الغواصات الوصائيّة.. والتسويات الوقائيّة

باسل كويفي

إن تسليح أستراليا بغواصات ذات تقنية نووية أمريكية قد يجعل دول المنطقة مهددة من نزاع نووي ضمن منظومة الاحتمالات والتهديدات والضغوطات.

بدت واشنطن في خطواتها الأخيرة تتجه أكثر نحو إعادة ترتيب تحالفاتها القديمة لكي تناسب الواقع الجديد، إذ أخذت على عاتقها حماية مصالحها الاستراتيجية بدلاً من الحفاظ على مراكز حلفائها الأوروبيين التقليديين إلى جانبها، وأدوارهم في التنافس مع الصين وروسيا. وربما يعزّز ظهور الحلف الأمني بين واشنطن ولندن وكانبيرا فجأة ودون تنسيق مع الحلفاء الآخرين، حالة انعدام الثقة المتزايدة في العقد الأخير، وهو ما يرجّح أفقاً مجهول المعالم في خارطة التحالفات القديمة.

في نفس السياق، أكدت ‫إندونيسيا وماليزيا خلال الحكومة الأسترالية بالتزاماتها المرتبطة بمعاهدة حظر الانتشار النووي، كما انتقدت الصين ما سمته تشكيل “التكتلات الإقصائية”، ودعت الدول إلى التخلص من عقلية الحرب الباردة، والتحيّز الأيديولوجي، ورفضت محاولات الولايات المتحدة لحشد العالم ضدها، مشيرة إلى أن اتفاق أوكوس لن يؤدي إلاّ إلى تسارع سباق التسلّح في المنطقة، وأنه لن يجلب سوى الإضرار بالاستقرار العالمي والإخلال بأمن دول المنطقة المطلة على المحيط الهادي والهندي.

من جانب آخر، انطلقت «منصّة موسكو»، من العاصمة الروسية، في 20 أكتوبر 2021، حول الوضع في أفغانستان، تشمل أطرافاً إقليمية، بالإضافة إلى روسيا والصين وباكستان والهند وإيران والجمهوريات السوفياتية السابقة في منطقة آسيا الوسطى، مع غياب أمريكي، وبحضور ممثلي الحكومة التي شكلتها حركة «طالبان»، وقد تُشكل الاختبار الأول لنوايا «حكومة الأمر الواقع»، ومدى قدرتها على الالتزام بتعهداتها، وأعتقد أنها ستحدّد مسار العلاقات مع كابول مستقبلاً.

على الضفة الأخرى في القوقاز، تختلف الآراء حول المناوشات على الحدود بين إيران وأذربيجان، بين اعتباره حدثاً عابراً يمكن اختصاره بالاقتصاد أو السياسة أو الأمن؛ أم صراع جيوب وليتك معقّد تحضر فيه بشكل مباشر “إسرائيل وتركيا وروسيا”، حيث لا تمتلك الأخيرة ترف الخيارات في حماية أمنها القومي، مما يحتّم احتضانها للتوترات عبر سياسة التسويات الوقائيّة والدبلوماسية النشطة – المرنة.
ويأتي إعلان موسكو تعليق عمل بعثتها الدائمة (الديبلوماسية والعسكرية) لدى حلف الناتو، 18 أكتوبر 2021، كرّد على اتهامات الناتو لبعض أعضاء البعثة الروسية وقد يكون مؤشراً للتنسيق المباشر بين القطبين وتحييد التحالفات القديمة، وبناء نظام عالمي جديد يرتكز على مقاربات واقعية لتعزيز الأمن والسلام العالمي.

بالعودة الى منطقتنا الأوسطية، ‏لم تستطع الحكومات المتعاقبة على تونس‬ إحداث تغيير جذري، سياسي واجتماعي واقتصادي، منذ تنحي زين العابدين وانتصار ربيع تونس، وقد يكون أحد الأسباب الرئيسة “حزب النهضة‬”، الذي شكّل أحد مكوّنات السلطة والحكومة، وبالتالي فإنه يتحمل جزءاً من الإخفاق وحالة الفشل الداخلي والشيطنة وعرقلة الجهود.
كما أن “حزب العدالة والتنمية” في المغرب فشل في الانتخابات النيابية وتشكّلت حكومة جديدة بعيداً عنه بالرغم من سيطرته السابقة على الأغلبية النيابية والحكومة لمدة تزيد عن عشر سنوات.

من هنا تبدو لنا أهم المعضلات التي تهدّد الاستقرار والسلام في المنطقة، وأهمها فقدان الثقة والتعاون البنّاء بين الدول والمجتمعات، والتدخلات الخارجية وعدم تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي، وعلى الأخص أرقام 242 – 383 بخصوص الأراضي العربية المغتصبة من قبل إسرائيل (على الصعيد الإقليمي والدولي) إضافة إلى الانتماءات الثلاثة، الدينية والقومية والوطنية، على المستوى المحلي الداخلي، والتشرذم الفكري الناتج عنها الذي أدّى الى التفكّك الحاصل وتغذية الانقسامات الطائفية والمذهبية والإثنية، وتبعثر مفاهيم الهوية الوطنية الجامعة التي تحافظ على الأوطان واستقرارها وتكافح كل مشاريع الهيمنة الأجنبية والإقليمية، وهنا تأتي عودة العلاقات العربية – العربية إلى سابق حرارتها في إطار الحل الشامل الذي من شأنه إحلال الأمن والسلام والاستقرار.

لا ضير علينا إذا تبنّينا الأساليب والوسائل الغربية في العلوم والتكنولوجيا، فنحن بذلك لا نفعل أكثر من اتباع نهج التطور والارتقاء الذي يفيد الناس بمقتضاها من خبرات غيرهم ومن التراكم العلمي والمعرفي الذي ميّز البشرية في مسيرتها الحضارية المتواصلة.

ولكننا لسنا في حاجة إلى تبني جميع أشكال الحياة الغربية في صورها وقوالبها وأنماطها المختلفة أو المبادئ والقيّم الاجتماعية التي تنبثق منها، نظراً لما تتضمنه الثقافات المتعددة من جوانب إيجابية يعززها التراث، فالأخلاق الإنسانية حمّلها الغرب إلى منظمات المجتمع المدني للتعبير عن إنسانيته، أما سياساته فقد تكون أكثر تأثراً بالمصالح التي تحددها استراتيجياته المتعددة والقابلة للتغيير وفق معادلات محلية وإقليمية وعالمية، والتي تنحاز في معظم الأحيان إلى تحالفات تحقق مصلحة سياسية أو أمنية أو اقتصادية.

في علم الرياضيات، وهو العلم الأكثر إضافة لشؤون الناس الحياتية والمعيشية والعلمية، حيث بفضل دقة حساباته وعلمه التجريدي استطاع الإنسان أن يصل إلى القمر والكواكب الأخرى، وبفضله تتعاش البشرية في توفير موادها على مبدأ العرض والطلب في تأمين احتياجاتها، ويُشكل عند الحكومات الرشيدة فضل قيمة في تحديد الأولويات والميزانيات والنفقات والواردات. أما في سوريا فإذا اعتبرنا هذا المقياس الهام على المستوى الوطني فسيكون وحسب القاعدة الرياضية المعروفة لحل أي مسألة يجب تحديد الفرض (الفرضيات وهنا الغرض) ومعرفة الطلب لاستدراك الحل، ثم أخيراً وضع البراهين التي تدعم الحل.

وطبقاً للمعادلة السورية، فإنّ الطلب هو الحفاظ على وحدة سوريا والشعب السوري والهوية السورية واستعادة الأراضي المحتلة والمغتصبة ضمن إطار المواطنة والعدالة والديمقراطية وعدم التميّيز، والفرضيات هنا شعب سوري مكوّن من إثنيات مختلفة متعددة وفريدة (وتشكل ثاني أكبر تنوع في العالم بعد العراق)، احتلال ومحاولات لقضم أو ضم أراضٍ سورية، احتكار السلطة على الحزب الحاكم، سلطات الأمر الواقع، تشاركية ديكورية، مجتمع مدني مهمّش، تدخلات خارجية إقليمية ودولية، وجود فصائل مسلحة وعقوبات اقتصادية مفروضة وحرب مفتوحة لمدة عقد من الزمن أدّت الى دمار البشر والحجر وملفات مطمورة لمحتجزين ومختطفين ونوايا غير حسنة حول عودة اللاجئين والنازحين، مناطق معزولة ومناطق منهوبة، تفشي الفساد وانتشاره، قوانين في بعضها جائرة وفي بعضها منحازة وفق تداخل السلطات، نخب علمية وثقافية واجتماعية وسياسية مركونة، وأحزاب وجمعيات ونقابات واتحادات مرهونة، واقتصادات واستثمارات محضونة.

في اعتقادي، يأتي تصريح الرئيس التركي أردوغان بخصوص اللاجئين والهجرة بمثابة ترتيبات لوجستية للانسحاب من إدلب عطفاً على توافقات سوتشي مع الرئيس بوتين، ومما لا يدع مجالاً للشك بأن مسألة الخروج والهجرة إلى تركيا قد أوصدت أبوابها، وأنّ المتاح إجراء تسويات وقائية “التسوية الوقائية (سياسياً واقتصادياً وأمنياً) هي عبارة عن إجراء يُمكن المدين من تسوية أوضاعه من خلال الاتفاق المرن ويتميز هذا الإجراء عن غيره أنه يتم خلال فترة زمنية معقولة، ومقابل تكلفة بسيطة، كما أنه يتم باتباع إجراءات يسيرة وغير معقدة”، مُلزمة للأطراف للحد من الضحايا بين المدنيين، مع إرسال رسالة تحذيرية إلى أوروبا، بشكل خاص، والعالم عموماً، حول تداعيات ملف الهجرة واستثماره لمصالح تركيا، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

المنطقة تتأرجح ما بين التصعيد والحرب من جهة، والاستقرار والسلام من جهة أخرى، وخاصة بعد الانتخابات النيابية العراقية وأحداث الطيونة في لبنان وتعنّت بينية في إعادة الحقوق العربية وفشل الجولة السادسة للجنة الدستورية في جنيف التي انعكس طقسها البارد على الأوراق الأربعة التي قدمتها الوفود فيما يشابه الفصول الأربعة وتقلباتها.

الرهانات والأولويات الإنقاذية، حسب اعتقادي، تمر عبر “التسوية الوقائية ” على جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية (الدولة المعاصرة تؤمن أن المعارضة جزء من النظام السياسي، وهناك فارق بين معنى الدولة ووظائفها وبين السلطة)، أما على الصعيد المالي والاقتصادي فهي مفهوم إعادة التنظيم المالي للشركات والأفراد وفق قانون، عملاً بالظروف الاستثنائية والقاهرة التي مرت على سوريا (وعلى الأخص، المناطق الساخنة التي تعرضت للدمار والتخريب).

وتهدف إجراءات “التسوية الوقائيّة”، بالإضافة لزيادة جاذبية المستثمرين إلى الآتي: أ- تمكين المدين أو المتعثر أو الذي يتوقع أن يعاني من اضطراب أوضاعه المالية من الاستفادة من إجراءات التسوية، لتنظيم أوضاعه المالية ولمعاودة نشاطه والإسهام في دعم الاقتصاد وتنميته. ب- مراعاة حقوق الدائنين على نحو عادل وضمان المعاملة العادلة لهم.

ويتيح القانون إعادة الأصول المحجوزة احتياطياً أو تنفيذياً إلى الشركات أو الأفراد برقابة وإشراف لجنة اختصاصية تحددها المحاكم المختصة بما يسمح للشركة أو الأفراد بتسييل الأصول وإلغاء إدراج الدخول والخروج للمدينين والكفلاء، لتتمكن من تقديم توزيعات لدائنيها المعتمدين، سواء البنوك الحكومية أو الخاصة أو الدائنين الآخرين، وفق النسب التي تحددها خبرة محاسبية شفافة عبر تحديد أصل الدّين بعد طي الدفعات المقدمة أو البيع بالمزادات عملاً بالحجوزات دون أي زيادات مرتقبة، سواء غرامات أم فوائد أو أي تكاليف أخرى.

بالمقابل، علينا العمل على وضع منهج واضح من أجل الوصول إلى مستقبل أكثر صلابة للاقتصاد الوطني ووفرة واستدامة الموارد لتمويل المشروعات التنموية والاقتصادية والاجتماعية، عبر تحقيق إنجازات غير مسبوقة، تتجدّد بسقف أعلى، وبأدوات ومعايير مختلفة، لصناعة التفوق في مجالات ريادية ومستقبلية جديدة تمتلكها سوريا، فالمقياس لن يكون الخطط والأجندات فحسب، بل المشاريع والمبادرات الميدانية، التي تستهدف نقلات حقيقية في الملفات الحيوية، معتمدة على مسيرة تنموية متصاعدة.

علينا ألا ننسى أن الإنسان يظلّ الأولوية الأولى لكل جوانب التنمية، وعلينا دعم القطاعات التي تلامس احتياجاته المباشرة، وأولها التعليم والصحة وتوزيع الثروة والمنافع الاجتماعية.

لا نستطيع التكّهن ما تحمله لنا الأيام القادمة، تلك اللحظات لا تشكل سوى مروراً للزمن وإنقاصاً من أعمارنا، إذا لم نستثمرها بالنهج العلمي والواقعي، للحدّ من اليأس وركوب موجات الإبداع والابتكار، والتمسك بالحياة ورفض الموت (إلا بقضاء الله) هذه هي فلسفة الحياة.
كُل الذّين نهضوا بعد السقوط لم يُغيّروا أقدامهم، بل غيّروا أفكارهم. وكما قال ‏أديب فرنسا العظيم فيكتور هوجو: “من فتح مدرسة أغلق سجناً”.


ليفانت – باسل كويفي

إن تسليح أستراليا بغواصات ذات تقنية نووية أمريكية قد يجعل دول المنطقة مهددة من نزاع نووي ضمن منظومة الاحتمالات والتهديدات والضغوطات.

بدت واشنطن في خطواتها الأخيرة تتجه أكثر نحو إعادة ترتيب تحالفاتها القديمة لكي تناسب الواقع الجديد، إذ أخذت على عاتقها حماية مصالحها الاستراتيجية بدلاً من الحفاظ على مراكز حلفائها الأوروبيين التقليديين إلى جانبها، وأدوارهم في التنافس مع الصين وروسيا. وربما يعزّز ظهور الحلف الأمني بين واشنطن ولندن وكانبيرا فجأة ودون تنسيق مع الحلفاء الآخرين، حالة انعدام الثقة المتزايدة في العقد الأخير، وهو ما يرجّح أفقاً مجهول المعالم في خارطة التحالفات القديمة.

في نفس السياق، أكدت ‫إندونيسيا وماليزيا خلال الحكومة الأسترالية بالتزاماتها المرتبطة بمعاهدة حظر الانتشار النووي، كما انتقدت الصين ما سمته تشكيل “التكتلات الإقصائية”، ودعت الدول إلى التخلص من عقلية الحرب الباردة، والتحيّز الأيديولوجي، ورفضت محاولات الولايات المتحدة لحشد العالم ضدها، مشيرة إلى أن اتفاق أوكوس لن يؤدي إلاّ إلى تسارع سباق التسلّح في المنطقة، وأنه لن يجلب سوى الإضرار بالاستقرار العالمي والإخلال بأمن دول المنطقة المطلة على المحيط الهادي والهندي.

من جانب آخر، انطلقت «منصّة موسكو»، من العاصمة الروسية، في 20 أكتوبر 2021، حول الوضع في أفغانستان، تشمل أطرافاً إقليمية، بالإضافة إلى روسيا والصين وباكستان والهند وإيران والجمهوريات السوفياتية السابقة في منطقة آسيا الوسطى، مع غياب أمريكي، وبحضور ممثلي الحكومة التي شكلتها حركة «طالبان»، وقد تُشكل الاختبار الأول لنوايا «حكومة الأمر الواقع»، ومدى قدرتها على الالتزام بتعهداتها، وأعتقد أنها ستحدّد مسار العلاقات مع كابول مستقبلاً.

على الضفة الأخرى في القوقاز، تختلف الآراء حول المناوشات على الحدود بين إيران وأذربيجان، بين اعتباره حدثاً عابراً يمكن اختصاره بالاقتصاد أو السياسة أو الأمن؛ أم صراع جيوب وليتك معقّد تحضر فيه بشكل مباشر “إسرائيل وتركيا وروسيا”، حيث لا تمتلك الأخيرة ترف الخيارات في حماية أمنها القومي، مما يحتّم احتضانها للتوترات عبر سياسة التسويات الوقائيّة والدبلوماسية النشطة – المرنة.
ويأتي إعلان موسكو تعليق عمل بعثتها الدائمة (الديبلوماسية والعسكرية) لدى حلف الناتو، 18 أكتوبر 2021، كرّد على اتهامات الناتو لبعض أعضاء البعثة الروسية وقد يكون مؤشراً للتنسيق المباشر بين القطبين وتحييد التحالفات القديمة، وبناء نظام عالمي جديد يرتكز على مقاربات واقعية لتعزيز الأمن والسلام العالمي.

بالعودة الى منطقتنا الأوسطية، ‏لم تستطع الحكومات المتعاقبة على تونس‬ إحداث تغيير جذري، سياسي واجتماعي واقتصادي، منذ تنحي زين العابدين وانتصار ربيع تونس، وقد يكون أحد الأسباب الرئيسة “حزب النهضة‬”، الذي شكّل أحد مكوّنات السلطة والحكومة، وبالتالي فإنه يتحمل جزءاً من الإخفاق وحالة الفشل الداخلي والشيطنة وعرقلة الجهود.
كما أن “حزب العدالة والتنمية” في المغرب فشل في الانتخابات النيابية وتشكّلت حكومة جديدة بعيداً عنه بالرغم من سيطرته السابقة على الأغلبية النيابية والحكومة لمدة تزيد عن عشر سنوات.

من هنا تبدو لنا أهم المعضلات التي تهدّد الاستقرار والسلام في المنطقة، وأهمها فقدان الثقة والتعاون البنّاء بين الدول والمجتمعات، والتدخلات الخارجية وعدم تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي، وعلى الأخص أرقام 242 – 383 بخصوص الأراضي العربية المغتصبة من قبل إسرائيل (على الصعيد الإقليمي والدولي) إضافة إلى الانتماءات الثلاثة، الدينية والقومية والوطنية، على المستوى المحلي الداخلي، والتشرذم الفكري الناتج عنها الذي أدّى الى التفكّك الحاصل وتغذية الانقسامات الطائفية والمذهبية والإثنية، وتبعثر مفاهيم الهوية الوطنية الجامعة التي تحافظ على الأوطان واستقرارها وتكافح كل مشاريع الهيمنة الأجنبية والإقليمية، وهنا تأتي عودة العلاقات العربية – العربية إلى سابق حرارتها في إطار الحل الشامل الذي من شأنه إحلال الأمن والسلام والاستقرار.

لا ضير علينا إذا تبنّينا الأساليب والوسائل الغربية في العلوم والتكنولوجيا، فنحن بذلك لا نفعل أكثر من اتباع نهج التطور والارتقاء الذي يفيد الناس بمقتضاها من خبرات غيرهم ومن التراكم العلمي والمعرفي الذي ميّز البشرية في مسيرتها الحضارية المتواصلة.

ولكننا لسنا في حاجة إلى تبني جميع أشكال الحياة الغربية في صورها وقوالبها وأنماطها المختلفة أو المبادئ والقيّم الاجتماعية التي تنبثق منها، نظراً لما تتضمنه الثقافات المتعددة من جوانب إيجابية يعززها التراث، فالأخلاق الإنسانية حمّلها الغرب إلى منظمات المجتمع المدني للتعبير عن إنسانيته، أما سياساته فقد تكون أكثر تأثراً بالمصالح التي تحددها استراتيجياته المتعددة والقابلة للتغيير وفق معادلات محلية وإقليمية وعالمية، والتي تنحاز في معظم الأحيان إلى تحالفات تحقق مصلحة سياسية أو أمنية أو اقتصادية.

في علم الرياضيات، وهو العلم الأكثر إضافة لشؤون الناس الحياتية والمعيشية والعلمية، حيث بفضل دقة حساباته وعلمه التجريدي استطاع الإنسان أن يصل إلى القمر والكواكب الأخرى، وبفضله تتعاش البشرية في توفير موادها على مبدأ العرض والطلب في تأمين احتياجاتها، ويُشكل عند الحكومات الرشيدة فضل قيمة في تحديد الأولويات والميزانيات والنفقات والواردات. أما في سوريا فإذا اعتبرنا هذا المقياس الهام على المستوى الوطني فسيكون وحسب القاعدة الرياضية المعروفة لحل أي مسألة يجب تحديد الفرض (الفرضيات وهنا الغرض) ومعرفة الطلب لاستدراك الحل، ثم أخيراً وضع البراهين التي تدعم الحل.

وطبقاً للمعادلة السورية، فإنّ الطلب هو الحفاظ على وحدة سوريا والشعب السوري والهوية السورية واستعادة الأراضي المحتلة والمغتصبة ضمن إطار المواطنة والعدالة والديمقراطية وعدم التميّيز، والفرضيات هنا شعب سوري مكوّن من إثنيات مختلفة متعددة وفريدة (وتشكل ثاني أكبر تنوع في العالم بعد العراق)، احتلال ومحاولات لقضم أو ضم أراضٍ سورية، احتكار السلطة على الحزب الحاكم، سلطات الأمر الواقع، تشاركية ديكورية، مجتمع مدني مهمّش، تدخلات خارجية إقليمية ودولية، وجود فصائل مسلحة وعقوبات اقتصادية مفروضة وحرب مفتوحة لمدة عقد من الزمن أدّت الى دمار البشر والحجر وملفات مطمورة لمحتجزين ومختطفين ونوايا غير حسنة حول عودة اللاجئين والنازحين، مناطق معزولة ومناطق منهوبة، تفشي الفساد وانتشاره، قوانين في بعضها جائرة وفي بعضها منحازة وفق تداخل السلطات، نخب علمية وثقافية واجتماعية وسياسية مركونة، وأحزاب وجمعيات ونقابات واتحادات مرهونة، واقتصادات واستثمارات محضونة.

في اعتقادي، يأتي تصريح الرئيس التركي أردوغان بخصوص اللاجئين والهجرة بمثابة ترتيبات لوجستية للانسحاب من إدلب عطفاً على توافقات سوتشي مع الرئيس بوتين، ومما لا يدع مجالاً للشك بأن مسألة الخروج والهجرة إلى تركيا قد أوصدت أبوابها، وأنّ المتاح إجراء تسويات وقائية “التسوية الوقائية (سياسياً واقتصادياً وأمنياً) هي عبارة عن إجراء يُمكن المدين من تسوية أوضاعه من خلال الاتفاق المرن ويتميز هذا الإجراء عن غيره أنه يتم خلال فترة زمنية معقولة، ومقابل تكلفة بسيطة، كما أنه يتم باتباع إجراءات يسيرة وغير معقدة”، مُلزمة للأطراف للحد من الضحايا بين المدنيين، مع إرسال رسالة تحذيرية إلى أوروبا، بشكل خاص، والعالم عموماً، حول تداعيات ملف الهجرة واستثماره لمصالح تركيا، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

المنطقة تتأرجح ما بين التصعيد والحرب من جهة، والاستقرار والسلام من جهة أخرى، وخاصة بعد الانتخابات النيابية العراقية وأحداث الطيونة في لبنان وتعنّت بينية في إعادة الحقوق العربية وفشل الجولة السادسة للجنة الدستورية في جنيف التي انعكس طقسها البارد على الأوراق الأربعة التي قدمتها الوفود فيما يشابه الفصول الأربعة وتقلباتها.

الرهانات والأولويات الإنقاذية، حسب اعتقادي، تمر عبر “التسوية الوقائية ” على جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية (الدولة المعاصرة تؤمن أن المعارضة جزء من النظام السياسي، وهناك فارق بين معنى الدولة ووظائفها وبين السلطة)، أما على الصعيد المالي والاقتصادي فهي مفهوم إعادة التنظيم المالي للشركات والأفراد وفق قانون، عملاً بالظروف الاستثنائية والقاهرة التي مرت على سوريا (وعلى الأخص، المناطق الساخنة التي تعرضت للدمار والتخريب).

وتهدف إجراءات “التسوية الوقائيّة”، بالإضافة لزيادة جاذبية المستثمرين إلى الآتي: أ- تمكين المدين أو المتعثر أو الذي يتوقع أن يعاني من اضطراب أوضاعه المالية من الاستفادة من إجراءات التسوية، لتنظيم أوضاعه المالية ولمعاودة نشاطه والإسهام في دعم الاقتصاد وتنميته. ب- مراعاة حقوق الدائنين على نحو عادل وضمان المعاملة العادلة لهم.

ويتيح القانون إعادة الأصول المحجوزة احتياطياً أو تنفيذياً إلى الشركات أو الأفراد برقابة وإشراف لجنة اختصاصية تحددها المحاكم المختصة بما يسمح للشركة أو الأفراد بتسييل الأصول وإلغاء إدراج الدخول والخروج للمدينين والكفلاء، لتتمكن من تقديم توزيعات لدائنيها المعتمدين، سواء البنوك الحكومية أو الخاصة أو الدائنين الآخرين، وفق النسب التي تحددها خبرة محاسبية شفافة عبر تحديد أصل الدّين بعد طي الدفعات المقدمة أو البيع بالمزادات عملاً بالحجوزات دون أي زيادات مرتقبة، سواء غرامات أم فوائد أو أي تكاليف أخرى.

بالمقابل، علينا العمل على وضع منهج واضح من أجل الوصول إلى مستقبل أكثر صلابة للاقتصاد الوطني ووفرة واستدامة الموارد لتمويل المشروعات التنموية والاقتصادية والاجتماعية، عبر تحقيق إنجازات غير مسبوقة، تتجدّد بسقف أعلى، وبأدوات ومعايير مختلفة، لصناعة التفوق في مجالات ريادية ومستقبلية جديدة تمتلكها سوريا، فالمقياس لن يكون الخطط والأجندات فحسب، بل المشاريع والمبادرات الميدانية، التي تستهدف نقلات حقيقية في الملفات الحيوية، معتمدة على مسيرة تنموية متصاعدة.

علينا ألا ننسى أن الإنسان يظلّ الأولوية الأولى لكل جوانب التنمية، وعلينا دعم القطاعات التي تلامس احتياجاته المباشرة، وأولها التعليم والصحة وتوزيع الثروة والمنافع الاجتماعية.

لا نستطيع التكّهن ما تحمله لنا الأيام القادمة، تلك اللحظات لا تشكل سوى مروراً للزمن وإنقاصاً من أعمارنا، إذا لم نستثمرها بالنهج العلمي والواقعي، للحدّ من اليأس وركوب موجات الإبداع والابتكار، والتمسك بالحياة ورفض الموت (إلا بقضاء الله) هذه هي فلسفة الحياة.
كُل الذّين نهضوا بعد السقوط لم يُغيّروا أقدامهم، بل غيّروا أفكارهم. وكما قال ‏أديب فرنسا العظيم فيكتور هوجو: “من فتح مدرسة أغلق سجناً”.


ليفانت – باسل كويفي

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit