السوريون الذين غيّروا وجه ألمانيا

مها حسن
مها حسن

بعد قرابة أسبوعين أمضيتهما في ألمانيا، في ثلاث مدن رئيسية، وضمن لقاءات متعددة مع أصدقاء سوريين، عدت إلى فرنسا بإحساس بالفقد.

لا يمكن مقارنة فرنسا مع ألمانيا قيما يخص الحيوية السورية التي تمنح ألمانيا خصوصية، تكاد تُنهي القطيعة مع سمعة ألمانيا المعتادة، بوصفها بلد الصرامة الفكرية، بينما تبدو فرنسا، ذات السمعة المختلفة في احتوائها على تعدد الجنسيات والإثنيات، وتمتع بخصوبة في علاقتها مع الآخر، جامدة اليوم، قياساً مع التجربة الألمانية، أو على الأقل، فإن هذا ما خرجتُ به في نهاية جولتي.

أثر الجالية السورية

بالمقارنة بين برلين وباريس، فإن “شارع العرب” في برلين، لا يشبه أي مكان آخر في باريس. إذا حاولنا تقريب الصورة، فإنه يمكن أن نتحدث عن “باربيس”، والتي لا تحظى بصورة إيجابية، حيث تكاد سمعة المنطقة في قلب العاصمة الفرنسية، مرتبطة بوجود العرب من ناحية سلبية.

بمعنى آخر، فإن العرب الموجودين في باربيس الباريسية، هم العرب المغاربة ” من المغرب العربي والجزائر وتونس ..”، والذين تربط بينهم وبين فرنسا علاقة استعمارية قديمة، لا تزال تُلقي بظلالها على الراهن، كما أن إتقان اللغة الفرنسية لدى هذه الجماعة، والتي تتفوق لغوياً بالفرنسية على اللغة العربية، مع تمسك أغلبها بهوية دينية، يُبقي العلاقة بين العرب في باريس والباريسيين بالنشأة، ضمن حساسيات معقدة، إذ لا يزال العرب يعانون من نظرة استعلائية نابذة، رغم ولادتهم في هذه البلاد، وتمتعهم بحقوق مدنية كاملة، وكذلك هناك نوع من الرفض النفسي لدى هؤلاء لدخول الذهنية الفرنسية الخالصة، بسبب التاريخ الاستعماري ، الذي لم يتخلص منه الطرفان بدقة حتى اليوم، مع عدم التعميم دون شك.

لهذا فإن الوجود السوري في باريس، يكاد يكون غير ملحوظ، بسبب ذوبانه ضمن الوجود العربي المغربي. ولهذا فإن الأسواق والمنتجات والمطاعم مثلاً، تغلب عليها الصبغة المغاربية، بينما يتمتع ” شارع العرب” البرليني، بخاصية سورية واضحة، حيث أسماء المحال التي تشير إلى سوريا، كما أنواع البضائع والمنتجات.

لهذا، فإن الجالية السورية في برلين، تبدو واضحة وحيوية، تضع لمساتها على المكان، وإن كان من المبكر التحدث عن آثارها، فهي جالية حديثة المنشأ، لا تزال تنوس بين قلق ترك المكان، تحت حالة الضرورة، وبين المكان الجديد وصعوبات الاندماج : اللغةـ العمل ـ الثقافة.

الوجود الكردي في ألمانيا

حين قال لي صديق في ألمانيا : عليك زيارة بوخوم، عاصمة كردستان في ألمانيا، اعتقدتُ أن الأمر مجرد مزاح. لكنني فوجئت وأنا أسير برفقة أصدقاء في بوخوم، بأن كثيرين يلقون التحية عل بعضهم في الشارع، تحديداً في مركز المدينة، كأنني في القاهرة أو بيروت، أو حلب، أو عفرين، يعرف الناس بعضهم البعض، ويسلمون على بعضهم ، باللغة الكردية، ويسألون عن أحوال بعضهم، بأصوات عالية دون أن يتوقفوا.

كنتُ أتنقل من مدينة لأخرى، وكأنني أتنقل في كردستان، أدخل بيوتاً كردية، وأتناول طعاماً كردياً. فأنسى للحظات، أنني في أوربا!
في مدينة نوي مونستر دُعيت لتناول الفطور في منزل كردي. سقط قلبي من الدهشة حين أخبرني السيد صلاح وزوجته السيدة شاهيناز، أن الزيتون و الزعتر بالبطم ، قادمان من قريتي ” ماتينا” في منطقة عفرين.

كان السيد صلاح يُطلعني على ملفات عديدة تتعلق بأرشيف واسع عن مدينة حلب، وعن الانتهاكات الأخيرة في عفرين، وقدم لي خارطة عفرين الجديدة كهدية.

حين غادرت بيت العائلة العفرينية، محملة بلوحي صابون غار من صناعة عفرين، وزعتر قريتي، وخارطة عفرين، كنتُ متيقنة، لا أطرح أية تساؤلات، أنني خارجة من منزل كردي يقع في عفرين.

المطاعم التي ذهبت إليها، يتحدث أصحابها الكردية، كما لو أننا في القامشلي أو الحسكة أو كوباني.
حتى “الكبة” التي تناولتها، كانت مجهّزة بطريقة أهل كوباني : الكثير من الطعم الحاد اللاذع!

هذه الخصوصية في الطعام، اللغة في البيوت والشوارع والمطاعم، الدفء في الاستقبال، الأغاني الكردية في البيوت…. كل هذا نادر الوجود في فرنسا،إذ لم أبالغ وأقل: ليس موجوداً في فرنسا.

كنت أشعر ، أنني في حلب حيناً، وفي دمشق أحياناً أخرى، بل في عفرين، وفي كوباني، الحسكة، حمص، اللاذقية، … كنت أتنقل في الخارطة السورية، داخل ألمانيا.

هذا الحبل السري المتجدد، الذي يصعب بتره، بين بلاد النشأة، وبلاد الاحتضان، يبدو مليئاً بقصص لا تنتهي، ويبدو أن الخواء الذي أشعر به في فرنسا، يتطلب مني عودة ووقفة مطولة في ألمانيا الجديدة، التي منحها السوريون، عرب وكرد، روحاً جديدة، ووجهاً يكسر صورة ألمانيا النمطية بوصفها عاقلة وباردة وصارمة.

مها حسن

ليفانت – مها حسن

بعد قرابة أسبوعين أمضيتهما في ألمانيا، في ثلاث مدن رئيسية، وضمن لقاءات متعددة مع أصدقاء سوريين، عدت إلى فرنسا بإحساس بالفقد.

لا يمكن مقارنة فرنسا مع ألمانيا قيما يخص الحيوية السورية التي تمنح ألمانيا خصوصية، تكاد تُنهي القطيعة مع سمعة ألمانيا المعتادة، بوصفها بلد الصرامة الفكرية، بينما تبدو فرنسا، ذات السمعة المختلفة في احتوائها على تعدد الجنسيات والإثنيات، وتمتع بخصوبة في علاقتها مع الآخر، جامدة اليوم، قياساً مع التجربة الألمانية، أو على الأقل، فإن هذا ما خرجتُ به في نهاية جولتي.

أثر الجالية السورية

بالمقارنة بين برلين وباريس، فإن “شارع العرب” في برلين، لا يشبه أي مكان آخر في باريس. إذا حاولنا تقريب الصورة، فإنه يمكن أن نتحدث عن “باربيس”، والتي لا تحظى بصورة إيجابية، حيث تكاد سمعة المنطقة في قلب العاصمة الفرنسية، مرتبطة بوجود العرب من ناحية سلبية.

بمعنى آخر، فإن العرب الموجودين في باربيس الباريسية، هم العرب المغاربة ” من المغرب العربي والجزائر وتونس ..”، والذين تربط بينهم وبين فرنسا علاقة استعمارية قديمة، لا تزال تُلقي بظلالها على الراهن، كما أن إتقان اللغة الفرنسية لدى هذه الجماعة، والتي تتفوق لغوياً بالفرنسية على اللغة العربية، مع تمسك أغلبها بهوية دينية، يُبقي العلاقة بين العرب في باريس والباريسيين بالنشأة، ضمن حساسيات معقدة، إذ لا يزال العرب يعانون من نظرة استعلائية نابذة، رغم ولادتهم في هذه البلاد، وتمتعهم بحقوق مدنية كاملة، وكذلك هناك نوع من الرفض النفسي لدى هؤلاء لدخول الذهنية الفرنسية الخالصة، بسبب التاريخ الاستعماري ، الذي لم يتخلص منه الطرفان بدقة حتى اليوم، مع عدم التعميم دون شك.

لهذا فإن الوجود السوري في باريس، يكاد يكون غير ملحوظ، بسبب ذوبانه ضمن الوجود العربي المغربي. ولهذا فإن الأسواق والمنتجات والمطاعم مثلاً، تغلب عليها الصبغة المغاربية، بينما يتمتع ” شارع العرب” البرليني، بخاصية سورية واضحة، حيث أسماء المحال التي تشير إلى سوريا، كما أنواع البضائع والمنتجات.

لهذا، فإن الجالية السورية في برلين، تبدو واضحة وحيوية، تضع لمساتها على المكان، وإن كان من المبكر التحدث عن آثارها، فهي جالية حديثة المنشأ، لا تزال تنوس بين قلق ترك المكان، تحت حالة الضرورة، وبين المكان الجديد وصعوبات الاندماج : اللغةـ العمل ـ الثقافة.

الوجود الكردي في ألمانيا

حين قال لي صديق في ألمانيا : عليك زيارة بوخوم، عاصمة كردستان في ألمانيا، اعتقدتُ أن الأمر مجرد مزاح. لكنني فوجئت وأنا أسير برفقة أصدقاء في بوخوم، بأن كثيرين يلقون التحية عل بعضهم في الشارع، تحديداً في مركز المدينة، كأنني في القاهرة أو بيروت، أو حلب، أو عفرين، يعرف الناس بعضهم البعض، ويسلمون على بعضهم ، باللغة الكردية، ويسألون عن أحوال بعضهم، بأصوات عالية دون أن يتوقفوا.

كنتُ أتنقل من مدينة لأخرى، وكأنني أتنقل في كردستان، أدخل بيوتاً كردية، وأتناول طعاماً كردياً. فأنسى للحظات، أنني في أوربا!
في مدينة نوي مونستر دُعيت لتناول الفطور في منزل كردي. سقط قلبي من الدهشة حين أخبرني السيد صلاح وزوجته السيدة شاهيناز، أن الزيتون و الزعتر بالبطم ، قادمان من قريتي ” ماتينا” في منطقة عفرين.

كان السيد صلاح يُطلعني على ملفات عديدة تتعلق بأرشيف واسع عن مدينة حلب، وعن الانتهاكات الأخيرة في عفرين، وقدم لي خارطة عفرين الجديدة كهدية.

حين غادرت بيت العائلة العفرينية، محملة بلوحي صابون غار من صناعة عفرين، وزعتر قريتي، وخارطة عفرين، كنتُ متيقنة، لا أطرح أية تساؤلات، أنني خارجة من منزل كردي يقع في عفرين.

المطاعم التي ذهبت إليها، يتحدث أصحابها الكردية، كما لو أننا في القامشلي أو الحسكة أو كوباني.
حتى “الكبة” التي تناولتها، كانت مجهّزة بطريقة أهل كوباني : الكثير من الطعم الحاد اللاذع!

هذه الخصوصية في الطعام، اللغة في البيوت والشوارع والمطاعم، الدفء في الاستقبال، الأغاني الكردية في البيوت…. كل هذا نادر الوجود في فرنسا،إذ لم أبالغ وأقل: ليس موجوداً في فرنسا.

كنت أشعر ، أنني في حلب حيناً، وفي دمشق أحياناً أخرى، بل في عفرين، وفي كوباني، الحسكة، حمص، اللاذقية، … كنت أتنقل في الخارطة السورية، داخل ألمانيا.

هذا الحبل السري المتجدد، الذي يصعب بتره، بين بلاد النشأة، وبلاد الاحتضان، يبدو مليئاً بقصص لا تنتهي، ويبدو أن الخواء الذي أشعر به في فرنسا، يتطلب مني عودة ووقفة مطولة في ألمانيا الجديدة، التي منحها السوريون، عرب وكرد، روحاً جديدة، ووجهاً يكسر صورة ألمانيا النمطية بوصفها عاقلة وباردة وصارمة.

مها حسن

ليفانت – مها حسن

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit