المكونات والأقليات.. قراءة في الدساتير السورية السابقة

عمار جلو

جاءت النصوص الدستورية تأكيداً لحقوق وحريات المواطنين وتقييداً للسلطات الحاكمة، إذ تعتبر النصوص الدستورية بمثابة الأساس الذي تقوم عليه مكونات البناء القانوني للدولة، وعلى ذلك يعدّ الدستور الضامن الأساسي لحقوق الجميع دون تمييز أو تفريق بينهم بسبب الجنس أو اللون أو العقيدة أو المذهب، وقد اهتم المجتمع الدولي بحماية حقوق الأقليات باعتبارها من المسائل التي تحرج السيادة، لما يترتب على انتهاكها من إخلال بالأمن والسلم الدوليين.

تبرز أهمية النقاش الدستوري خلال فترة التحوّلات السياسية من أجل بناء وعي مجتمعي، والدفع باتجاه الحوار السياسي الذي يمهد للاستقرار وإقامة الشرعيّة لنظام حكم جديد، وتزداد هذه الأهمية في الحالة السورية في ظلّ تخوّف شريحة واسعة من المواطنين من النظام السياسي الذي يمكن أن تفرزه التغييرات السورية، لاسيما مع اشتداد قوة التيار الإسلامي المعارض للنظام، فيما يعود هذا التخوّف نتيجة إثارته وتعزيزه لعقود من طرف النظام الحاكم بين مختلف مكونات الشعب السوري، في مسعى تحقيق استدامة السلطة وفق مبدأ “فرّق تسد”، وكذلك عزّز النظام الحاكم من أيديولوجية العروبة، فأسهم في تسربها إلى صفوف المعارضة، مما أثار المخاوف لدى الأقليات غير العربية وعزّز بالمحصلة شرعية المطالبة بالانفصال من قبل البعض.

تقوم العلاقة بين الدين والدولة على قدر عالٍ من الحساسية، يزكّيها العنف الطائفي والصراع الديني، وهو ما تشهده الحالة السورية، إضافة إلى مسألة العروبة وتأثيرها في قضايا جدلية في ظل تعدّد المكونات غير العربية من ناحية، والمكونات غير المسلمة من ناحية أخرى. إذ تقوم الدساتير الحديثة على ركيزة أساسية تقتضي حق المساواة بين جميع الأفراد والمكونات الخاضعة للدستور، وهو حق أملته الضرورة الحتمية لإنهاء مظاهر التمييز بين المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والعرقية والإثنية، بهدف تعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي والاجتماعي للدولة، وتجنّب الاحتقان المؤدّي أحياناً إلى الصراعات والحروب الأهلية.

يقتضي حق المساواة احترام مجموعة من الحقوق، كعدم التمييز، والمشاركة السياسية، وتكافؤ الفرص، من خلال تشريعات محلية تمكن الأقليّات من ممارسة الحقوق العامة والمدنية والسياسية، خاصة، في إطار مبدأ المساواة وعدم التمييز وصولاً إلى التمييز الإيجابي دون الإخلال بمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، وهو ما تضمنته الدساتير السورية جميعها، سواء في ديباجتها أو في موادها لناحية التأكيد على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص وحماية الوحدة الوطنية والتنوّع الثقافي والعدالة الاجتماعية، إضافةً لمبدأ المواطنة وسيادة القانون، فيما تعارضت المواد المؤصّلة لهذه الحقوق مع مواد أخرى، لاسيما فيما يخصّ دين رئيس الدولة “الإسلام في جميع الدساتير”، مما يحرم غير المسلمين من الترشّح لمنصب الرئاسة، كذلك ما يتعلّق باللغة الرسمية للدولة، إذ تكرر اعتبار اللغة العربية “اللغة الرسمية” للدولة في جميع الدساتير، دون النظر إلى الحقوق الثقافية للمكونات غير العربية مع تجاهل التخصيص والتنصيص الدستوري لاعتبارها أحد مكونات المجتمع السوري الذي تتشكل منه الهوية السورية، حيث حرصت الدساتير على تفصيل السلطات والتشعب في المواد الخاصة بها، فيما تجاهلت المجتمع السوري وتنوعه، إلا ما جاء بفقرات أو مواد مجملة، وهو ما يتنافى مع الترسيخ الدستوري للحقوق من خلال اعتراف الدولة بهوية المكونات المجتمعية بوصفها مكوناً أساسياً من مكونات الدولة.

“حرية الاعتقاد مصونة” كما “تحترم الدولة جميع الأديان”.. فقرات أو مواد مكررة في جميع الدساتير السورية باللفظ أو المعنى، إلا أنّ دستور عام “1930” في الماده الخامسة عشر منه اعتبر حرية الاعتقاد مطلقة، فيما اعتبرتها بقية الدساتير مصونة أو مكفولة، وهو تعبير أدنى من الإطلاق، كذلك أعطت الماده “28” من الدستور المذكور الحق للطوائف الدينية بإنشاء المدارس لتعليم الأحداث بلغتهم الخاصة، وهو ما غاب عن الدساتير السورية، باستثناء دستور “1953” في مادته الحادية والعشرين، التي أعطت لكل ديانة التعليم وفق عقائدها للأحداث.. كما تجد الإشارة في مورد ذكر المادة الخاصة بحرية الاعتقاد تقييدها في جميع الدساتير بعدم الإخلال بالنظام العام، فيما أضافت لها المادة “13” من دستور “1920” عدم المساس بالشعائر الخاصة بالأديان والمذاهب الأخرى، وهو قيد صحي، فيما يعتبر قيد الإخلال بالنظام العام سلاح السلطة في مواجهة المكونات الدينية والإثنية (حساسية الصلاة في الوحدات العسكرية).

غابت حصرية اللغة العربية وعروبة سوريا في دستور “1930” حسب الماده “24” الخاصة باللغة الرسمية للدولة، نتيجة صدور الدستور المذكور تحت سلطة الانتداب الفرنسي، إلا أنّ الدساتير التي أنتجتها موجات الربيع العربي في الدول التي اجتاحتها أو تماشت مع متطلبات الربيع العربي جاءت على هذا المنوال من ناحية الاعتراف بالمكونات غير العربية في الدولة، أو التنصيص على لغتها، وهو ما شهده الدستور المغربي الذي اعترف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية إضافة للغة العربية. وهو ما تحتاجه الساحة السورية التي ساهمت الدساتير السابقة في تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية إضافةً لتعزيز الاستبداد فيها لذا يُؤمل لأي دستور جديد أن يشكل عقداً اجتماعياً وضمانة أساسيه للانتقال من حالة العنف إلى حالة الأمان وبناء دولة المؤسسات التي بدونها لا يمكن تحقيق الاستقرار والنمو، وضمان عدم تكرار مآسٍ وصراعات الماضي.

عمار جلو

ليفانت – عمار جلو

جاءت النصوص الدستورية تأكيداً لحقوق وحريات المواطنين وتقييداً للسلطات الحاكمة، إذ تعتبر النصوص الدستورية بمثابة الأساس الذي تقوم عليه مكونات البناء القانوني للدولة، وعلى ذلك يعدّ الدستور الضامن الأساسي لحقوق الجميع دون تمييز أو تفريق بينهم بسبب الجنس أو اللون أو العقيدة أو المذهب، وقد اهتم المجتمع الدولي بحماية حقوق الأقليات باعتبارها من المسائل التي تحرج السيادة، لما يترتب على انتهاكها من إخلال بالأمن والسلم الدوليين.

تبرز أهمية النقاش الدستوري خلال فترة التحوّلات السياسية من أجل بناء وعي مجتمعي، والدفع باتجاه الحوار السياسي الذي يمهد للاستقرار وإقامة الشرعيّة لنظام حكم جديد، وتزداد هذه الأهمية في الحالة السورية في ظلّ تخوّف شريحة واسعة من المواطنين من النظام السياسي الذي يمكن أن تفرزه التغييرات السورية، لاسيما مع اشتداد قوة التيار الإسلامي المعارض للنظام، فيما يعود هذا التخوّف نتيجة إثارته وتعزيزه لعقود من طرف النظام الحاكم بين مختلف مكونات الشعب السوري، في مسعى تحقيق استدامة السلطة وفق مبدأ “فرّق تسد”، وكذلك عزّز النظام الحاكم من أيديولوجية العروبة، فأسهم في تسربها إلى صفوف المعارضة، مما أثار المخاوف لدى الأقليات غير العربية وعزّز بالمحصلة شرعية المطالبة بالانفصال من قبل البعض.

تقوم العلاقة بين الدين والدولة على قدر عالٍ من الحساسية، يزكّيها العنف الطائفي والصراع الديني، وهو ما تشهده الحالة السورية، إضافة إلى مسألة العروبة وتأثيرها في قضايا جدلية في ظل تعدّد المكونات غير العربية من ناحية، والمكونات غير المسلمة من ناحية أخرى. إذ تقوم الدساتير الحديثة على ركيزة أساسية تقتضي حق المساواة بين جميع الأفراد والمكونات الخاضعة للدستور، وهو حق أملته الضرورة الحتمية لإنهاء مظاهر التمييز بين المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والعرقية والإثنية، بهدف تعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي والاجتماعي للدولة، وتجنّب الاحتقان المؤدّي أحياناً إلى الصراعات والحروب الأهلية.

يقتضي حق المساواة احترام مجموعة من الحقوق، كعدم التمييز، والمشاركة السياسية، وتكافؤ الفرص، من خلال تشريعات محلية تمكن الأقليّات من ممارسة الحقوق العامة والمدنية والسياسية، خاصة، في إطار مبدأ المساواة وعدم التمييز وصولاً إلى التمييز الإيجابي دون الإخلال بمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، وهو ما تضمنته الدساتير السورية جميعها، سواء في ديباجتها أو في موادها لناحية التأكيد على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص وحماية الوحدة الوطنية والتنوّع الثقافي والعدالة الاجتماعية، إضافةً لمبدأ المواطنة وسيادة القانون، فيما تعارضت المواد المؤصّلة لهذه الحقوق مع مواد أخرى، لاسيما فيما يخصّ دين رئيس الدولة “الإسلام في جميع الدساتير”، مما يحرم غير المسلمين من الترشّح لمنصب الرئاسة، كذلك ما يتعلّق باللغة الرسمية للدولة، إذ تكرر اعتبار اللغة العربية “اللغة الرسمية” للدولة في جميع الدساتير، دون النظر إلى الحقوق الثقافية للمكونات غير العربية مع تجاهل التخصيص والتنصيص الدستوري لاعتبارها أحد مكونات المجتمع السوري الذي تتشكل منه الهوية السورية، حيث حرصت الدساتير على تفصيل السلطات والتشعب في المواد الخاصة بها، فيما تجاهلت المجتمع السوري وتنوعه، إلا ما جاء بفقرات أو مواد مجملة، وهو ما يتنافى مع الترسيخ الدستوري للحقوق من خلال اعتراف الدولة بهوية المكونات المجتمعية بوصفها مكوناً أساسياً من مكونات الدولة.

“حرية الاعتقاد مصونة” كما “تحترم الدولة جميع الأديان”.. فقرات أو مواد مكررة في جميع الدساتير السورية باللفظ أو المعنى، إلا أنّ دستور عام “1930” في الماده الخامسة عشر منه اعتبر حرية الاعتقاد مطلقة، فيما اعتبرتها بقية الدساتير مصونة أو مكفولة، وهو تعبير أدنى من الإطلاق، كذلك أعطت الماده “28” من الدستور المذكور الحق للطوائف الدينية بإنشاء المدارس لتعليم الأحداث بلغتهم الخاصة، وهو ما غاب عن الدساتير السورية، باستثناء دستور “1953” في مادته الحادية والعشرين، التي أعطت لكل ديانة التعليم وفق عقائدها للأحداث.. كما تجد الإشارة في مورد ذكر المادة الخاصة بحرية الاعتقاد تقييدها في جميع الدساتير بعدم الإخلال بالنظام العام، فيما أضافت لها المادة “13” من دستور “1920” عدم المساس بالشعائر الخاصة بالأديان والمذاهب الأخرى، وهو قيد صحي، فيما يعتبر قيد الإخلال بالنظام العام سلاح السلطة في مواجهة المكونات الدينية والإثنية (حساسية الصلاة في الوحدات العسكرية).

غابت حصرية اللغة العربية وعروبة سوريا في دستور “1930” حسب الماده “24” الخاصة باللغة الرسمية للدولة، نتيجة صدور الدستور المذكور تحت سلطة الانتداب الفرنسي، إلا أنّ الدساتير التي أنتجتها موجات الربيع العربي في الدول التي اجتاحتها أو تماشت مع متطلبات الربيع العربي جاءت على هذا المنوال من ناحية الاعتراف بالمكونات غير العربية في الدولة، أو التنصيص على لغتها، وهو ما شهده الدستور المغربي الذي اعترف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية إضافة للغة العربية. وهو ما تحتاجه الساحة السورية التي ساهمت الدساتير السابقة في تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية إضافةً لتعزيز الاستبداد فيها لذا يُؤمل لأي دستور جديد أن يشكل عقداً اجتماعياً وضمانة أساسيه للانتقال من حالة العنف إلى حالة الأمان وبناء دولة المؤسسات التي بدونها لا يمكن تحقيق الاستقرار والنمو، وضمان عدم تكرار مآسٍ وصراعات الماضي.

عمار جلو

ليفانت – عمار جلو

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit