السوريون.. بيدرسون ومستنقع اللجنة الدستورية

شهاب الأحمد 

في مؤتمر صحفي عقده وزير خارجية النظام السوري الراحل وليد المعلم، بتاريخ 19/12/2011، على خلفية توقيع برتوكول بعثة المراقبين في مقر جامعة الدول العربية، ورداً على سؤال قال: “إذا كنا سنغرق البعثة في التفاصيل عليهم أن يتعلّموا السباحة”.

بعيد السباحات الماراتونية للعديد من الدول الفاعلة، سواء منها الإقليمية أو الدولية، في “الماغما” السورية، والتي استغرقت ما يقارب الثماني سنوات، عقد مؤتمر للحوار “الوطني السوري” في منتجع سوتشي المطل على البحر الأسود، كمساهمة بإيجاد حل سياسي للأزمة السورية، بتاريخ 30 كانون الثاني/ يناير 2018، بدعوة من روسيا، وخرج بقرار يتيم، وهو تشكيل لجنة دستورية لكتابة “الدستور السوري”.. وكانت الهيئة العليا للمفاوضات السورية قد أعلنت مقاطعته قبل انعقاده. إلا أنّها انخرطت في اللجنة بعيد تشكيلها الذي استغرق ما يقارب السنتين، حيث تم الإعلان عنها في أيلول/ سبتمبر 2019.

وبعد خمس جولات استغرقت سنتين من عمرها، كان حصادها الرئيس، استمرار النزيف السوري، واختباره لكل أقنعة الموت، التي عرفتها البشرية في تاريخها، وما زال الموت جوعاً وعطشاً وإذلالاً وامتهاناً، ناهيك عن الاعتقال والخطف والقتل بكل أشكاله وألوانه، سيّد الفضاء السوري العام.

وبالمقابل، حصد النظام العديد من النقاط، من خلال قبوله بتشكيل اللجنة، ولو (مكرهاً)، والانخراط في اجتماعاتها، ومن ثم إجهاضها، بعيد كل جلسة، وذلك بالسير على خطى وزير خارجيته الراحل “وليد المعلم” سنغرقهم في التفاصيل. من خلال طروحاتهم في السياقات والمفاهيم، التي عليهم أن يتفقوا عليها قبل الولوج في موضوع الدستور. وصولاً إلى مرحلة تعويمه، وامتداد سيطرته على الكثير من المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة، ومن ثمّ إجراء انتخابات رئاسية صورية، تمديداً لرأس النظام لولاية رابعة. وهو ما انعكس على الداخل السوري بأبشع الصور، من إيغالٍ في إفقار القاع الاجتماعي، وسلبه كل مقومات الاستمرار في الحياة، وكذلك استباحة كل مقومات وجوده على الأرض السورية، وتخريبه لكل بنى “الدولة” المنتجة، وارتهانها وبيعها، لنظامي روسيا وإيران، وهجرة العديد من الكفاءات العلمية، ورؤوس الأموال، إلى دول الجوار، سواء منها الصناعية أو التجارية، هرباً من استشراس النظام في السطو على الأموال الخاصة والعامة، ليشبع نهمه المتسرطن.

والحصاد الأهم بعد تبوّء رأس النظام لولايته الرابعة، وبدعم من روسيا وإيران، هو تمييع العملية السياسية، أو بالأدق استنقاعها، وأيضاً بمباركة من داعميه الإقليمي والدولي. وقبل كل ذلك كان النظام بتشكيلته الدستورية، قد سجل أيضاً تفوقاً على المعارضة، بانسجام لجنته المطلق ووحدانية المرجعية، والولاء التام للنظام، ووضوح الهدف. وعلى المستوى السياسي، استثمرها كإنجاز سياسي كبير، وتمكن من تسويق ذاته عبرها، كمسعى جاد في التسوية السياسية، إضافة لإمكانية إدارتها في حلقة مفرغة، أو إغراقها في رمال مستنقعية متحركة، في التوقيت الذي يناسبه.

إضافة إلى أنّ (اللجنة الدستورية)، أتاحت للنظام ورأسه افتراضاً، بأن تجري الانتخابات وما يترتب عنها، تحت مظلته. كما ستفصّل على مقاسه بالتأكيد وتشرعنه، لأنه سيعطل أي مشروع قانون، ولن يوقع على قرار إعدامه السياسي بيده.

وأمّا المعارضة؛ وبجناحيها السياسي والعسكري، فقد انساقت كتحصيل حاصل، لتشرذمها وصراعاتها الجانبية، وسياسة التخوين، والاستفراد في الرأي، إضافة إلى فيروس “تضخم الأنا” والذي لعب دوراً سلبياً لا يستهان به خلال الممارسة السياسية العلنية للعديد من شخصياتها، تلك الممارسة التي أظهرت ليس فقط حنكة وخبرة متواضعة، وإنما البون الشاسع بين العمل السياسي المؤسسي الرسمي على مستوى المجتمع الدولي والشرعة الدولية بمؤسساتها وهياكلها، والعمل السياسي المعارض والسري، ضد نظامٍ دكتاتوري، كأفراد أو أحزاب، أو كترف فكري ثقافي، فني وأدبي، في فضاء عام غير محدد. والارتهان لأجندات خارجية، والذي ما هو إلا تحصيل حاصل لقضايا لوجستية، ترتبط بالدول الحاضنة لتلك المعارضة، سواء السياسية منها أو العسكرية، وهذا بالطبع انعكس بظلاله على مجمل نشاطات تلك المعارضة، في كل مراحلها، منذ اندلاع “البركان السوري”، في منتصف آذار/ مارس 2011، الذي كانت “ماغماه” التوق للحياة، واشتياق الحرية، نشداناً لغد جميل.

وبعد تلك السنوات “العجاف”، يعود “غير بيدرسون”، المبعوث الخاص للأمم المتحدة، إلى سوريا، و”المكوك” الميسّر لأعمال “اللجنة الدستورية”، ليغرّد بعد نشاط امتدّ لثمانية أشهر من العمل واللقاءات المكثّفة مع الأطراف الفاعلة في المأساة السورية، بأنه توصّل لاتفاق مع الرئيسين المشاركين للجنة الدستورية، على عقد الجولة السادسة، في الثامن عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2021، بعد جولات خمس، من الفشل، والمزيد من الدم السوري المسفوك، وتفاقم توحش النظام السوري، تجاه شعب أعزل، وطال أهم مقومات الحياة، “لقمة العيش”.

وكان قد نوّه سابقاً (بيدرسون)، في إحاطته المغلقة أمام مجلس الأمن، في شباط الماضي، وأكد على ضرورة تغيير منهجية التعامل مع اللجنة الدستورية، وتقريب المواقف الدولية المتباينة بما يخصّ الملف السوري. كما أكد في محادثات أستانا السادسة عشرة التي انطلقت برعاية تركيا وروسيا وإيران، “الدول الضامنة” بتاريخ 8 آب/ يوليو 2021، على أهمية انعقاد الاجتماع السادس للجنة الدستورية. كما كان قد صرّح في انطلاقة أعمال اللجنة الدستورية، بأنّها “قد تكون البوابة التي ندخل من خلالها لبقية السلال الأممية المتعلقة بسوريا”.

وأتى الرد القاطع من رأس النظام “الأسد” بأن “اللجنة الدستورية لا علاقة لها بالانتخابات، لها علاقة فقط بموضوع الدستور” وبأنّ “الحكومة السورية ليست جزءاً من هذه المفاوضات”.

وكما أنّ لـ”الدول الضامنة”، تاريخ إمبراطوري عريق في قهر الشعوب، فأجنداتها، سواء الاستراتيجية منها أو التكتيكية، مرسومة بحدود مصالحها، وليس العدالة للشعب السوري، أو المساعدة في الانتقال الديمقراطي، أو الحرية أو الإغاثة الإنسانية. وأنّ “الغيارى” على الديمقراطية في العالم، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، حريصون أشدّ الحرص، على سبات شعوب هذه المنطقة من العالم، لثرواتها الطبيعية الاستراتيجية، بالدرجة الأولى، كحرصهم على المحافظة على أنظمة دكتاتورية مشوّهة، تابعة وتحافظ على تخلّف البلد وإفقاره، وتهميشه، للمحافظة على مصالحها فيها عن طريق تلك الأنظمة. وإن كان لا بدّ من تدخلها، إبان انتفاضات وثورات تلك الشعوب، والمساهمة في تغيير أنظمتها، بذريعة إشاعة الديمقراطية والحرية، فلن يكون ذلك إلا في حالة بديل، يتناسب وسرير “بروكريست” تلك الدول، أشد ارتباطاً بهم وولاءاً، وبالتأكيد ليس ديمقراطياً أو إنسانياً.

ليفانت – شهاب الأحمد

في مؤتمر صحفي عقده وزير خارجية النظام السوري الراحل وليد المعلم، بتاريخ 19/12/2011، على خلفية توقيع برتوكول بعثة المراقبين في مقر جامعة الدول العربية، ورداً على سؤال قال: “إذا كنا سنغرق البعثة في التفاصيل عليهم أن يتعلّموا السباحة”.

بعيد السباحات الماراتونية للعديد من الدول الفاعلة، سواء منها الإقليمية أو الدولية، في “الماغما” السورية، والتي استغرقت ما يقارب الثماني سنوات، عقد مؤتمر للحوار “الوطني السوري” في منتجع سوتشي المطل على البحر الأسود، كمساهمة بإيجاد حل سياسي للأزمة السورية، بتاريخ 30 كانون الثاني/ يناير 2018، بدعوة من روسيا، وخرج بقرار يتيم، وهو تشكيل لجنة دستورية لكتابة “الدستور السوري”.. وكانت الهيئة العليا للمفاوضات السورية قد أعلنت مقاطعته قبل انعقاده. إلا أنّها انخرطت في اللجنة بعيد تشكيلها الذي استغرق ما يقارب السنتين، حيث تم الإعلان عنها في أيلول/ سبتمبر 2019.

وبعد خمس جولات استغرقت سنتين من عمرها، كان حصادها الرئيس، استمرار النزيف السوري، واختباره لكل أقنعة الموت، التي عرفتها البشرية في تاريخها، وما زال الموت جوعاً وعطشاً وإذلالاً وامتهاناً، ناهيك عن الاعتقال والخطف والقتل بكل أشكاله وألوانه، سيّد الفضاء السوري العام.

وبالمقابل، حصد النظام العديد من النقاط، من خلال قبوله بتشكيل اللجنة، ولو (مكرهاً)، والانخراط في اجتماعاتها، ومن ثم إجهاضها، بعيد كل جلسة، وذلك بالسير على خطى وزير خارجيته الراحل “وليد المعلم” سنغرقهم في التفاصيل. من خلال طروحاتهم في السياقات والمفاهيم، التي عليهم أن يتفقوا عليها قبل الولوج في موضوع الدستور. وصولاً إلى مرحلة تعويمه، وامتداد سيطرته على الكثير من المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة، ومن ثمّ إجراء انتخابات رئاسية صورية، تمديداً لرأس النظام لولاية رابعة. وهو ما انعكس على الداخل السوري بأبشع الصور، من إيغالٍ في إفقار القاع الاجتماعي، وسلبه كل مقومات الاستمرار في الحياة، وكذلك استباحة كل مقومات وجوده على الأرض السورية، وتخريبه لكل بنى “الدولة” المنتجة، وارتهانها وبيعها، لنظامي روسيا وإيران، وهجرة العديد من الكفاءات العلمية، ورؤوس الأموال، إلى دول الجوار، سواء منها الصناعية أو التجارية، هرباً من استشراس النظام في السطو على الأموال الخاصة والعامة، ليشبع نهمه المتسرطن.

والحصاد الأهم بعد تبوّء رأس النظام لولايته الرابعة، وبدعم من روسيا وإيران، هو تمييع العملية السياسية، أو بالأدق استنقاعها، وأيضاً بمباركة من داعميه الإقليمي والدولي. وقبل كل ذلك كان النظام بتشكيلته الدستورية، قد سجل أيضاً تفوقاً على المعارضة، بانسجام لجنته المطلق ووحدانية المرجعية، والولاء التام للنظام، ووضوح الهدف. وعلى المستوى السياسي، استثمرها كإنجاز سياسي كبير، وتمكن من تسويق ذاته عبرها، كمسعى جاد في التسوية السياسية، إضافة لإمكانية إدارتها في حلقة مفرغة، أو إغراقها في رمال مستنقعية متحركة، في التوقيت الذي يناسبه.

إضافة إلى أنّ (اللجنة الدستورية)، أتاحت للنظام ورأسه افتراضاً، بأن تجري الانتخابات وما يترتب عنها، تحت مظلته. كما ستفصّل على مقاسه بالتأكيد وتشرعنه، لأنه سيعطل أي مشروع قانون، ولن يوقع على قرار إعدامه السياسي بيده.

وأمّا المعارضة؛ وبجناحيها السياسي والعسكري، فقد انساقت كتحصيل حاصل، لتشرذمها وصراعاتها الجانبية، وسياسة التخوين، والاستفراد في الرأي، إضافة إلى فيروس “تضخم الأنا” والذي لعب دوراً سلبياً لا يستهان به خلال الممارسة السياسية العلنية للعديد من شخصياتها، تلك الممارسة التي أظهرت ليس فقط حنكة وخبرة متواضعة، وإنما البون الشاسع بين العمل السياسي المؤسسي الرسمي على مستوى المجتمع الدولي والشرعة الدولية بمؤسساتها وهياكلها، والعمل السياسي المعارض والسري، ضد نظامٍ دكتاتوري، كأفراد أو أحزاب، أو كترف فكري ثقافي، فني وأدبي، في فضاء عام غير محدد. والارتهان لأجندات خارجية، والذي ما هو إلا تحصيل حاصل لقضايا لوجستية، ترتبط بالدول الحاضنة لتلك المعارضة، سواء السياسية منها أو العسكرية، وهذا بالطبع انعكس بظلاله على مجمل نشاطات تلك المعارضة، في كل مراحلها، منذ اندلاع “البركان السوري”، في منتصف آذار/ مارس 2011، الذي كانت “ماغماه” التوق للحياة، واشتياق الحرية، نشداناً لغد جميل.

وبعد تلك السنوات “العجاف”، يعود “غير بيدرسون”، المبعوث الخاص للأمم المتحدة، إلى سوريا، و”المكوك” الميسّر لأعمال “اللجنة الدستورية”، ليغرّد بعد نشاط امتدّ لثمانية أشهر من العمل واللقاءات المكثّفة مع الأطراف الفاعلة في المأساة السورية، بأنه توصّل لاتفاق مع الرئيسين المشاركين للجنة الدستورية، على عقد الجولة السادسة، في الثامن عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2021، بعد جولات خمس، من الفشل، والمزيد من الدم السوري المسفوك، وتفاقم توحش النظام السوري، تجاه شعب أعزل، وطال أهم مقومات الحياة، “لقمة العيش”.

وكان قد نوّه سابقاً (بيدرسون)، في إحاطته المغلقة أمام مجلس الأمن، في شباط الماضي، وأكد على ضرورة تغيير منهجية التعامل مع اللجنة الدستورية، وتقريب المواقف الدولية المتباينة بما يخصّ الملف السوري. كما أكد في محادثات أستانا السادسة عشرة التي انطلقت برعاية تركيا وروسيا وإيران، “الدول الضامنة” بتاريخ 8 آب/ يوليو 2021، على أهمية انعقاد الاجتماع السادس للجنة الدستورية. كما كان قد صرّح في انطلاقة أعمال اللجنة الدستورية، بأنّها “قد تكون البوابة التي ندخل من خلالها لبقية السلال الأممية المتعلقة بسوريا”.

وأتى الرد القاطع من رأس النظام “الأسد” بأن “اللجنة الدستورية لا علاقة لها بالانتخابات، لها علاقة فقط بموضوع الدستور” وبأنّ “الحكومة السورية ليست جزءاً من هذه المفاوضات”.

وكما أنّ لـ”الدول الضامنة”، تاريخ إمبراطوري عريق في قهر الشعوب، فأجنداتها، سواء الاستراتيجية منها أو التكتيكية، مرسومة بحدود مصالحها، وليس العدالة للشعب السوري، أو المساعدة في الانتقال الديمقراطي، أو الحرية أو الإغاثة الإنسانية. وأنّ “الغيارى” على الديمقراطية في العالم، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، حريصون أشدّ الحرص، على سبات شعوب هذه المنطقة من العالم، لثرواتها الطبيعية الاستراتيجية، بالدرجة الأولى، كحرصهم على المحافظة على أنظمة دكتاتورية مشوّهة، تابعة وتحافظ على تخلّف البلد وإفقاره، وتهميشه، للمحافظة على مصالحها فيها عن طريق تلك الأنظمة. وإن كان لا بدّ من تدخلها، إبان انتفاضات وثورات تلك الشعوب، والمساهمة في تغيير أنظمتها، بذريعة إشاعة الديمقراطية والحرية، فلن يكون ذلك إلا في حالة بديل، يتناسب وسرير “بروكريست” تلك الدول، أشد ارتباطاً بهم وولاءاً، وبالتأكيد ليس ديمقراطياً أو إنسانياً.

ليفانت – شهاب الأحمد

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit