العولمة واتجاهات النظام العالمي الجديد

درويش خليفة

بعد الحرب العالمية الثانية كانت المنافسة الأمريكية السوفياتية محتدمة في محاولة كل طرف فرض رؤيته الاقتصادية، الاشتراكية السوفياتية بمقابل الرأسمالية الأمريكية، الأمر الذي وفر قسطاً من انتشار العولمة، وذلك بعد مشروع مارشال الأمريكي في أوروبا، وقطع الطريق على دول الاتحاد السوفياتي بعد أن وجدت لها نافذة عبر الأحزاب اليسارية في كل من فرنسا وإيطاليا. وفي مراحل لاحقة، ساعد سقوط جدار برلين بالانفتاح الاقتصادي والأسواق الحرة، مما ساهم في نمو اقتصادٍ عالميّ غير متجانس.

ونتيجة لتلك العوامل، يتطلب التكامل الاقتصادي، وجود دول مستهلكة فقيرة، وأخرى تمتلك ثروات باطنية (المشتقات النفطية) من أجل الوصول إلى المنتج الذي يجني الربح الوفير، الأمر الذي يؤدي إلى انتشال مئات الملايين من الفقراء في الغرب، وإغراق أضعافهم في الفقر من دول أفريقيا وآسيا، وبقاء أمريكا اللاتينية حديقة خلفية ذات مزروعات موسمية تغذي الولايات المتحدة وأوروبا.
ومن هذا المبدأ، لا يمكننا إدراج العولمة في جدول أدوات النزاعات والحروب التي تصنعها السياسات المتهورة ولغة القوة والضعف، ولكن في المقابل بمقدورنا القول إنّ العولمة أداة للسلام ومصدر للتقارب الثقافي والتعايش السلمي والنمو الاقتصادي الدولي، إذا كانت الإرادة حاضرة عند الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.

في اللحظة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، وانتشار مصطلح العولمة Globalization بشكلٍ كبير وتطور شبكة التجارة الدولية وظهور الشركات العابرة للحدود وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية في القرار الدولي بتأييد من حلفائها الأوروبيين، بالإضافة إلى اليابان ودول الخليج العربي، لم يعُد هناك قوة تمنعها من طموحاتها التوسعيّة، فهي؛ أيّ أمريكا، التي تقرر الحرب، وهي التي تصنع السلام، كما حدث في حرب الخليج وأفغانستان وغزو العراق وإسقاط نظام القذافي في ليبيا 2011.

وفي ضوء ذلك، نرى أنَّ الشركات الأمريكية الكبرى، تلك التي تُصنّع الأسلحة والأدوية وأجهزة الاتصالات، لها دور مهم في صناعة القرار السياسي الأمريكي، وبالتالي؛ يتم إقحام العولمة في صراعات تتجاوز دورها التنموي والتنويري العابر للحدود. وبالرغم من كل إنجازات العلم وعمق التفكير الإنساني والدبلوماسي، ظلت الحرب حاضرة كأداة في عقول ونفوس رجال السياسة. الأمر الذي يتناقض مع دور التجارة الدولية في تعزيز السلم والأمن الدوليين، لأن القاعدة تقول؛ يقلل الترابط التجاري المتبادل من احتمالات نشوب صراعات عسكرية. وفي غضون ذلك، ازدادت البلدان النشطة في التجارة الدولية. وبشكلٍ واضح، العولمة فرصة للبلدان النامية من أجل اندماجها في الأسواق الناشئة والاقتصادات العالمية.

وفي هذا السياق يكشف تقرير سابق لـ البنك الدولي عن ثلاثة مؤشرات اقتصادية للعولمة، حيث يبين أنّ “هناك مجموعة من الدول الفقيرة يبلغ عدد سكانها حوالي ألفي مليون نسمة اقتحمت السوق العالمية للصناعات التحويلية والخدمات، بعدما كانت صادراتها قبل 20 سنة تقتصر على السلع الأساسية. ومن أوضح الأمثلة على هذه الدول الهند والصين وفيتنام وبنغلاديش، وانخفض عدد الفقراء في عقد التسعينات بمقدار 120 مليون شخص”.

ومن أجل وضوح الرؤية إزاء مستقبل العولمة، لابد من معرفة تداعيات فيروس كورونا الذي ألقى بظلاله على القرية العالمية بأكملها. فالحروب البيولوجية لا تقلّ خطوة عن أسلحة الدمار الشامل، وهذا ما يؤكده التاريخ منذ حادثة تلوث البطانيات بفيروس الجدري المعدي، التي قدمتها القوات البريطانية، كإغاثة للهنود الحمر لتصيب وتقتل ما لا يقل عن 50٪ من السكان الأصليين في المنطقة التي أقيمت عليها الولايات المتحدة الأمريكية. لذلك، من الصعب التنبؤ بالمستقبل القريب للعولمة سوى من زاوية المنافسة الصينية الأمريكية في مجال التكنولوجيا وشبكة الجيل الخامس G5 واللقاحات المضادة لفيروس كوفيد-19.
وفي ظلّ تلك الظروف، من الضروري معرفة شكل النظام العالمي الجديد، رغم بطء وتيرة اتجاه سفينته لفداحة حجمها وما يعترض شبكات التجارة العالمية والمنظمات الدولية، التي تفسر الرؤية الليبرالية والنهج الأمريكي، وحلفاؤها المنتشرون جنوباً وشمالاً.
وما ألاحظه من منظور المتابع لحيثية الأزمة الأخيرة، سواء أكانت الاقتصادية أو الوبائية، فإن إعادة هيكلة المنظومة العالمية، لا بد أن تأخذ شكلاً عادلاً يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار حتى يتم تجاوز الخلافات الدولية وتبلور القالب العالمي. وفي هذه الفترة قد نشهد نشاطاً مضاعفاً لدعاة القومية الرافضين للعولمة والثورة الرقمية. منوّهاً بأن أنشطتها تحتاج إلى العولمة ووسائلها المتطورة في سبيل الوصول إلى مناصريها، وتحقيقاً لأهدافها.

وعلى النقيض من ذلك، يمكن للقوتين العالميتين، الصين وأمريكا، العمل معاً لإنتاج نظام عالمي عادل، بقيادة مجموعة العشرين الاقتصادية G20. وبالتالي، سيكون لمعظم الدول الطموحة مقعد في المسرح العالمي.

ومن هذه الناحية، يكون لدول المشرق تمثيل يعيد الثقة إلى شعوبها، وينضم بذلك إلى مسارات التطور والنمو الاقتصادي ويتغلب على الأزمات العديدة التي تحيط بها من جميع الجهات.

فكما أنَّ للعولمة مثالبها، من زاوية أخرى لها مزاياها أيضاً، فأمام هذا الواقع يمكن أن تقوم الدول الكبرى بإنشاء هيئة تخصّ النمو والتطور الدولي، تهدف إلى المساواة بين الشعوب وتأتي بالعون والمساعدة للدول الأقل نمواً، لحين نهوض العالم بشكل متساوٍ، وبذلك يتم القضاء على الإرهاب والتخلف والأمية، وبهذا تصبح مقولة العدل أساس الحكم واقعاً، ما يقلص فرص التسلّط والاستقواء ومحاربة فرص العيش بأمن وأمان وسلام.

درويش خليفة

ليفانت – درويش خليفة

بعد الحرب العالمية الثانية كانت المنافسة الأمريكية السوفياتية محتدمة في محاولة كل طرف فرض رؤيته الاقتصادية، الاشتراكية السوفياتية بمقابل الرأسمالية الأمريكية، الأمر الذي وفر قسطاً من انتشار العولمة، وذلك بعد مشروع مارشال الأمريكي في أوروبا، وقطع الطريق على دول الاتحاد السوفياتي بعد أن وجدت لها نافذة عبر الأحزاب اليسارية في كل من فرنسا وإيطاليا. وفي مراحل لاحقة، ساعد سقوط جدار برلين بالانفتاح الاقتصادي والأسواق الحرة، مما ساهم في نمو اقتصادٍ عالميّ غير متجانس.

ونتيجة لتلك العوامل، يتطلب التكامل الاقتصادي، وجود دول مستهلكة فقيرة، وأخرى تمتلك ثروات باطنية (المشتقات النفطية) من أجل الوصول إلى المنتج الذي يجني الربح الوفير، الأمر الذي يؤدي إلى انتشال مئات الملايين من الفقراء في الغرب، وإغراق أضعافهم في الفقر من دول أفريقيا وآسيا، وبقاء أمريكا اللاتينية حديقة خلفية ذات مزروعات موسمية تغذي الولايات المتحدة وأوروبا.
ومن هذا المبدأ، لا يمكننا إدراج العولمة في جدول أدوات النزاعات والحروب التي تصنعها السياسات المتهورة ولغة القوة والضعف، ولكن في المقابل بمقدورنا القول إنّ العولمة أداة للسلام ومصدر للتقارب الثقافي والتعايش السلمي والنمو الاقتصادي الدولي، إذا كانت الإرادة حاضرة عند الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.

في اللحظة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، وانتشار مصطلح العولمة Globalization بشكلٍ كبير وتطور شبكة التجارة الدولية وظهور الشركات العابرة للحدود وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية في القرار الدولي بتأييد من حلفائها الأوروبيين، بالإضافة إلى اليابان ودول الخليج العربي، لم يعُد هناك قوة تمنعها من طموحاتها التوسعيّة، فهي؛ أيّ أمريكا، التي تقرر الحرب، وهي التي تصنع السلام، كما حدث في حرب الخليج وأفغانستان وغزو العراق وإسقاط نظام القذافي في ليبيا 2011.

وفي ضوء ذلك، نرى أنَّ الشركات الأمريكية الكبرى، تلك التي تُصنّع الأسلحة والأدوية وأجهزة الاتصالات، لها دور مهم في صناعة القرار السياسي الأمريكي، وبالتالي؛ يتم إقحام العولمة في صراعات تتجاوز دورها التنموي والتنويري العابر للحدود. وبالرغم من كل إنجازات العلم وعمق التفكير الإنساني والدبلوماسي، ظلت الحرب حاضرة كأداة في عقول ونفوس رجال السياسة. الأمر الذي يتناقض مع دور التجارة الدولية في تعزيز السلم والأمن الدوليين، لأن القاعدة تقول؛ يقلل الترابط التجاري المتبادل من احتمالات نشوب صراعات عسكرية. وفي غضون ذلك، ازدادت البلدان النشطة في التجارة الدولية. وبشكلٍ واضح، العولمة فرصة للبلدان النامية من أجل اندماجها في الأسواق الناشئة والاقتصادات العالمية.

وفي هذا السياق يكشف تقرير سابق لـ البنك الدولي عن ثلاثة مؤشرات اقتصادية للعولمة، حيث يبين أنّ “هناك مجموعة من الدول الفقيرة يبلغ عدد سكانها حوالي ألفي مليون نسمة اقتحمت السوق العالمية للصناعات التحويلية والخدمات، بعدما كانت صادراتها قبل 20 سنة تقتصر على السلع الأساسية. ومن أوضح الأمثلة على هذه الدول الهند والصين وفيتنام وبنغلاديش، وانخفض عدد الفقراء في عقد التسعينات بمقدار 120 مليون شخص”.

ومن أجل وضوح الرؤية إزاء مستقبل العولمة، لابد من معرفة تداعيات فيروس كورونا الذي ألقى بظلاله على القرية العالمية بأكملها. فالحروب البيولوجية لا تقلّ خطوة عن أسلحة الدمار الشامل، وهذا ما يؤكده التاريخ منذ حادثة تلوث البطانيات بفيروس الجدري المعدي، التي قدمتها القوات البريطانية، كإغاثة للهنود الحمر لتصيب وتقتل ما لا يقل عن 50٪ من السكان الأصليين في المنطقة التي أقيمت عليها الولايات المتحدة الأمريكية. لذلك، من الصعب التنبؤ بالمستقبل القريب للعولمة سوى من زاوية المنافسة الصينية الأمريكية في مجال التكنولوجيا وشبكة الجيل الخامس G5 واللقاحات المضادة لفيروس كوفيد-19.
وفي ظلّ تلك الظروف، من الضروري معرفة شكل النظام العالمي الجديد، رغم بطء وتيرة اتجاه سفينته لفداحة حجمها وما يعترض شبكات التجارة العالمية والمنظمات الدولية، التي تفسر الرؤية الليبرالية والنهج الأمريكي، وحلفاؤها المنتشرون جنوباً وشمالاً.
وما ألاحظه من منظور المتابع لحيثية الأزمة الأخيرة، سواء أكانت الاقتصادية أو الوبائية، فإن إعادة هيكلة المنظومة العالمية، لا بد أن تأخذ شكلاً عادلاً يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار حتى يتم تجاوز الخلافات الدولية وتبلور القالب العالمي. وفي هذه الفترة قد نشهد نشاطاً مضاعفاً لدعاة القومية الرافضين للعولمة والثورة الرقمية. منوّهاً بأن أنشطتها تحتاج إلى العولمة ووسائلها المتطورة في سبيل الوصول إلى مناصريها، وتحقيقاً لأهدافها.

وعلى النقيض من ذلك، يمكن للقوتين العالميتين، الصين وأمريكا، العمل معاً لإنتاج نظام عالمي عادل، بقيادة مجموعة العشرين الاقتصادية G20. وبالتالي، سيكون لمعظم الدول الطموحة مقعد في المسرح العالمي.

ومن هذه الناحية، يكون لدول المشرق تمثيل يعيد الثقة إلى شعوبها، وينضم بذلك إلى مسارات التطور والنمو الاقتصادي ويتغلب على الأزمات العديدة التي تحيط بها من جميع الجهات.

فكما أنَّ للعولمة مثالبها، من زاوية أخرى لها مزاياها أيضاً، فأمام هذا الواقع يمكن أن تقوم الدول الكبرى بإنشاء هيئة تخصّ النمو والتطور الدولي، تهدف إلى المساواة بين الشعوب وتأتي بالعون والمساعدة للدول الأقل نمواً، لحين نهوض العالم بشكل متساوٍ، وبذلك يتم القضاء على الإرهاب والتخلف والأمية، وبهذا تصبح مقولة العدل أساس الحكم واقعاً، ما يقلص فرص التسلّط والاستقواء ومحاربة فرص العيش بأمن وأمان وسلام.

درويش خليفة

ليفانت – درويش خليفة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit