تصدّعات الإخوان باعتبارها حتميّة تاريخيّة لثنائيّة صراع الأجيال والمتغيرات السياسيّة

رامي شفيق
رامي شفيق

تعدّدت التأويلات السياسية بخصوص الأزمة العنيفة والمحتدمة التي ضربت قواعد الإخوان، بينما كشفت عن الفجوات والثقوب العميقة في بنيتها التنظيمية. بيد أن هناك رؤى مغايرة تحاول أن تضع تصورات بخلاف السائد وتشير إلى احتمالات تسوية سريعة، ثم بعث الروح من جديد في جسد التنظيم المتهالك.

لكن أي بعث ممكن ومحتمل للتنظيم؟ وأي صيغة واقعية يمكن أن ترمم الاتساعات الهائلة التي جرت بين قيادات وقواعد التنظيم؟ وما هي الرافعة الجديدة التي يمكنها تجسير الصلات المقطوعة مع القوى المؤيدة والتقليدية، تحديداً حاضنتها المتآكلة، وكذا القوى الإقليمية، والأخيرة بعضها عمد إلى تخفيض مستوى التعاون (التوظيف) والبعض الآخر نبذها بشكل قاطع.

تيار واسع يذهب إلى أنّ التنظيم يعاني صراعاً محموماً مع جيل الشباب، وسيولة شديدة، على خلفية التطورات التي جرت في الفترة بين عامي 2011 و2013، محلياً وإقليمياً. إذ يتجه التنظيم، على نحو بدا حتمياً، نحو التفكك وتحلل أركانه وقطع الصلة والروابط فيما بينه وبين الشعوب، وذلك نتيجة مباشرة لفشل نموذجه في الحكم الذي أفضى بالضرورة إلى تبدد صورته في ذهنية المواطن العربي. ويرى آخرون أن ثمة تحركات مريبة، خفية ومستترة، على مسرح الأحداث، تنبعث من تحالف أجهزة الجماعة العميقة ومباحثاتها مع القوى الإقليمية والدولية، لجهة ترتيب مشهد جديد من خلال وجوه شابة تتحرّك صوب التحوّلات الجيوسياسية الجديدة التي تبدو كافة نقاطها ساخنة، بينما تحتاج إلى الكثير من الترقّب والحذر.

يتعيّن لفهم الاحتكاكات التي كشفتها حالة التناحر القصوى بين جبهتي محمود حسين في تركيا، وإبراهيم منير في لندن، مراجعة ما تضمره الظاهرة، والحفر أسفل مشهدية الصراع الذي عرفت منه الجماعة فصولاً متباينة، طوال تاريخها الممتد لثمانية عقود، إذ إن الجماعة تنظيم خبر، خلال هذا التاريخ الهائل والمعقد، اتصالات متجذّرة مع السياسة الإقليمية والدولية، كما استقرّ في خطط وترتيبات تلك القوى، لأداء أدوار وظيفية تتصل بصياغة وإعادة تشكيل مكونات الحكم في الشرق الأوسط.

بدت لحظة القبض على محمود عزت من قبل أجهزة الأمن المصرية نقطة ارتكاز، مهمة ولافتة، استندت إليها سردية تفسير ما جرى بين القيادات العليا، باعتبار أن ذلك الفراغ سعت إليه قيادات الإخوان، بيد أن مسار الأحداث الإقليمية والدولية التي واكبت مشهد القبض على عزت منذ نحو العام تشي بكثير من الحقائق التي ينبغي النظر اليها.

في ذلك التوقيت، كان ثمة سياق آخر، يتمثّل في محاولات أنقره التقارب مع القاهرة على خلفية الملفات المتشابكة وديناميكيات الوضع الدولي، وانعكاساتها إقليمياً، ما فرض ضرورة تبدل التصورات التكتيكية بين الصراعات الإقليمية مرة فيما بين دول المقاطعة الخليجية، ومرة أخرى بين أنقرة والقاهرة وأبو ظبي، وكذا التحركات البينية فيما بين الرياض وطهران لتخفيف حدّة الصراع المفتوح على عدة جبهات بينهما.
حفلت الشهور الماضية بموجات تضييق متعددة في صفوف تنظيم الإخوان داخل تركيا، بدءاً من طلب السلطات التركية ضبط الأداء المهني للقنوات الإعلامية التابعة للتنظيم، وتحديداً فيما يخصّ قضايا مصر، وكذا تضييق سبل الحياة الخاصة بهم ومسارات تدفق الأموال من تركيا إلى القاهرة، والحديث عن تسليم بعض المطلوبين أمنياً إلى السلطات المصرية.

إلى ذلك، يبدو أن ثمّة متغيّر استراتيجي تواجهه الجماعة لم تعرف طبيعته من قبل، حيث إن الضربات الأمنية التي تعرّضت لها قيادات التنظيم في الداخل، خلال السنوات الأخيرة، ليست بجديدة عليها، فقد عرفته مرات خلال أزمات مماثلة.

عرف تنظيم الجماعة بعد مقتل المرشد المؤسس، حسن البنا، لحظات الارتباك والتخبط على وقع متغير داخلي، وقد تمركز في الصراع داخل أنساق الجماعة بين أطراف التنظيم الخاص، وتمثلات المرشد الأول، غير أن توازنات القوى وإرادة الملك حينها منحت المستشار حسن الهضيبي النفاذ نحو المنصب الذي بات يترنّح عليه، بفعل متغير الوضع السياسي الذي مال لثورة 1952، وتحرك أقطاب التنظيم الخاص نحو التخلص منه والتماهي مع السلطة الجديدة.

ظلّت الجماعة، منذ 1954 وحتى الضربة التالية مع القبض على تنظيم 1965، تستجيب لأجهزة التنفس الصناعي بفعل دفعات من الدعم الإقليمي والخارجي.

لم تكن الأبعاد السياسية، داخلياً وإقليمياً ودولياً، إبان عقد السبعينات، وحدها، هي المسؤولة عن إعادة إحياء الجماعة بفعل تحركات المرشد عمر التلمساني الذي عمد إلى ضخ دماء جديدة في شرايين الجماعة من خلال شباب الجماعة الإسلامية.
بفعل الزمن ينتاب تلك التنظيمات التي تقوم على السرية والبنى المتشابكة صراع الأجيال وضرورة الاستجابة للمتغيرات السياسية.
وعليه، ليس ثمة شك أننا بصدد مرحلة مفصلية تسعى فيها مكونات التنظيم القديمة نحو القبض على مفاتيح القوة، والبحث عن نقاط التمركز الاستراتيجي للحفاظ على التنظيم قيد التشكل ولو بظهوره في حيّز الصراع بين أطراف متناقضة. فثنائية تبدل الأجيال ومتغيرات السياسة تضرب بنى الجماعة، كما أن ما وقع بين جبهتي تركيا ولندن من صراع على القوة والنفوذ وامتلاك مكونات الجماعة مالياً ووظيفياً ينبغي النظر اليه بفعل هذين المتغيرين.

كما أن الحديث الذي يدور حول سيناريوهات تحلل الجماعة بنيوياً وفكرياً غير قابل للتحقق مع تنظيم ما زالت تعرف قواعده أصول الاشتباك، وقواعد الصراع بين كافة مكوناته التنظيمية، وكذا الحرص على أن يظل الربط واقعاً بصورة براغماتية وتلفيقية بين الجماعة و(صحيح الدين الإسلامي) كما جرى على لسان القيادي عزام التميمي على فضائية الحوار التابعة للإخوان.

على خلفية ذلك كله، لا أرى أن التصدّعات الأخيرة داخل الإخوان هي حقيقة الأمر برمته، أو كل الواقع. وفي نفس الوقت لا أنفي أنها تستجيب لعوامل الزمن وحتمية التاريخ المتمثلين في ثنائية تبدل الأجيال ومتغيرات السياسة وحركية التاريخ.

رامي شفيق

ليفانت – رامي شفيق

تعدّدت التأويلات السياسية بخصوص الأزمة العنيفة والمحتدمة التي ضربت قواعد الإخوان، بينما كشفت عن الفجوات والثقوب العميقة في بنيتها التنظيمية. بيد أن هناك رؤى مغايرة تحاول أن تضع تصورات بخلاف السائد وتشير إلى احتمالات تسوية سريعة، ثم بعث الروح من جديد في جسد التنظيم المتهالك.

لكن أي بعث ممكن ومحتمل للتنظيم؟ وأي صيغة واقعية يمكن أن ترمم الاتساعات الهائلة التي جرت بين قيادات وقواعد التنظيم؟ وما هي الرافعة الجديدة التي يمكنها تجسير الصلات المقطوعة مع القوى المؤيدة والتقليدية، تحديداً حاضنتها المتآكلة، وكذا القوى الإقليمية، والأخيرة بعضها عمد إلى تخفيض مستوى التعاون (التوظيف) والبعض الآخر نبذها بشكل قاطع.

تيار واسع يذهب إلى أنّ التنظيم يعاني صراعاً محموماً مع جيل الشباب، وسيولة شديدة، على خلفية التطورات التي جرت في الفترة بين عامي 2011 و2013، محلياً وإقليمياً. إذ يتجه التنظيم، على نحو بدا حتمياً، نحو التفكك وتحلل أركانه وقطع الصلة والروابط فيما بينه وبين الشعوب، وذلك نتيجة مباشرة لفشل نموذجه في الحكم الذي أفضى بالضرورة إلى تبدد صورته في ذهنية المواطن العربي. ويرى آخرون أن ثمة تحركات مريبة، خفية ومستترة، على مسرح الأحداث، تنبعث من تحالف أجهزة الجماعة العميقة ومباحثاتها مع القوى الإقليمية والدولية، لجهة ترتيب مشهد جديد من خلال وجوه شابة تتحرّك صوب التحوّلات الجيوسياسية الجديدة التي تبدو كافة نقاطها ساخنة، بينما تحتاج إلى الكثير من الترقّب والحذر.

يتعيّن لفهم الاحتكاكات التي كشفتها حالة التناحر القصوى بين جبهتي محمود حسين في تركيا، وإبراهيم منير في لندن، مراجعة ما تضمره الظاهرة، والحفر أسفل مشهدية الصراع الذي عرفت منه الجماعة فصولاً متباينة، طوال تاريخها الممتد لثمانية عقود، إذ إن الجماعة تنظيم خبر، خلال هذا التاريخ الهائل والمعقد، اتصالات متجذّرة مع السياسة الإقليمية والدولية، كما استقرّ في خطط وترتيبات تلك القوى، لأداء أدوار وظيفية تتصل بصياغة وإعادة تشكيل مكونات الحكم في الشرق الأوسط.

بدت لحظة القبض على محمود عزت من قبل أجهزة الأمن المصرية نقطة ارتكاز، مهمة ولافتة، استندت إليها سردية تفسير ما جرى بين القيادات العليا، باعتبار أن ذلك الفراغ سعت إليه قيادات الإخوان، بيد أن مسار الأحداث الإقليمية والدولية التي واكبت مشهد القبض على عزت منذ نحو العام تشي بكثير من الحقائق التي ينبغي النظر اليها.

في ذلك التوقيت، كان ثمة سياق آخر، يتمثّل في محاولات أنقره التقارب مع القاهرة على خلفية الملفات المتشابكة وديناميكيات الوضع الدولي، وانعكاساتها إقليمياً، ما فرض ضرورة تبدل التصورات التكتيكية بين الصراعات الإقليمية مرة فيما بين دول المقاطعة الخليجية، ومرة أخرى بين أنقرة والقاهرة وأبو ظبي، وكذا التحركات البينية فيما بين الرياض وطهران لتخفيف حدّة الصراع المفتوح على عدة جبهات بينهما.
حفلت الشهور الماضية بموجات تضييق متعددة في صفوف تنظيم الإخوان داخل تركيا، بدءاً من طلب السلطات التركية ضبط الأداء المهني للقنوات الإعلامية التابعة للتنظيم، وتحديداً فيما يخصّ قضايا مصر، وكذا تضييق سبل الحياة الخاصة بهم ومسارات تدفق الأموال من تركيا إلى القاهرة، والحديث عن تسليم بعض المطلوبين أمنياً إلى السلطات المصرية.

إلى ذلك، يبدو أن ثمّة متغيّر استراتيجي تواجهه الجماعة لم تعرف طبيعته من قبل، حيث إن الضربات الأمنية التي تعرّضت لها قيادات التنظيم في الداخل، خلال السنوات الأخيرة، ليست بجديدة عليها، فقد عرفته مرات خلال أزمات مماثلة.

عرف تنظيم الجماعة بعد مقتل المرشد المؤسس، حسن البنا، لحظات الارتباك والتخبط على وقع متغير داخلي، وقد تمركز في الصراع داخل أنساق الجماعة بين أطراف التنظيم الخاص، وتمثلات المرشد الأول، غير أن توازنات القوى وإرادة الملك حينها منحت المستشار حسن الهضيبي النفاذ نحو المنصب الذي بات يترنّح عليه، بفعل متغير الوضع السياسي الذي مال لثورة 1952، وتحرك أقطاب التنظيم الخاص نحو التخلص منه والتماهي مع السلطة الجديدة.

ظلّت الجماعة، منذ 1954 وحتى الضربة التالية مع القبض على تنظيم 1965، تستجيب لأجهزة التنفس الصناعي بفعل دفعات من الدعم الإقليمي والخارجي.

لم تكن الأبعاد السياسية، داخلياً وإقليمياً ودولياً، إبان عقد السبعينات، وحدها، هي المسؤولة عن إعادة إحياء الجماعة بفعل تحركات المرشد عمر التلمساني الذي عمد إلى ضخ دماء جديدة في شرايين الجماعة من خلال شباب الجماعة الإسلامية.
بفعل الزمن ينتاب تلك التنظيمات التي تقوم على السرية والبنى المتشابكة صراع الأجيال وضرورة الاستجابة للمتغيرات السياسية.
وعليه، ليس ثمة شك أننا بصدد مرحلة مفصلية تسعى فيها مكونات التنظيم القديمة نحو القبض على مفاتيح القوة، والبحث عن نقاط التمركز الاستراتيجي للحفاظ على التنظيم قيد التشكل ولو بظهوره في حيّز الصراع بين أطراف متناقضة. فثنائية تبدل الأجيال ومتغيرات السياسة تضرب بنى الجماعة، كما أن ما وقع بين جبهتي تركيا ولندن من صراع على القوة والنفوذ وامتلاك مكونات الجماعة مالياً ووظيفياً ينبغي النظر اليه بفعل هذين المتغيرين.

كما أن الحديث الذي يدور حول سيناريوهات تحلل الجماعة بنيوياً وفكرياً غير قابل للتحقق مع تنظيم ما زالت تعرف قواعده أصول الاشتباك، وقواعد الصراع بين كافة مكوناته التنظيمية، وكذا الحرص على أن يظل الربط واقعاً بصورة براغماتية وتلفيقية بين الجماعة و(صحيح الدين الإسلامي) كما جرى على لسان القيادي عزام التميمي على فضائية الحوار التابعة للإخوان.

على خلفية ذلك كله، لا أرى أن التصدّعات الأخيرة داخل الإخوان هي حقيقة الأمر برمته، أو كل الواقع. وفي نفس الوقت لا أنفي أنها تستجيب لعوامل الزمن وحتمية التاريخ المتمثلين في ثنائية تبدل الأجيال ومتغيرات السياسة وحركية التاريخ.

رامي شفيق

ليفانت – رامي شفيق

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit