السودان.. انقلاب أمريكي

غسان المفلح
غسان المفلح

أكّد المبعوث الخاص للولايات المتحدّة بالقرن الأفريقي، جيفري فيلتمان، أنّ زيارته للسودان للتأكيد وتعزيز الدعم الأمريكي القوي للانتقال الديمقراطي ونقل تهديد الإدارة الأمريكية بتجميد كافة أشكال دعم بلاده الاقتصادية والسياسية حال انهيار التحوّل الديمقراطي.

وقال فليتمان لصحيفة بلومبيرج الأمريكية، بحسب صحيفة اليوم التالي الصادرة اليوم السبت: “إنّ رحلتي لا تعكس فقط الدعم الأمريكي القوي للانتقال السوداني، ولكنّها توضّح أيضاً أنّ دعمنا المستمر يعتمد على هذا الانتقال لكي يمضي قدماً”.

هذه الزيارة التي قام بها جيفري فيلتمان -وما أدراك ما جيفري فليتمان في الشرق الأوسط- إلى السودان، ترافقت مع أولى الخطوات الانقلابية والإعلان عنها في مواجهة الشعب السوداني. السفير جيفري فليتمان خبير بشؤون الدول العربية، خبرته تمتد لعقود، يعرف جيداً موقع الجيش في بلدان هذه المنطقة. هذا التزامن بين الزيارة وإعلان الانقلاب، مؤشر على أن إدارة بايدن على عجلة من أمرها في إجهاض حلم السودانيين بنظام ديمقراطي تعددي حقيقي. أمريكا فرضت التطبيع على القيادة العسكرية، أو لنقل إن التطبيع مع إسرائيل كان بعلم العسكر السوداني بوابة لتصدّر المشهد من جديد. ثم أعقبها لقاء السيدة أسماء أبي بكر، وزيرة خارجية السودان، في أول حكومة مدنية تحت سلطة العسكر الانتقالية، بـ”وليد المعلم” وزير خارجية الأسد، آنذاك، في نيويورك. هذه كانت نقطة اتفاق بين نظام البشير ونظام البرهان، التطبيع أيضاً مع بشار الأسد والتضييق على اللاجئين السوريين في السودان.

أمريكا دعمت الانقلاب العسكري الديمقراطي في مصر وتونس قيس سعيد. ها هي تجرب في السودان أيضاً. حدث الانقلاب واعتقل الوزراء، وتم قتل متظاهرين وإصابة العشرات. أصدرت قوى إعلان الحرية والتغيير في السودان، الاثنين، بياناً دعت فيه إلى “العصيان المدني الشامل”، رداً على الإجراءات التي اتّخذها الجيش، باعتقال رئيس الحكومة عبد الله حمدوك، وعدد من الوزراء والمسؤولين، وحل مجلسي السيادة والوزراء، وفرض حالة الطوارئ في البلاد. وجاء في البيان: “إننا في قوى الحرية والتغيير، نرفض الانقلاب جملة وتفصيلاً، وندعو جماهير الشعب الصامدة للخروج إلى الشوارع، حفاظاً على ثورتهم والاستمرار على ديدن السلمية الذي كان عنوانها منذ انطلاقتها في 18.12.2018”.

وأعلنت قوى الحرية والتغيير في السودان حالة العصيان المدني الشامل في كل مرافق الدولة، وجميع أنحاء البلاد، إلى أن تتحقق المطالب التالية كاملة: إطلاق سراح كافة المعتقلين من مجلس الوزراء ومجلس السيادة، تنحي كل أعضاء المجلس العسكري الانتقالي وتسليم السلطة لحكومة مدنية. كان رد العسكر بفتح باب القتل والرصاص. هذا مؤشر على أن الأمريكان احتاجوا لسنتين لترتيب هذا الانقلاب. العسكر هم الخيار الأمريكي الواضح. هذا الخيار الذي يمنع تطور مجتمعاتنا بشكل طبيعي وإعادتها إلى حظيرة الإقطاعات العسكرية وغيرها. هذا خيار أمريكي أصيل في منطقة الشرق الأوسط. دون فهم السياسة الأمريكية لا يمكننا فهم أصل الشر في هذه المنطقة من العالم، لهذا يقوم العسكر الأمريكي بالانقلابات الديمقراطية، يتعاضد فيها عسكر هذه البلدان تحت الراية الأمريكية. لا مصلحة لهم في قيام نظام ديمقراطي طبيعي. النظام الديمقراطي لا يتعلّق بوجود هذه القوة الإسلامية أو تلك، بل يتعلّق بالرؤية الأمريكية للمنطقة، بوصفها ملفاً أمنياً. ببساطة عندما نقول ملفاً أمنياً من الطبيعي أن يحكم هذا الملف عسكر ومخابرات وفساد لاحق على كافة الأصعدة.

إن مقتل متظاهرين وجرح العشرات، أمس، يوضح أن العسكر الأمريكي ماضٍ في انقلابه، حتى لو أدّى إلى قتل كل المتظاهرين السلميين. من هنا يمكننا الحديث أنه لا يمكن اعتبار عسكر بلدان المنطقة أو إقطاعاتها سوى أداة أمريكية في هذا الملف الأمني. نحن أمام خيار أمريكي واضح، أهم ما فيه هو عدم ترك هذه البلدان تعيش حالة طبيعية من التطور. هذه الحالة يشكل الصراع السياسي بين تياراتها المجتمعية حالة طبيعية كما في كل المجتمعات. صراعات بين قوى محافظة وقوى تقليدية وقوى حداثية. هذه طبيعة الأمور. لكن أمريكا ترفض وبإصرار مثل هذا الخيار. أمريكا لا تقم بانقلابات على أنظمة راسخة قمعاً وقتلاً وفساداً. إيران نموذج في تعاطي الأمريكي مع شعوب المنطقة. ما دام المرشد خامنئي وحرسه الثوري حاكم لشعب إيران فلا مانع من استمراره، رغم أنّ انتفاضات الشعب الإيراني لم تتوقف. انتفاضات حتى إنها لم تلقِ اهتماماً أمريكياً يذكر. العسكر هم الحاضن وهم المحتلّ لهذه البلدان، لأنّه من المعلوم أنّ العسكر حيث الفاعل السياسي، سواء كان داخلياً أم خارجياً. الفاعل السياسي هنا عصابات حاكمة بقوة العسكر، وأمريكا والسودان ليسا استثناء. منع الشعوب وقواها أن تجد طريقها للحرية مهما كلفها من ثمن. الجيش يكون جزءاً من وطن عندما لا يتدخل في قتل شعبه. غير ذلك هو محتل بيد ديكتاتور داخلي بإشراف أمريكي ودولي أحياناً. كما حدث في سوريا من إبادة.

إنه انقلاب، واستعداده للتضحية بالدم السوداني مفتوح تماماً على الخيار الأمريكي بوصفه إعلان حرب على شعوبنا. هذا الخيار الأمريكي قديم يتجدّد وفقاً لتطورات السياسة والمصالح الأمريكية. هذه المصالح التي ترفض قيام دول طبيعية في المنطقة. الخوف على الشعب السوداني هو ما يسيطر على ذهني وأنا أكتب هذه المادة.

من جهة أخرى، الخوف يمتدّ على محاولة أمريكا تصدير القاعدة للسودان، أو أن تتعامل مع القوى الإسلاموية لكي تبرر الانقلاب. هذا خيار أظنه مفتوحاً الآن حسب تطورات الوضع الميداني للتظاهرات.

إنه انقلاب أسود تم التحضير له في الغرف المظلمة التي تشبه غرف السي أي أيه المنتشرة في المنطقة. يكفي أن نتعرّف على سيرة جيفري فليتمان كي نعرف.

غسان المفلح

ليفانت – غسان المفلح

أكّد المبعوث الخاص للولايات المتحدّة بالقرن الأفريقي، جيفري فيلتمان، أنّ زيارته للسودان للتأكيد وتعزيز الدعم الأمريكي القوي للانتقال الديمقراطي ونقل تهديد الإدارة الأمريكية بتجميد كافة أشكال دعم بلاده الاقتصادية والسياسية حال انهيار التحوّل الديمقراطي.

وقال فليتمان لصحيفة بلومبيرج الأمريكية، بحسب صحيفة اليوم التالي الصادرة اليوم السبت: “إنّ رحلتي لا تعكس فقط الدعم الأمريكي القوي للانتقال السوداني، ولكنّها توضّح أيضاً أنّ دعمنا المستمر يعتمد على هذا الانتقال لكي يمضي قدماً”.

هذه الزيارة التي قام بها جيفري فيلتمان -وما أدراك ما جيفري فليتمان في الشرق الأوسط- إلى السودان، ترافقت مع أولى الخطوات الانقلابية والإعلان عنها في مواجهة الشعب السوداني. السفير جيفري فليتمان خبير بشؤون الدول العربية، خبرته تمتد لعقود، يعرف جيداً موقع الجيش في بلدان هذه المنطقة. هذا التزامن بين الزيارة وإعلان الانقلاب، مؤشر على أن إدارة بايدن على عجلة من أمرها في إجهاض حلم السودانيين بنظام ديمقراطي تعددي حقيقي. أمريكا فرضت التطبيع على القيادة العسكرية، أو لنقل إن التطبيع مع إسرائيل كان بعلم العسكر السوداني بوابة لتصدّر المشهد من جديد. ثم أعقبها لقاء السيدة أسماء أبي بكر، وزيرة خارجية السودان، في أول حكومة مدنية تحت سلطة العسكر الانتقالية، بـ”وليد المعلم” وزير خارجية الأسد، آنذاك، في نيويورك. هذه كانت نقطة اتفاق بين نظام البشير ونظام البرهان، التطبيع أيضاً مع بشار الأسد والتضييق على اللاجئين السوريين في السودان.

أمريكا دعمت الانقلاب العسكري الديمقراطي في مصر وتونس قيس سعيد. ها هي تجرب في السودان أيضاً. حدث الانقلاب واعتقل الوزراء، وتم قتل متظاهرين وإصابة العشرات. أصدرت قوى إعلان الحرية والتغيير في السودان، الاثنين، بياناً دعت فيه إلى “العصيان المدني الشامل”، رداً على الإجراءات التي اتّخذها الجيش، باعتقال رئيس الحكومة عبد الله حمدوك، وعدد من الوزراء والمسؤولين، وحل مجلسي السيادة والوزراء، وفرض حالة الطوارئ في البلاد. وجاء في البيان: “إننا في قوى الحرية والتغيير، نرفض الانقلاب جملة وتفصيلاً، وندعو جماهير الشعب الصامدة للخروج إلى الشوارع، حفاظاً على ثورتهم والاستمرار على ديدن السلمية الذي كان عنوانها منذ انطلاقتها في 18.12.2018”.

وأعلنت قوى الحرية والتغيير في السودان حالة العصيان المدني الشامل في كل مرافق الدولة، وجميع أنحاء البلاد، إلى أن تتحقق المطالب التالية كاملة: إطلاق سراح كافة المعتقلين من مجلس الوزراء ومجلس السيادة، تنحي كل أعضاء المجلس العسكري الانتقالي وتسليم السلطة لحكومة مدنية. كان رد العسكر بفتح باب القتل والرصاص. هذا مؤشر على أن الأمريكان احتاجوا لسنتين لترتيب هذا الانقلاب. العسكر هم الخيار الأمريكي الواضح. هذا الخيار الذي يمنع تطور مجتمعاتنا بشكل طبيعي وإعادتها إلى حظيرة الإقطاعات العسكرية وغيرها. هذا خيار أمريكي أصيل في منطقة الشرق الأوسط. دون فهم السياسة الأمريكية لا يمكننا فهم أصل الشر في هذه المنطقة من العالم، لهذا يقوم العسكر الأمريكي بالانقلابات الديمقراطية، يتعاضد فيها عسكر هذه البلدان تحت الراية الأمريكية. لا مصلحة لهم في قيام نظام ديمقراطي طبيعي. النظام الديمقراطي لا يتعلّق بوجود هذه القوة الإسلامية أو تلك، بل يتعلّق بالرؤية الأمريكية للمنطقة، بوصفها ملفاً أمنياً. ببساطة عندما نقول ملفاً أمنياً من الطبيعي أن يحكم هذا الملف عسكر ومخابرات وفساد لاحق على كافة الأصعدة.

إن مقتل متظاهرين وجرح العشرات، أمس، يوضح أن العسكر الأمريكي ماضٍ في انقلابه، حتى لو أدّى إلى قتل كل المتظاهرين السلميين. من هنا يمكننا الحديث أنه لا يمكن اعتبار عسكر بلدان المنطقة أو إقطاعاتها سوى أداة أمريكية في هذا الملف الأمني. نحن أمام خيار أمريكي واضح، أهم ما فيه هو عدم ترك هذه البلدان تعيش حالة طبيعية من التطور. هذه الحالة يشكل الصراع السياسي بين تياراتها المجتمعية حالة طبيعية كما في كل المجتمعات. صراعات بين قوى محافظة وقوى تقليدية وقوى حداثية. هذه طبيعة الأمور. لكن أمريكا ترفض وبإصرار مثل هذا الخيار. أمريكا لا تقم بانقلابات على أنظمة راسخة قمعاً وقتلاً وفساداً. إيران نموذج في تعاطي الأمريكي مع شعوب المنطقة. ما دام المرشد خامنئي وحرسه الثوري حاكم لشعب إيران فلا مانع من استمراره، رغم أنّ انتفاضات الشعب الإيراني لم تتوقف. انتفاضات حتى إنها لم تلقِ اهتماماً أمريكياً يذكر. العسكر هم الحاضن وهم المحتلّ لهذه البلدان، لأنّه من المعلوم أنّ العسكر حيث الفاعل السياسي، سواء كان داخلياً أم خارجياً. الفاعل السياسي هنا عصابات حاكمة بقوة العسكر، وأمريكا والسودان ليسا استثناء. منع الشعوب وقواها أن تجد طريقها للحرية مهما كلفها من ثمن. الجيش يكون جزءاً من وطن عندما لا يتدخل في قتل شعبه. غير ذلك هو محتل بيد ديكتاتور داخلي بإشراف أمريكي ودولي أحياناً. كما حدث في سوريا من إبادة.

إنه انقلاب، واستعداده للتضحية بالدم السوداني مفتوح تماماً على الخيار الأمريكي بوصفه إعلان حرب على شعوبنا. هذا الخيار الأمريكي قديم يتجدّد وفقاً لتطورات السياسة والمصالح الأمريكية. هذه المصالح التي ترفض قيام دول طبيعية في المنطقة. الخوف على الشعب السوداني هو ما يسيطر على ذهني وأنا أكتب هذه المادة.

من جهة أخرى، الخوف يمتدّ على محاولة أمريكا تصدير القاعدة للسودان، أو أن تتعامل مع القوى الإسلاموية لكي تبرر الانقلاب. هذا خيار أظنه مفتوحاً الآن حسب تطورات الوضع الميداني للتظاهرات.

إنه انقلاب أسود تم التحضير له في الغرف المظلمة التي تشبه غرف السي أي أيه المنتشرة في المنطقة. يكفي أن نتعرّف على سيرة جيفري فليتمان كي نعرف.

غسان المفلح

ليفانت – غسان المفلح

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit