اقتصاد القلّة

كمال اللبواني
كمال اللبواني

يعرف الاقتصاد بأنه (علم أو فن) إدارة الموارد التي تتصف بالقلة، إنتاجاً واستهلاكاً، وهكذا فالمتوفر دوماً وفي كل مكان كالهواء ليس بحاجة للإدارة، بينما الذهب الذي يتّصف بالندرة يصبح هو العنصر الأغلى والأهم في دورة الاقتصاد.

لسنا هنا لنعرف الاقتصاد بل لنحدّد نمطين من القلة: الأول بسبب التكلفة العالية، والثاني بسبب قلة الوجود، فعندما تكون في مناخ صحراوي لا يمكنك إنتاج كميات كافية من الماء مهما حملت من الذهب، وفي السجون لا قيمة للمال في تحصيل ما أنت بحاجة إليه، بينما في السوق الحر المفتوح قدرتك المالية هي من تحدد لك ما تستطيع الحصول عليه من المواد النادرة، وهكذا نحن أمام نوعين من القلة (الفقر عن الشراء) رغم التوفر في السوق، وعدم التوفر لظروف معينة بحيث لا يعود الفقر فقراً مادياً، وهذا ينطبق على بعض الموارد، وعلى بعض الظروف.

وكما ذكرنا، فوجودك في السجن يجعل كل شيء غير موجود، ولا يمكن إيجاده، لذلك يجب أن تستغني عنه، وتعوّض عن غيابه ببدائل متوفرة بقدر الإمكان، وهذا النوع من الاقتصاد يختلف كثيراً عن ذلك النوع، فهنا يجب أن تبدع وتحول المتوفر وتطوره ليعوض لك النقص الحاد الذي تعاني منه، هنا الاقتصاد معتمد على الإبداع والتكيّف والتصنيع والتحويل، وليس على إدارة المصروفات والعمل والتوزيع وتحقيق الربح، كما في الاقتصاد العادي في السوق المفتوح في مناخ من الحرية والوفرة النسبية، حيث لا يوجد ما هو غير متوفر، بل كل شيء موجود لكن سعره قد يكون أكبر من الإمكانيات.

في السجن استعملت غطاء علبة سردين كسكين طيلة ٣ سنوات. كنت أحرص على إخفائها كأهم متاع، ثم شحذها في طينة الجدار، فهي أداتي القاطعة الوحيدة بعد أسناني، وكذلك أهمية سطل الماء، ولوح الصابون، والثياب الداخلية… لا تعاني فقط من الحرمان من الأهل والأقارب والهواء وظلال الأشجار وضحكة الصبيان، والمشي على الإسفلت، بل يتحوّل هذا الإسفلت إلى حلم تحلم به وتنتظره، ولا تعاني فقط من عدم لذة الطعام، بل تعاني من تكراره هو ذاته، مضطراً لأكله كي لا تعاني مما هو أشد.. ومع ذلك تحاول البقاء وتكافح لكي تحتفظ بصحتك وعقلك وقدرتك، أملاً بأن تخرجهم معك في يوم يفتح لك فيه الباب.

يسأل السجين نفسه ماذا أفعل؟ الجواب بسيط أن تستمر ساكناً، أنت لا تختار، سلبت منك خياراتك، وصار عليك انتظار ما يفعله الآخرون لك، تستطيع اختيار على أي طرف تضطجع، أو لأي جدار تنظر، لكنك أبداً لا تستطيع أن تختار زمن أي شيء. هم قد اختاروا لك وقيدوك وصار كل اقتصادك هو ما تركوه لك من مساحة، حذاء تستخدمه كوسادة بمساعدة علبة كرتون، بطانية تحتار كيف تجعلها على طاقين تحتك كي تشعر ببعض الدفء.

وبالعودة لظروف السوريين، فإنّ الفقر ليس هو وحده من يعكر حياتهم ويجعلهم يعانون، ليس فقط من عدم توفر الطعام والماء والكهرباء، فالغني والفقير يعاني من مجموعة مشاكل سببها النظام ذاته، مثل الأمن، أو فرص العمل، أو الحق في العدالة، أو التعليم، أو التداوي، هناك أشياء لا تستطيع الحصول عليها لأنّها لا تدخل السوق الحر، بل توزع فقط على الموالين وبحسب المزاج الذي يحكم السلطان المتجبر، فهذا يعيش وهذا يموت، هذا يعبر الحاجز وهذا يتوقف، هذا يحصل على الخبز وذاك ينتظر، والوقود والكهرباء والماء.. كل شيء ممنوع ومحجوب ولا يقدّم مقابل ثمنه المادي، بل أيضاً مقابل ثمن معنوي أهم هو الولاء والطاعة، وقبول الاستباحة والرضوخ والإذعان، وشيء مشابه أيضاً في سلطات أمراء الحرب التي أقاموها على حساب أرض الحرية التي حرّرها الشعب من سلطة النظام بدماء خيرة شبابه. وكذلك حال من هجّر وسكن الخيام وصار بانتظار الشمس والغبار أو الطين والعواصف وسلّة الإغاثة التي يسرق نصفها، بانتظار هاتف يرن ليحمل خبراً عن موت فلان واحتراق بيت فلان.

هذا هو الاقتصاد السوري المختلف عن أي اقتصاد في العالم، وله قوانينه الخاصة التي لا يدركها علماء الاقتصاد: لا ماركس ولا هيغل ولا نيكيتين ولا كينز. إنه اقتصاد السجن والأسر والعبودية، بينما يرتع بشار وحاشيته وشبيحته بالنعيم، وكذلك شبيحة بلهاء المعارضة الذين يرتعون بالوفرة التي تؤمن لهم كل شيء من متع التسلّط والاستهلاك، على حساب الإتجار بدماء وعذابات ضحايا بشار وإجرامه.

نعم العداء السياسي الظاهري بين نظام ومعارضة لا يخفي التوافق والتشابه والتعاون وتبادل المنافع بينهما في صعيد الاقتصاد السوري.. اقتصاد القلة المتنعمة. فمتعة ورفاه البعض مبني أساساً على حرمان وتعذيب الآخرين، وسماع صراخهم يزيد من تلك المتعة، فعندما تكون سجيناً تحت التعذيب تتعمد احتضان مناطق ألمك بكل حنان لكي تجنبها ركلة الجلاد، وعندما تكون مشبوحاً وقدميك لا تلامسان الأرض فعليك أن تدير الألم بين معصميك بحيث تستمرّ قادراً على تحمل المزيد، وعليك في كل الأحوال تجنّب الصراخ لأنّ ذلك يزيد من متعة الجلاد ومن قوته وشعوره بالفخر والنصر، بينما عندما يعودون بك إلى زنزانتك سحلاً، فعليك إدارة الألم الموزّع في كل جسدك واختيار أي جنب أقل إيلاماً لكي تضطجع عليه، هذا إذا كنت لم تدخل مرحلة الإغماء التي هي نعمة ذلك الاقتصاد ورفاهيته.

كمال البواني

ليفانت – كمال اللبواني

يعرف الاقتصاد بأنه (علم أو فن) إدارة الموارد التي تتصف بالقلة، إنتاجاً واستهلاكاً، وهكذا فالمتوفر دوماً وفي كل مكان كالهواء ليس بحاجة للإدارة، بينما الذهب الذي يتّصف بالندرة يصبح هو العنصر الأغلى والأهم في دورة الاقتصاد.

لسنا هنا لنعرف الاقتصاد بل لنحدّد نمطين من القلة: الأول بسبب التكلفة العالية، والثاني بسبب قلة الوجود، فعندما تكون في مناخ صحراوي لا يمكنك إنتاج كميات كافية من الماء مهما حملت من الذهب، وفي السجون لا قيمة للمال في تحصيل ما أنت بحاجة إليه، بينما في السوق الحر المفتوح قدرتك المالية هي من تحدد لك ما تستطيع الحصول عليه من المواد النادرة، وهكذا نحن أمام نوعين من القلة (الفقر عن الشراء) رغم التوفر في السوق، وعدم التوفر لظروف معينة بحيث لا يعود الفقر فقراً مادياً، وهذا ينطبق على بعض الموارد، وعلى بعض الظروف.

وكما ذكرنا، فوجودك في السجن يجعل كل شيء غير موجود، ولا يمكن إيجاده، لذلك يجب أن تستغني عنه، وتعوّض عن غيابه ببدائل متوفرة بقدر الإمكان، وهذا النوع من الاقتصاد يختلف كثيراً عن ذلك النوع، فهنا يجب أن تبدع وتحول المتوفر وتطوره ليعوض لك النقص الحاد الذي تعاني منه، هنا الاقتصاد معتمد على الإبداع والتكيّف والتصنيع والتحويل، وليس على إدارة المصروفات والعمل والتوزيع وتحقيق الربح، كما في الاقتصاد العادي في السوق المفتوح في مناخ من الحرية والوفرة النسبية، حيث لا يوجد ما هو غير متوفر، بل كل شيء موجود لكن سعره قد يكون أكبر من الإمكانيات.

في السجن استعملت غطاء علبة سردين كسكين طيلة ٣ سنوات. كنت أحرص على إخفائها كأهم متاع، ثم شحذها في طينة الجدار، فهي أداتي القاطعة الوحيدة بعد أسناني، وكذلك أهمية سطل الماء، ولوح الصابون، والثياب الداخلية… لا تعاني فقط من الحرمان من الأهل والأقارب والهواء وظلال الأشجار وضحكة الصبيان، والمشي على الإسفلت، بل يتحوّل هذا الإسفلت إلى حلم تحلم به وتنتظره، ولا تعاني فقط من عدم لذة الطعام، بل تعاني من تكراره هو ذاته، مضطراً لأكله كي لا تعاني مما هو أشد.. ومع ذلك تحاول البقاء وتكافح لكي تحتفظ بصحتك وعقلك وقدرتك، أملاً بأن تخرجهم معك في يوم يفتح لك فيه الباب.

يسأل السجين نفسه ماذا أفعل؟ الجواب بسيط أن تستمر ساكناً، أنت لا تختار، سلبت منك خياراتك، وصار عليك انتظار ما يفعله الآخرون لك، تستطيع اختيار على أي طرف تضطجع، أو لأي جدار تنظر، لكنك أبداً لا تستطيع أن تختار زمن أي شيء. هم قد اختاروا لك وقيدوك وصار كل اقتصادك هو ما تركوه لك من مساحة، حذاء تستخدمه كوسادة بمساعدة علبة كرتون، بطانية تحتار كيف تجعلها على طاقين تحتك كي تشعر ببعض الدفء.

وبالعودة لظروف السوريين، فإنّ الفقر ليس هو وحده من يعكر حياتهم ويجعلهم يعانون، ليس فقط من عدم توفر الطعام والماء والكهرباء، فالغني والفقير يعاني من مجموعة مشاكل سببها النظام ذاته، مثل الأمن، أو فرص العمل، أو الحق في العدالة، أو التعليم، أو التداوي، هناك أشياء لا تستطيع الحصول عليها لأنّها لا تدخل السوق الحر، بل توزع فقط على الموالين وبحسب المزاج الذي يحكم السلطان المتجبر، فهذا يعيش وهذا يموت، هذا يعبر الحاجز وهذا يتوقف، هذا يحصل على الخبز وذاك ينتظر، والوقود والكهرباء والماء.. كل شيء ممنوع ومحجوب ولا يقدّم مقابل ثمنه المادي، بل أيضاً مقابل ثمن معنوي أهم هو الولاء والطاعة، وقبول الاستباحة والرضوخ والإذعان، وشيء مشابه أيضاً في سلطات أمراء الحرب التي أقاموها على حساب أرض الحرية التي حرّرها الشعب من سلطة النظام بدماء خيرة شبابه. وكذلك حال من هجّر وسكن الخيام وصار بانتظار الشمس والغبار أو الطين والعواصف وسلّة الإغاثة التي يسرق نصفها، بانتظار هاتف يرن ليحمل خبراً عن موت فلان واحتراق بيت فلان.

هذا هو الاقتصاد السوري المختلف عن أي اقتصاد في العالم، وله قوانينه الخاصة التي لا يدركها علماء الاقتصاد: لا ماركس ولا هيغل ولا نيكيتين ولا كينز. إنه اقتصاد السجن والأسر والعبودية، بينما يرتع بشار وحاشيته وشبيحته بالنعيم، وكذلك شبيحة بلهاء المعارضة الذين يرتعون بالوفرة التي تؤمن لهم كل شيء من متع التسلّط والاستهلاك، على حساب الإتجار بدماء وعذابات ضحايا بشار وإجرامه.

نعم العداء السياسي الظاهري بين نظام ومعارضة لا يخفي التوافق والتشابه والتعاون وتبادل المنافع بينهما في صعيد الاقتصاد السوري.. اقتصاد القلة المتنعمة. فمتعة ورفاه البعض مبني أساساً على حرمان وتعذيب الآخرين، وسماع صراخهم يزيد من تلك المتعة، فعندما تكون سجيناً تحت التعذيب تتعمد احتضان مناطق ألمك بكل حنان لكي تجنبها ركلة الجلاد، وعندما تكون مشبوحاً وقدميك لا تلامسان الأرض فعليك أن تدير الألم بين معصميك بحيث تستمرّ قادراً على تحمل المزيد، وعليك في كل الأحوال تجنّب الصراخ لأنّ ذلك يزيد من متعة الجلاد ومن قوته وشعوره بالفخر والنصر، بينما عندما يعودون بك إلى زنزانتك سحلاً، فعليك إدارة الألم الموزّع في كل جسدك واختيار أي جنب أقل إيلاماً لكي تضطجع عليه، هذا إذا كنت لم تدخل مرحلة الإغماء التي هي نعمة ذلك الاقتصاد ورفاهيته.

كمال البواني

ليفانت – كمال اللبواني

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit