط حزب العمال الكردستاني بالزخم الذي يمكن مقارنته بما لدينا حاليا على الأرض من معطيات متداخلة على الصعيد الأمني والسياسي بالنسبة لشمال شرق سوريا على وجه التحديد؛ تجعل “تركيا أردوغان بهجلي” أمام سيناريو اتفاق مع “دمشق المستقبل” أكثر تفصيلاً وأشد وطأةً على الجانب السوري، فليس هناك ما يجعل تركيا ترمي كل مكاسبها على الأرض ببساطة أيا تكن الصفقة مع دمشق أو موسكو بينما واشنطن نأت بنفسها عن هذا البازار بعد أن فوّضت دول الإقليم وروسيا بملف الأرض السورية المحروقة.

خريطة النفوذ والسيطرة.. اضغط للتكبير

يرى الأكاديمي والباحث في الشؤون السياسية الدكتور صلاح نيوف: “أن أي تسوية ستحصل ستلحظ اتفاقات سابقة كاتفاق أضنة 1998، ومن الوارد إعادة إحياءها فهي تمنح تركيا امتيازات كالتدخل العسكري في الأراضي السورية حتى عمق 5 كم ويمكن أن يبنى على هذه الاتفاقات إضافات جديدة”.
يضيف نيوف في تصريح لليفانت نيوز: “إن تركيا لديها القدرات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية والثقافية والعلاقات الإقليمية والدولية لمنع أي تسوية لا تخدم مصالحها، هذا أمر يجب أخذه بالحسبان”.

في ضوء هذه المعطيات، ما يجعلنا نعتقد أن الانطباع المتشكل لدى القيادات التركية يجعلها ترتاح لجهة سيناريو الحل أياً يكن مع دولة ضعيفة وفاشلة كسوريا، وإعادة تقاسم السيطرة إذا جاز التعبير مع سلطة دمشق بقيادة بشار الأسد مرحليا.

الأمر الذي يجعل تركيا تستأنس بنفوذ طويل الأمد مع وجود جمهور سوري يقبل بها جرى تهجيره على مراحل من قبل نظام الأسد وتوطينه وأدلجته في إدلب وشمال حلب وإقليم عفرين، وفي المنطقة الأخيرة على حساب تهجير الكورد السوريين من بيوتهم في عفرين. لقد انخفضت نسبتهم إلى 15 % هذه الأيام تقريباً و 20 % في يناير 2020 حسب إحصائيات محلية؛ بسبب استقدام مهجرين من عائلات مقاتلي الفصائل الموالية لتركيا وخصوصاً من الأقلية التركمانية إلى جانب الأجانب أيضا. نعم يحصل في عفرين جريمة حرب وتطهير عرقي، فلا يجري توطين النازحين مؤقتاً بسبب الحرب وتهجيرهم أو هربهم من بلادهم من بسبب نظام الأسد، فأصحاب الأرض يُطردون لحساب طوق “تركماني” سوري وسوري عربي على طول الحدود ما أمكن.

هناك وكلاء من الميليشيات كبيادق ورخ متقدمين تساعد في حماية ونجاعة المشاريع/القوى الناعمة لتركيا التي تؤسس لوجود مستدام. وفي نفس طويل تشتغل فيه الدعاية وحزم من إبر التدجين على أوسع نطاق مع القاطنين الجدد من النازحين السوريين من بقية المناطق السورية، ولاسيما دمشق ودير الزور والرقة في إدلب وعفرين وشمال حلب أماكن “سكنهم الجديدة”.

جرياً على الإمكانية المتاحة بوجود طويل الأمد ولا نعني هنا احتلال دائم أو غزو مستمر بل نلحظ اتفاقاً ما مستقبلا، لا يعني أن لا تسعى تركيا لتأسيس البنى التحتية “للغزو الثقافي”، أو كما يقول د. نيوف فرض الثقافة التركية بالمعنى الواسع للمركب الثقافي من الفنون بأنواعها والتقاليد والتعليم واللغة النظام المؤسساتي… كما أن فرض الثقافة التركية هو مشروع قديم وكان واضح المعالم بشكل أكبر مع نهاية الإمبراطورية العثمانية وظهور الدولة التركية القومية الكمالية.

بينما تمثل الجامعات قلعة متقدمة في مسلسل “الغزو الثقافي”، تستمر السلطات التركية بإنشاء المزيد من التجمعات الاستيطانيّة في مدينة عفرين، وذلك لترسيخ التغيير الديمغرافي وتغيير هوية عفرين الكوردية. وتعمل تركيا على بناء كانتونات سكنية في الشمال السوري للنازحين الجدد وتوفير بنى تحتية خدمية كفرع لمؤسسة البريد التركية بمدينة تل أبيض، الواقعة ضمن ما اصطلحت تركيا تسميته  منطقة “نبع السلام” شمال شرقي سوريا، كما يجري بناء مستوطنات في المناطق الكوردية في عفرين بعد تهجير أهلها في مساعٍ لتغيير ديمغرافي مع استقدام نازحين منسجمين مع التوجهات التركية. وتواصل تركيا تقديم الدعم في مجالات متعددة؛ تشمل المواصلات والبنية التحتية والتعليم الأساسي والعالي والأمن والصحة، ولاسيما في عفرين  حيث تبنى قرى جديدة للنازحين.

جامعات تركية على أراض سورية… مراسيم السلطان

مع كل احتلال أو غزو عسكري يرافقه “غزو ثقافي” يُؤسس له بنى تحتية لازمة تتفاوت في ثقلها وأحجامها وفقاً لمعطيات محلية ودولية، وكانت الجامعات خطوة تأسيسية بالنسبة لخطة النفوذ التركية في الشمال السوري. ففي 7 فبراير أصدر رجب طيب أردوغان الرئيس التركي الحالي وزعيم حزب العدالة والتنمية الإسلامي مرسوماً بإنشاء كلية طب ومعهد عالي للعلوم الصحية في بلدة الراعي الوقعة ضمن ما يعرف بمنطقة “درع الفرات” بريف محافظة حلب شمال سوريا. تتبع كلا المؤسستين إلى جامعة العلوم الصحية التركية بإسطنبول. أيضا في عام 2018 افتتحت جامعة حران التركية بدعم من هيئة الإغاثة التركية فرعاً لها في مدينة الباب في ريف حلب الشرقي. وتوفر هذه الجامعة الدراسة للطلاب ضمن ست تخصصات، تشمل: الهندسة المدنية والكهربائية والميكانيكية، والرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء، لكنّ بُعد الجامعات في الباب يحرم أو يؤخر كثير من الطلاب في إدلب من فرع جامعة حلب الحرة أو إيبلا عن الالتحاق بها.

ووفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة” (المواد من 27 إلى 34، ومن 47 إلى 78)، فإنه “لا يجوز لأي سلطة احتلال أن تكتسب سيادة على أراضٍ محلية لدولة أخرى”. نعم كان الأمر بهذه الوقاحة كما وصف مراقبون في تجاوز صارخ للقوانين الدولية.

هذا المرسوم عُدّ سابقة من نوعها، ونُشر في الجريدة الرسمية. المرسوم حمل توقيع إردوغان، في سابقة هي الأولى التي يصدر فيها مرسوم رئاسي تركي بشأن شمال سوريا فيما بدا أنه إعلان رسمي وتصريح يراد منه بأن مناطق الشمال السوري التي غزتها تركيا لن تتنازل عنها بسهولة، تهديد بأنها دخلت في نطاق استراتيجية الأمل المتعلقة بضمها للخريطة التركية في استفتاء مستقبلي يذكر بإقليم أنطاكية، وليس فقط مسعى لتجّذر النفوذ من خلال الأدوات الناعمة على المدى الطويل.

الآن، تتوزع الجامعات في ريف حلب الشمالي والشرقي وإدلب، وتتنوع ما بين خاصة، وحكومية، كجامعة إدلب إيبلا وجامعة حلب الحرة التي أصبحت في إعزاز فقط بعد سيطرة قوات دمشق على مساحة كبيرة من البلاد، فضلاً عن افتتاح معاهد عليا من قبل جامعة غازي عنتاب التركية، في ريف حلب أيضاً.

جامعة غازي عنتاب الأم افتتحت ثلاثة فورع بريف حلب بعد مطالب من مجالس محلية تابعة للمعارضة السورية (الجزيرة)
جامعة غازي عنتاب الأم افتتحت ثلاثة فورع بريف حلب بعد مطالب من مجالس محلية تابعة للمعارضة السورية .

وكانت جامعة غازي عنتاب التركية أعلنت يوم 4 أكتوبر/تشرين الأول 2019 افتتاح ثلاث كليات تابعة لها في ريف حلب شمال سوريا بقرار من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونص على إنشاء كلية العلوم الإدارية والاقتصادية بمدينة الباب، وكلية التربية في عفرين، وكلية العلوم الإسلامية في أعزاز.

هذه الجامعات لم تعد موجودة في نطاق المسمى الجغرافي السوري، فعند الحديث عن شمال حلب أو عفرين بالإطار العام أو على وجه التخصيص مناطقياً كالباب وجرابلس أو ناحية جنديرس يقال في خطاب الإعلام المعارض في تركيا، “منطقتي درع الفرات وغصن الزيتون” كما يجري في منصات الإعلام المدعوم قطرياً عطفاً على اسم العمليتين العسكرييتين التي أطلقتهما تركيا من خلال وكلائها من السوريين المرتزقة من قطاع الطرق والمقاتلين السابقين في جبهة النصرة وداعش وفلول من الفصائل.

لقد قامت جمعية “شام الخير الإنسانية” المدعومة من الكويت وبإشراف تركي بتشييد جمعية سكنية تحت مسمى “كويت الرحمة” في إحدى قُرى ناحية “شيراوا” بريف عفرين، وذلك بالإشراف المباشر من قِبل “المجلس المحلي” في عفرين المدعوم من تركيا. بدأ المشروع ببناء المنازل ضمن مجمع سكني يضم قرابة 300 منزل بالإضافة لمسجد ومستوصف ومدرسة ومعهد لتحفيظ القرآن الكريم، وسيتم إعطاء المنازل للمهجرين من مختلف المناطق والمحافظات السورية، وتوطينهم بها. أيضاً، بدعم من جمعيات إخوانية حسب مواقع إعلامية محلية.

تحديات وتهجير و”إعادة توطين”… “غزو ثقافي” 

هو منسوب من الوقاحة المغمسة بفرض ثقافي يبدأ من محق المسميات الجغرافية على الأرض وفي الإعلام، فتصبح عفرين منطقة غصن الزيتون، وتتغير أسماء القرى والشوارع. قد يكون مصطلح غزو ثقافي في حالتنا هنا أكبر قليلاً مما يحتمل أن توصف به ممارسات الدولة التركية في الوقت الحالي لجهة محدودية الزخم المتعلق بالبنية التحتية المرتبط بفاتورة إعادة إعمار تطالب بها تركيا في المنطقة الآمنة. لكن الأمر خطير بكل الأحوال ولاسيما مع استمراريته.

لم تنجح 400 سنة من الاحتلال العثماني في أن تترك آثاراً رصينة على ثقافات المنطقة التي كانت تحت سيطرتها إلا في الأحوال العقارية والمأكل وما بقي ذهب مع ريح الحداثة والعولمة الطاغية. حتى المأكل ليس إنتاجاً خصوصياً خالصاً فلا يكون تعلم لغة المحتل شرطاً كافياً ومؤسساً دائماً للاندماج بشكل ناجع. هذا حقيقي وفعلي عندما يبقى الشعب المحتل في أرضه فلا يتعرض للتهجير والقتل كما جرى مع أهل عفرين على يد الجيش التركي وميليشيات المرتزقة من وكلائه. يتخوف أهل منطقة عفرين المحتلة من الزمن أن يحفر بعمق لأنهم أصبحوا أقلية في بلادهم بعد أن هُجّروا ليقطن مكانهم نازحون سوريون آخرون عرب وتركمانا أكثر تقبّلاً للتواجد التركي وأكثر استعداداً للانخراط على الاندماج في الأمة التركية.

تمثّل خطوة افتتاح الجامعات في شمال شرق سوريا حركة متقدمة على رقعة فرض الثقافة واستدامة السيطرة من خلال خلق مجتمعات من الشباب السوري الناطق بالتركية والجاهز بعد تخرّجه للعمال قي السوق التركية في أسوأ الأحوال في حال لم تخضع تلك المناطق في تسوية لاحقة لشروط المشاركة بعملية إعادة الإعمار والإنماء بشكل متناسب بين دمشق وأنقرة. في الحالتين تخسر سوريا وتربح أنقرة التي اهتمت بفتح فروع للاقتصاد والحقوق والطب المهمة لتواكب الخرجين لإعادة الإعمار في المنطقة حيث الولاء لا يشك به.
يفترض مراقبون أن الجامعات في شمال سوريا قد تلعب بقصد أو بدون قصد دوراً في تصدير خطاب إسلامي سياسي وداعم لتوجهات حزب العدالة والتنمية بين الطلاب. ينطبق هذا الأمر على بعض الجامعات داخل تركيا. ويُدرّس في فروع الجامعات التركية في شمال سوريا اللغة التركية؛ فعلى سبيل المثال يكون أحد شروط القبول الجامعي في فرع جامعة عينتاب في إعزاز هو اجتياز امتحان اليوس باللغة التركية أو الإنكليزية لحملة الشهادة الثانوية.

يهتم حزب العدالة والتنمية بالكم على حساب الكيف، فالتقارير الدولية لمؤسسات متخصصة تقول إن جودة التعليم تراجعت في البلاد على الرغم من تجاوز عدد الجامعات لأكثر من 200 بزيادة أكثر من 125 جامعة منذ استلام حزب العدالة والتنمية للسلطة، وليس هناك ما يمنع أن تساهم جامعات تركيا في الشمال السوري بغسل أدمغة الشباب السوري، وفيما لو جرى العمل على إعادة التوطين في المنطقة ما يصعّب المواجهة الثقافية كلما طال الاحتلال المباشر أو غير المباشر، ولاسيما مع زحف المستوطنات التي تؤسس لاستقرار ورافد للجامعات بينما تمتنع تركيا عن حل مع دمشق لتسهيل دراسة الطلاب في الجامعات الحكومية  السورية.

لقد بدأت سلطات الامر الواقع المدعومة من تركيا بالعمل على إنشاء مجمع استيطانيّ، والموقع الذي سيقام عليه المشروع على أطراف قرية ترنده التابعة لمركز عفرين وصولاً إلى أطراف كرزيلية على سفح جبل ليلون. وما يجدر ذكره أن عدة مشاريع استيطانية قد أنشئت في عفرين منها: 3 مجمعات في ناحية شيه تشرف عليها ميليشيا العمشات، وقرية في قرية شاديره، ومجمع استيطاني في قرية آفرازيه، وقرية استيطانية في قرية بافليون، ومشروعين استيطانيين على جبل ليلون أحدها مكان قرية خالتا التي دُمرت بالكامل خلال العدوان على عفرين.

يقول نيوف: “يمكن أن تحارب احتلالاً عسكرياً وتقاومه محلياً أو خارجياً عن طريق الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، لكن “الاحتلال” الثقافي موجود في عقول الناس، وفي الممارسة اليومية وهذا ما حصل عند قسم من الشعب السوري في ميله إلى الثقاقة التركية، هنا يكمن التحدي وتتجلى صعوبة المواجهة…”

يصبح التجاهل والتبرير والموقف اللامبالي أو الرخو تجاه قضايا سيادية أو مصالح للبلاد تكون فيها تركيا طرفاً رئيساً ومستفيداً على حساب السوريين أمراً اعتيادياً لا يجلب السخط كما حصل في المدة بين 2007 – 2010 عندما غزت البضائع التركية سوريا وصولاً إلى الصناعات الخفيفة كالموبيليا والتحويلية بتسهيل من نظام الأسد سبقه تمهيد درامي.

إن تركيا لديها وعي كامل بأن الثقافة هي سلاح مهم كقوة ناعمة يمكن أن يكون لها دور مستقبلي في سوريا. لكن نجاعته في تحقيق مرود بسرعة يحتاج إلى قوى محلية على الأرض تدافع عنه وهي موجودة من الفصائل الإسلامية المسلحة إلى الميليشياوية، وتعتمد تركيا عليها كما نرى في شمال سوريا. هنا كان من الضرورة بمكان بالنسبة لتركيا تهجير سكان عفرين وتوطين نازحين سوريين وأيضاً أجانب من دول مختلفة في إدلب.

التعليم ولاسيما العالي ضرورة لمشروع النفوذ طويل الأمد، لقد افتتحت جامعة غازي عينتاب المعهد العالي للتدريب المهني في جرابلس عام 2018 وتضمن خمسة تخصّصات: “تمريض، شريعة، إدارة، رعاية مرضى ولغة تركية”. وتخرّجت أول دفعة هذا 2018، وكلية التربية في عفرين التي افتتحت عام 2019، وكلية العلوم الإسلامية في إعزاز، وكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية في مدينة الباب.

وتعتزم جامعة غازي عنتاب التركية، افتتاح مجموعة من كليات الهندسة في “المنطقة الآمنة” شمالي سوريا، لتدريب مهندسين سوريين، وهناك معاهد عليا وكليات تتبع لجامعة غازي عنتاب في 4 مدن موجودة داخل المنطقة الآمنة. يقول “رئيس جامعة غازي عنتاب التركية، عارف أوزأيدن”.

يقول د. نيوف: “إن توسع الغزو الثقافي/ القوة الناعمة التركية في شمال سوريا ليس جديدا باعتبارة أداة ترافق التدخل العسكري، هذا الغزو له بنية تحتية ثقافية في سوريا. ولاحظنا منذ بداية الأزمة السورية هناك شريحة من السوريين لديها القدرة والقابلية للانضمام إلى تركيا.”

ويرى صلاح نيوف: أن سوريا الشعب والدولة وبسبب تبعات الحرب والأوضاع الاقتصادية الصعبة، والهوية الوطنية المهزوزة والفراغ الهائل في الهوية الثقافية السورية يجعل من تركيا قوة قادرة على المرور في كل سوريا ولاسيما من خلال من خلال الدراما التركية كما حصل في وقت سابق ومستمر حتى الآن إلى حد ما.

يختم نيوف: “لايمكن الاستهانة بتركيا فهي دولة شبه متماسكة ثقافياً، ثقافة قوية بالمعنى العام ولديها بنية ثقافية فوقية وجامعات وبنى تحتية وإمكانيات.. ما يمكّنها من ابتلاع ثقافات مجاورة على المدى الطويل، والأمر خاضع للتسويات التي ستعكس من خلال بنودها حجم التأثير والنفوذ واستدامة النفوذ أو تراجعه. مع الأخذ بعين الاعتبار أن تركيا لا أعداء لها في الإقليم(الشرق الأوسط) باستثناء الكورد وهو تقدير شخصي، بل يمكن أن تلتقي مع النظام السوري أيضاً في التسوية المستقبلية على حساب الشعب السوري والكوردي.” في هذه النقطة يمكن  الاستئناث بمعطيات ومعلومات منها حجم التبادل التجاري والمصالح المتداخلة لتركيا مع دول الإقليم.

وائل سليمان

ليفانت نيوز_ خاص

النفوذ التركي في الشمال السوري واقع سيتسمر طويلاً بعد الانسحاب العسكري

يذهب نائب مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس ديديه بيون في إحدى مقابلاته إلى أن معادلة رسم حدود جديدة بالنسبة لتركيا على الحدود الجنوبية لها مع سوريا “مبالغة” في غير مكانها في الوقت الحالي، طالما أن الصراع العسكري في سوريا لم يحسم تماماً والحضور الكردي حاضر على الأرض فإن إعادة تشكيل الحدود أمر صعب ولن يحدث.

الأمر الذي لا يعني أن استمرار الحضور/النفوذ التركي في شمال سوريا لن يكون طويل الأمد حتى مع عودة “سيطرة” دمشق وفق تسوية دولية. إن الخطورة تكمن في استمرارية هذا الاحتلال غير المباشر عن طريق وكلاء (ميليشيات) وممارسات التهجير وإعادة التوطين لسوريين آخرين منسجمين مع تركيا وثقافتها سواء كانوا سوريين عرب أو تركمان، فضلاً عن استمرار كل التسهيلات ومنها البنية التحتية لفرض الثقافة التركية وضمناً اللغة.

يتخطى الأمر تبعات ما يتعلق بالوجود العسكري التركي كقوة احتلال مؤقتة لم تنجز اتفاقاً مع أي سلطات محلية، فنحن نشهد على نحو معقول نسبياً بناء بنية تحتية تركية تتمثل بالمدارس والمستشفيات وشبكات الري والجامعات والمشافي والمستوصفات ومؤسسات اقتصادية صغيرة ومتوسطة …). قد تبدو مؤشرات على إرادة البقاء أو الحضور إلى أمد طويل في جغرافيا الشمال السوري من خلال القوى الناعمة أيا تكن التسويات التي ستلحظ مصلحة تركيا بالأمن القومي والمكسب الاقتصادي حتى مع عودة قواتها إلى داخل حدودها الوطنية.

لكن أيضاً يمارس الاحتلال التركي الانتهاكات بحق سكان شمال سوريا الأصليين من خلال وكلاء مرتزقة سوريين وأجانب يوفر لهم التغطية ويساعدون في دعم مسار ديمومة النفوذ التركي في الشمال بينما يخفّض عدد قواته ويكتفي بالتوزع في نقاط وقواعد محددة متاخمة على الحدود.
هناك رأي بأن تركيا قلّما انسحبت من جغرافيا احتلتها بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وظهور الدولة القومية الكمالية. لقد جرى الضم بالقوة للقسم اليوناني من تركيا في الجهة الغربية وذهبت أراضي اليونان إلى غير رجعة.

لطالما كانت حدود تركيا الجنوبية مع سوريا مسألة بالغة الأهمية متعلقة بالأمن القومي التركي، وكانت الفرصة سانحة لضرب مشروع الإدارة الذاتية جيوسياسياً “الحزام الكوردي في الشمال السوري” الواصل حتى عفرين من خلال غزو الأخيرة في عملية “درع الزيتون” وشمال سوريا حلب والرقة في عملية “درع الفرات” وفرض مشروع المنطقة الآمنة التي حظيت بتأييد أوروبي. كانت الحجة وجود نشاط لحزب العمال الكردستاني في عفرين ومناطق أخرى من الشمال والشمال الشرقي في سوريا وهو المصنف على قوائم الإرهاب في تركيا على أنه يتمظهر الآن بشكل أو بآخر من خلال بعض مؤسسات الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا السياسية والعسكرية الرسمية أو الخاصة.

النفوذ مستمر حتى مع الانسحاب التركي عسكرياً

حتى وقت قريب كُشفت تفاصيل اتفاق أضنة الذي أبرمه الأسد الأب مع الجانب التركي، يسمح للأخيرة بملاحقة أعدائها (PKK) لمسافة تصل 5 كيلو متر داخل الأراضي السورية وإقامة ما يلزم لذلك إذا اضطر الأمر في حدود هذا العمق. لكن أنقرة تخطته وتجاوزت 30 كيلو متر.

في تلك الأيام لم يكن نشاط حزب العمال الكردستاني بالزخم الذي يمكن مقارنته بما لدينا حاليا على الأرض من معطيات متداخلة على الصعيد الأمني والسياسي بالنسبة لشمال شرق سوريا على وجه التحديد؛ تجعل “تركيا أردوغان بهجلي” أمام سيناريو اتفاق مع “دمشق المستقبل” أكثر تفصيلاً وأشد وطأةً على الجانب السوري، فليس هناك ما يجعل تركيا ترمي كل مكاسبها على الأرض ببساطة أيا تكن الصفقة مع دمشق أو موسكو بينما واشنطن نأت بنفسها عن هذا البازار بعد أن فوّضت دول الإقليم وروسيا بملف الأرض السورية المحروقة.

خريطة النفوذ والسيطرة.. اضغط للتكبير

يرى الأكاديمي والباحث في الشؤون السياسية الدكتور صلاح نيوف: “أن أي تسوية ستحصل ستلحظ اتفاقات سابقة كاتفاق أضنة 1998، ومن الوارد إعادة إحياءها فهي تمنح تركيا امتيازات كالتدخل العسكري في الأراضي السورية حتى عمق 5 كم ويمكن أن يبنى على هذه الاتفاقات إضافات جديدة”.
يضيف نيوف في تصريح لليفانت نيوز: “إن تركيا لديها القدرات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية والثقافية والعلاقات الإقليمية والدولية لمنع أي تسوية لا تخدم مصالحها، هذا أمر يجب أخذه بالحسبان”.

في ضوء هذه المعطيات، ما يجعلنا نعتقد أن الانطباع المتشكل لدى القيادات التركية يجعلها ترتاح لجهة سيناريو الحل أياً يكن مع دولة ضعيفة وفاشلة كسوريا، وإعادة تقاسم السيطرة إذا جاز التعبير مع سلطة دمشق بقيادة بشار الأسد مرحليا.

الأمر الذي يجعل تركيا تستأنس بنفوذ طويل الأمد مع وجود جمهور سوري يقبل بها جرى تهجيره على مراحل من قبل نظام الأسد وتوطينه وأدلجته في إدلب وشمال حلب وإقليم عفرين، وفي المنطقة الأخيرة على حساب تهجير الكورد السوريين من بيوتهم في عفرين. لقد انخفضت نسبتهم إلى 15 % هذه الأيام تقريباً و 20 % في يناير 2020 حسب إحصائيات محلية؛ بسبب استقدام مهجرين من عائلات مقاتلي الفصائل الموالية لتركيا وخصوصاً من الأقلية التركمانية إلى جانب الأجانب أيضا. نعم يحصل في عفرين جريمة حرب وتطهير عرقي، فلا يجري توطين النازحين مؤقتاً بسبب الحرب وتهجيرهم أو هربهم من بلادهم من بسبب نظام الأسد، فأصحاب الأرض يُطردون لحساب طوق “تركماني” سوري وسوري عربي على طول الحدود ما أمكن.

هناك وكلاء من الميليشيات كبيادق ورخ متقدمين تساعد في حماية ونجاعة المشاريع/القوى الناعمة لتركيا التي تؤسس لوجود مستدام. وفي نفس طويل تشتغل فيه الدعاية وحزم من إبر التدجين على أوسع نطاق مع القاطنين الجدد من النازحين السوريين من بقية المناطق السورية، ولاسيما دمشق ودير الزور والرقة في إدلب وعفرين وشمال حلب أماكن “سكنهم الجديدة”.

جرياً على الإمكانية المتاحة بوجود طويل الأمد ولا نعني هنا احتلال دائم أو غزو مستمر بل نلحظ اتفاقاً ما مستقبلا، لا يعني أن لا تسعى تركيا لتأسيس البنى التحتية “للغزو الثقافي”، أو كما يقول د. نيوف فرض الثقافة التركية بالمعنى الواسع للمركب الثقافي من الفنون بأنواعها والتقاليد والتعليم واللغة النظام المؤسساتي… كما أن فرض الثقافة التركية هو مشروع قديم وكان واضح المعالم بشكل أكبر مع نهاية الإمبراطورية العثمانية وظهور الدولة التركية القومية الكمالية.

بينما تمثل الجامعات قلعة متقدمة في مسلسل “الغزو الثقافي”، تستمر السلطات التركية بإنشاء المزيد من التجمعات الاستيطانيّة في مدينة عفرين، وذلك لترسيخ التغيير الديمغرافي وتغيير هوية عفرين الكوردية. وتعمل تركيا على بناء كانتونات سكنية في الشمال السوري للنازحين الجدد وتوفير بنى تحتية خدمية كفرع لمؤسسة البريد التركية بمدينة تل أبيض، الواقعة ضمن ما اصطلحت تركيا تسميته  منطقة “نبع السلام” شمال شرقي سوريا، كما يجري بناء مستوطنات في المناطق الكوردية في عفرين بعد تهجير أهلها في مساعٍ لتغيير ديمغرافي مع استقدام نازحين منسجمين مع التوجهات التركية. وتواصل تركيا تقديم الدعم في مجالات متعددة؛ تشمل المواصلات والبنية التحتية والتعليم الأساسي والعالي والأمن والصحة، ولاسيما في عفرين  حيث تبنى قرى جديدة للنازحين.

جامعات تركية على أراض سورية… مراسيم السلطان

مع كل احتلال أو غزو عسكري يرافقه “غزو ثقافي” يُؤسس له بنى تحتية لازمة تتفاوت في ثقلها وأحجامها وفقاً لمعطيات محلية ودولية، وكانت الجامعات خطوة تأسيسية بالنسبة لخطة النفوذ التركية في الشمال السوري. ففي 7 فبراير أصدر رجب طيب أردوغان الرئيس التركي الحالي وزعيم حزب العدالة والتنمية الإسلامي مرسوماً بإنشاء كلية طب ومعهد عالي للعلوم الصحية في بلدة الراعي الوقعة ضمن ما يعرف بمنطقة “درع الفرات” بريف محافظة حلب شمال سوريا. تتبع كلا المؤسستين إلى جامعة العلوم الصحية التركية بإسطنبول. أيضا في عام 2018 افتتحت جامعة حران التركية بدعم من هيئة الإغاثة التركية فرعاً لها في مدينة الباب في ريف حلب الشرقي. وتوفر هذه الجامعة الدراسة للطلاب ضمن ست تخصصات، تشمل: الهندسة المدنية والكهربائية والميكانيكية، والرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء، لكنّ بُعد الجامعات في الباب يحرم أو يؤخر كثير من الطلاب في إدلب من فرع جامعة حلب الحرة أو إيبلا عن الالتحاق بها.

ووفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة” (المواد من 27 إلى 34، ومن 47 إلى 78)، فإنه “لا يجوز لأي سلطة احتلال أن تكتسب سيادة على أراضٍ محلية لدولة أخرى”. نعم كان الأمر بهذه الوقاحة كما وصف مراقبون في تجاوز صارخ للقوانين الدولية.

هذا المرسوم عُدّ سابقة من نوعها، ونُشر في الجريدة الرسمية. المرسوم حمل توقيع إردوغان، في سابقة هي الأولى التي يصدر فيها مرسوم رئاسي تركي بشأن شمال سوريا فيما بدا أنه إعلان رسمي وتصريح يراد منه بأن مناطق الشمال السوري التي غزتها تركيا لن تتنازل عنها بسهولة، تهديد بأنها دخلت في نطاق استراتيجية الأمل المتعلقة بضمها للخريطة التركية في استفتاء مستقبلي يذكر بإقليم أنطاكية، وليس فقط مسعى لتجّذر النفوذ من خلال الأدوات الناعمة على المدى الطويل.

الآن، تتوزع الجامعات في ريف حلب الشمالي والشرقي وإدلب، وتتنوع ما بين خاصة، وحكومية، كجامعة إدلب إيبلا وجامعة حلب الحرة التي أصبحت في إعزاز فقط بعد سيطرة قوات دمشق على مساحة كبيرة من البلاد، فضلاً عن افتتاح معاهد عليا من قبل جامعة غازي عنتاب التركية، في ريف حلب أيضاً.

جامعة غازي عنتاب الأم افتتحت ثلاثة فورع بريف حلب بعد مطالب من مجالس محلية تابعة للمعارضة السورية (الجزيرة)
جامعة غازي عنتاب الأم افتتحت ثلاثة فورع بريف حلب بعد مطالب من مجالس محلية تابعة للمعارضة السورية .

وكانت جامعة غازي عنتاب التركية أعلنت يوم 4 أكتوبر/تشرين الأول 2019 افتتاح ثلاث كليات تابعة لها في ريف حلب شمال سوريا بقرار من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونص على إنشاء كلية العلوم الإدارية والاقتصادية بمدينة الباب، وكلية التربية في عفرين، وكلية العلوم الإسلامية في أعزاز.

هذه الجامعات لم تعد موجودة في نطاق المسمى الجغرافي السوري، فعند الحديث عن شمال حلب أو عفرين بالإطار العام أو على وجه التخصيص مناطقياً كالباب وجرابلس أو ناحية جنديرس يقال في خطاب الإعلام المعارض في تركيا، “منطقتي درع الفرات وغصن الزيتون” كما يجري في منصات الإعلام المدعوم قطرياً عطفاً على اسم العمليتين العسكرييتين التي أطلقتهما تركيا من خلال وكلائها من السوريين المرتزقة من قطاع الطرق والمقاتلين السابقين في جبهة النصرة وداعش وفلول من الفصائل.

لقد قامت جمعية “شام الخير الإنسانية” المدعومة من الكويت وبإشراف تركي بتشييد جمعية سكنية تحت مسمى “كويت الرحمة” في إحدى قُرى ناحية “شيراوا” بريف عفرين، وذلك بالإشراف المباشر من قِبل “المجلس المحلي” في عفرين المدعوم من تركيا. بدأ المشروع ببناء المنازل ضمن مجمع سكني يضم قرابة 300 منزل بالإضافة لمسجد ومستوصف ومدرسة ومعهد لتحفيظ القرآن الكريم، وسيتم إعطاء المنازل للمهجرين من مختلف المناطق والمحافظات السورية، وتوطينهم بها. أيضاً، بدعم من جمعيات إخوانية حسب مواقع إعلامية محلية.

تحديات وتهجير و”إعادة توطين”… “غزو ثقافي” 

هو منسوب من الوقاحة المغمسة بفرض ثقافي يبدأ من محق المسميات الجغرافية على الأرض وفي الإعلام، فتصبح عفرين منطقة غصن الزيتون، وتتغير أسماء القرى والشوارع. قد يكون مصطلح غزو ثقافي في حالتنا هنا أكبر قليلاً مما يحتمل أن توصف به ممارسات الدولة التركية في الوقت الحالي لجهة محدودية الزخم المتعلق بالبنية التحتية المرتبط بفاتورة إعادة إعمار تطالب بها تركيا في المنطقة الآمنة. لكن الأمر خطير بكل الأحوال ولاسيما مع استمراريته.

لم تنجح 400 سنة من الاحتلال العثماني في أن تترك آثاراً رصينة على ثقافات المنطقة التي كانت تحت سيطرتها إلا في الأحوال العقارية والمأكل وما بقي ذهب مع ريح الحداثة والعولمة الطاغية. حتى المأكل ليس إنتاجاً خصوصياً خالصاً فلا يكون تعلم لغة المحتل شرطاً كافياً ومؤسساً دائماً للاندماج بشكل ناجع. هذا حقيقي وفعلي عندما يبقى الشعب المحتل في أرضه فلا يتعرض للتهجير والقتل كما جرى مع أهل عفرين على يد الجيش التركي وميليشيات المرتزقة من وكلائه. يتخوف أهل منطقة عفرين المحتلة من الزمن أن يحفر بعمق لأنهم أصبحوا أقلية في بلادهم بعد أن هُجّروا ليقطن مكانهم نازحون سوريون آخرون عرب وتركمانا أكثر تقبّلاً للتواجد التركي وأكثر استعداداً للانخراط على الاندماج في الأمة التركية.

تمثّل خطوة افتتاح الجامعات في شمال شرق سوريا حركة متقدمة على رقعة فرض الثقافة واستدامة السيطرة من خلال خلق مجتمعات من الشباب السوري الناطق بالتركية والجاهز بعد تخرّجه للعمال قي السوق التركية في أسوأ الأحوال في حال لم تخضع تلك المناطق في تسوية لاحقة لشروط المشاركة بعملية إعادة الإعمار والإنماء بشكل متناسب بين دمشق وأنقرة. في الحالتين تخسر سوريا وتربح أنقرة التي اهتمت بفتح فروع للاقتصاد والحقوق والطب المهمة لتواكب الخرجين لإعادة الإعمار في المنطقة حيث الولاء لا يشك به.
يفترض مراقبون أن الجامعات في شمال سوريا قد تلعب بقصد أو بدون قصد دوراً في تصدير خطاب إسلامي سياسي وداعم لتوجهات حزب العدالة والتنمية بين الطلاب. ينطبق هذا الأمر على بعض الجامعات داخل تركيا. ويُدرّس في فروع الجامعات التركية في شمال سوريا اللغة التركية؛ فعلى سبيل المثال يكون أحد شروط القبول الجامعي في فرع جامعة عينتاب في إعزاز هو اجتياز امتحان اليوس باللغة التركية أو الإنكليزية لحملة الشهادة الثانوية.

يهتم حزب العدالة والتنمية بالكم على حساب الكيف، فالتقارير الدولية لمؤسسات متخصصة تقول إن جودة التعليم تراجعت في البلاد على الرغم من تجاوز عدد الجامعات لأكثر من 200 بزيادة أكثر من 125 جامعة منذ استلام حزب العدالة والتنمية للسلطة، وليس هناك ما يمنع أن تساهم جامعات تركيا في الشمال السوري بغسل أدمغة الشباب السوري، وفيما لو جرى العمل على إعادة التوطين في المنطقة ما يصعّب المواجهة الثقافية كلما طال الاحتلال المباشر أو غير المباشر، ولاسيما مع زحف المستوطنات التي تؤسس لاستقرار ورافد للجامعات بينما تمتنع تركيا عن حل مع دمشق لتسهيل دراسة الطلاب في الجامعات الحكومية  السورية.

لقد بدأت سلطات الامر الواقع المدعومة من تركيا بالعمل على إنشاء مجمع استيطانيّ، والموقع الذي سيقام عليه المشروع على أطراف قرية ترنده التابعة لمركز عفرين وصولاً إلى أطراف كرزيلية على سفح جبل ليلون. وما يجدر ذكره أن عدة مشاريع استيطانية قد أنشئت في عفرين منها: 3 مجمعات في ناحية شيه تشرف عليها ميليشيا العمشات، وقرية في قرية شاديره، ومجمع استيطاني في قرية آفرازيه، وقرية استيطانية في قرية بافليون، ومشروعين استيطانيين على جبل ليلون أحدها مكان قرية خالتا التي دُمرت بالكامل خلال العدوان على عفرين.

يقول نيوف: “يمكن أن تحارب احتلالاً عسكرياً وتقاومه محلياً أو خارجياً عن طريق الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، لكن “الاحتلال” الثقافي موجود في عقول الناس، وفي الممارسة اليومية وهذا ما حصل عند قسم من الشعب السوري في ميله إلى الثقاقة التركية، هنا يكمن التحدي وتتجلى صعوبة المواجهة…”

يصبح التجاهل والتبرير والموقف اللامبالي أو الرخو تجاه قضايا سيادية أو مصالح للبلاد تكون فيها تركيا طرفاً رئيساً ومستفيداً على حساب السوريين أمراً اعتيادياً لا يجلب السخط كما حصل في المدة بين 2007 – 2010 عندما غزت البضائع التركية سوريا وصولاً إلى الصناعات الخفيفة كالموبيليا والتحويلية بتسهيل من نظام الأسد سبقه تمهيد درامي.

إن تركيا لديها وعي كامل بأن الثقافة هي سلاح مهم كقوة ناعمة يمكن أن يكون لها دور مستقبلي في سوريا. لكن نجاعته في تحقيق مرود بسرعة يحتاج إلى قوى محلية على الأرض تدافع عنه وهي موجودة من الفصائل الإسلامية المسلحة إلى الميليشياوية، وتعتمد تركيا عليها كما نرى في شمال سوريا. هنا كان من الضرورة بمكان بالنسبة لتركيا تهجير سكان عفرين وتوطين نازحين سوريين وأيضاً أجانب من دول مختلفة في إدلب.

التعليم ولاسيما العالي ضرورة لمشروع النفوذ طويل الأمد، لقد افتتحت جامعة غازي عينتاب المعهد العالي للتدريب المهني في جرابلس عام 2018 وتضمن خمسة تخصّصات: “تمريض، شريعة، إدارة، رعاية مرضى ولغة تركية”. وتخرّجت أول دفعة هذا 2018، وكلية التربية في عفرين التي افتتحت عام 2019، وكلية العلوم الإسلامية في إعزاز، وكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية في مدينة الباب.

وتعتزم جامعة غازي عنتاب التركية، افتتاح مجموعة من كليات الهندسة في “المنطقة الآمنة” شمالي سوريا، لتدريب مهندسين سوريين، وهناك معاهد عليا وكليات تتبع لجامعة غازي عنتاب في 4 مدن موجودة داخل المنطقة الآمنة. يقول “رئيس جامعة غازي عنتاب التركية، عارف أوزأيدن”.

يقول د. نيوف: “إن توسع الغزو الثقافي/ القوة الناعمة التركية في شمال سوريا ليس جديدا باعتبارة أداة ترافق التدخل العسكري، هذا الغزو له بنية تحتية ثقافية في سوريا. ولاحظنا منذ بداية الأزمة السورية هناك شريحة من السوريين لديها القدرة والقابلية للانضمام إلى تركيا.”

ويرى صلاح نيوف: أن سوريا الشعب والدولة وبسبب تبعات الحرب والأوضاع الاقتصادية الصعبة، والهوية الوطنية المهزوزة والفراغ الهائل في الهوية الثقافية السورية يجعل من تركيا قوة قادرة على المرور في كل سوريا ولاسيما من خلال من خلال الدراما التركية كما حصل في وقت سابق ومستمر حتى الآن إلى حد ما.

يختم نيوف: “لايمكن الاستهانة بتركيا فهي دولة شبه متماسكة ثقافياً، ثقافة قوية بالمعنى العام ولديها بنية ثقافية فوقية وجامعات وبنى تحتية وإمكانيات.. ما يمكّنها من ابتلاع ثقافات مجاورة على المدى الطويل، والأمر خاضع للتسويات التي ستعكس من خلال بنودها حجم التأثير والنفوذ واستدامة النفوذ أو تراجعه. مع الأخذ بعين الاعتبار أن تركيا لا أعداء لها في الإقليم(الشرق الأوسط) باستثناء الكورد وهو تقدير شخصي، بل يمكن أن تلتقي مع النظام السوري أيضاً في التسوية المستقبلية على حساب الشعب السوري والكوردي.” في هذه النقطة يمكن  الاستئناث بمعطيات ومعلومات منها حجم التبادل التجاري والمصالح المتداخلة لتركيا مع دول الإقليم.

وائل سليمان

ليفانت نيوز_ خاص

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit