هندسة الحل السياسي.. درعا ثم إدلب والجزيرة

كمال اللبواني
كمال اللبواني

يبدو أنّ نوعاً من التفاهمات في الأطر العامة ما يزال قائماً بين الروس والأمريكان فيما يخصّ الوضع في سوريا، بدأت هندسته منذ لقاءات بايدن لافروف، ثم كيري لافروف، في جنيف عام ٢٠١٢، وظهر عبر تقاسم الأدوار في أروقة الأمم المتحدة، وفي الميدان، عبر تقسيم الأجواء ثم مناطق النفوذ في سوريا بانسجام تام ودون حدوث أي احتكاك أو توتر، حتى عندما قرر ترامب أن يقصف مطار الشعيرات رداً على استخدام الكيماوي محرجاً، قام بإبلاغ الروس، الذين ينسّقون رحلات الطيران الإسرائيلي نحو الأهداف الإيرانية في سوريا من برج مطارهم في حميميم.

وهذه التفاهمات تقتضي التوصّل لحل يرضى عنه الطرفين ويحقق مصالحهما ويراعي خطوطهما الحمر في سوريا، وهو ما نصّ عليه بيان جنيف ثم قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤، والذي بدأ مرحلة التنفيذ على ما يبدو، أو بالأصح مرحلة التحضير للتنفيذ منذ بداية عام ٢٠٢١، بعد عشر سنوات وضعت لتغطي مرحلة استيعاب عناصر الصراع في سوريا واستنزافها ببعضها.

فالحل الذي اتفقوا عليه هو إدارة الصراع والضغوط العسكرية والاقتصادية للوصول بالسوريين والمتدخلين لمرحلة الاهتراء التام التي تجعلهم يقبلون بأي حل، وهكذا سكتت الدول عن استعادة فرض هيمنة النظام على كل المناطق الثائرة عليه حتى لو حصل ذلك عبر قتل وتدمير وتهجير المدن والقرى (حمص ثم حلب ثم ريف دمشق ثم درعا، ثم جنوب إدلب)، وبنفس الوقت استخدمت تلك الأحداث لفرض ضغوط سياسية واقتصادية على النظام تضعفه لكن تبقيه قادراً على استكمال مهمته في تدمير الخصم الذي يصعب السيطرة عليه، أي الشعب الثائر.

وهذا الحل بالرغم من توحشه ولا أخلاقيته اعتمد من قبل دول عظمى مسؤولة في الأمم المتحدة عن تطبيق القانون الدولي وحماية المدنيين، تهرّبت بكل وقاحة عن مسؤولياتها بحجتين: محاربة الإرهاب، وعدم سيطرتها على الأدوات التي تركتها واستخدمها (الحلفاء على الأرض)، اعتمد ذلك الحل القذر لأنه الأقلّ تكلفة، بل ويبقي على مصالحها في الهيمنة على الشرق الأوسط وشعوبها، فالدول العظمى ما تزال تسلك سلوك الدول الاستعمارية، وهي ستستمر طالما بقيت أقوى وطالما لم توجد سلطة عالمية ملزمة تطبق القانون الدولي، المعطل دوماً بفيتو تملكه خمس دول فقط في العالم.

مؤخراً، وبعد تسليم درعا بقيت هناك قدرات عسكرية في مناطق تستطيع تحدّي إرادة النظام، ظهرت بشكل سافر عندما قرر بشار إجراء الانتخابات، وهو ما دفع بالنظام والروسي لشنّ حملة على الجنوب، باستخدام القوة الإيرانية التي تريد فرض وجودها في الجنوب، والتي انتهت بعد صدام دام شهراً لدخول النظام وتفكيك المنطقة وسحب سلاحها، وعليه وبناء على ذلك التحليل، فإنّ الخطوة القادمة ستكون إدلب، وهنا سيظهر موقف تركيا بشكل أكثر وضوحاً طالما هي أيضاً داخل هذه اللعبة، لكن عدم ثقتها بشركائها تجعلها متمسكة ببعض الأوراق التي تضغط بها مقابل تخلّي الغرب عن قسد، لذلك ستتزامن عملية إدلب مع قرار بالانسحاب الأمريكي من سوريا، وربما العراق أيضاً، كما حصل في أفغانستان، حتى يتمكن النظام وروسيا من فرض نفوذه، كاملاً، لينتقل التنفيذ للمرحلة الثانية وهي قطع رأس النظام الذي أحكم سيطرته، واستبداله برأس جديد يكون قادراً على متابعة السيطرة، وإقناع المهجرين بالعودة والدول بدعم إعادة الإعمار، وهو كما ذكرنا مشروع المجلس العسكري الانتقالي، القابع في الظلال ينتظر تحضير الأرضية.

لكن حسابات الروس والغرب لا تنطبق على النظام وإيران التي تملك الكثير من الأوراق لتلعبها، فإذا كان مصير الأسد يمكن تحديده بعملية اغتيال مدبرة محضر لها مسبقاً، فإن النفوذ الإيراني لن يكون من السهل التعامل معه، وهي مهمة المجلس العسكري والمهجرين العائدين الذي لن ينجحوا في حال استمرّت الفصائل المسلحة وأمراء الحرب الرافضين لأي حل.

كمال البواني

ليفانت – كمال اللبواني

يبدو أنّ نوعاً من التفاهمات في الأطر العامة ما يزال قائماً بين الروس والأمريكان فيما يخصّ الوضع في سوريا، بدأت هندسته منذ لقاءات بايدن لافروف، ثم كيري لافروف، في جنيف عام ٢٠١٢، وظهر عبر تقاسم الأدوار في أروقة الأمم المتحدة، وفي الميدان، عبر تقسيم الأجواء ثم مناطق النفوذ في سوريا بانسجام تام ودون حدوث أي احتكاك أو توتر، حتى عندما قرر ترامب أن يقصف مطار الشعيرات رداً على استخدام الكيماوي محرجاً، قام بإبلاغ الروس، الذين ينسّقون رحلات الطيران الإسرائيلي نحو الأهداف الإيرانية في سوريا من برج مطارهم في حميميم.

وهذه التفاهمات تقتضي التوصّل لحل يرضى عنه الطرفين ويحقق مصالحهما ويراعي خطوطهما الحمر في سوريا، وهو ما نصّ عليه بيان جنيف ثم قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤، والذي بدأ مرحلة التنفيذ على ما يبدو، أو بالأصح مرحلة التحضير للتنفيذ منذ بداية عام ٢٠٢١، بعد عشر سنوات وضعت لتغطي مرحلة استيعاب عناصر الصراع في سوريا واستنزافها ببعضها.

فالحل الذي اتفقوا عليه هو إدارة الصراع والضغوط العسكرية والاقتصادية للوصول بالسوريين والمتدخلين لمرحلة الاهتراء التام التي تجعلهم يقبلون بأي حل، وهكذا سكتت الدول عن استعادة فرض هيمنة النظام على كل المناطق الثائرة عليه حتى لو حصل ذلك عبر قتل وتدمير وتهجير المدن والقرى (حمص ثم حلب ثم ريف دمشق ثم درعا، ثم جنوب إدلب)، وبنفس الوقت استخدمت تلك الأحداث لفرض ضغوط سياسية واقتصادية على النظام تضعفه لكن تبقيه قادراً على استكمال مهمته في تدمير الخصم الذي يصعب السيطرة عليه، أي الشعب الثائر.

وهذا الحل بالرغم من توحشه ولا أخلاقيته اعتمد من قبل دول عظمى مسؤولة في الأمم المتحدة عن تطبيق القانون الدولي وحماية المدنيين، تهرّبت بكل وقاحة عن مسؤولياتها بحجتين: محاربة الإرهاب، وعدم سيطرتها على الأدوات التي تركتها واستخدمها (الحلفاء على الأرض)، اعتمد ذلك الحل القذر لأنه الأقلّ تكلفة، بل ويبقي على مصالحها في الهيمنة على الشرق الأوسط وشعوبها، فالدول العظمى ما تزال تسلك سلوك الدول الاستعمارية، وهي ستستمر طالما بقيت أقوى وطالما لم توجد سلطة عالمية ملزمة تطبق القانون الدولي، المعطل دوماً بفيتو تملكه خمس دول فقط في العالم.

مؤخراً، وبعد تسليم درعا بقيت هناك قدرات عسكرية في مناطق تستطيع تحدّي إرادة النظام، ظهرت بشكل سافر عندما قرر بشار إجراء الانتخابات، وهو ما دفع بالنظام والروسي لشنّ حملة على الجنوب، باستخدام القوة الإيرانية التي تريد فرض وجودها في الجنوب، والتي انتهت بعد صدام دام شهراً لدخول النظام وتفكيك المنطقة وسحب سلاحها، وعليه وبناء على ذلك التحليل، فإنّ الخطوة القادمة ستكون إدلب، وهنا سيظهر موقف تركيا بشكل أكثر وضوحاً طالما هي أيضاً داخل هذه اللعبة، لكن عدم ثقتها بشركائها تجعلها متمسكة ببعض الأوراق التي تضغط بها مقابل تخلّي الغرب عن قسد، لذلك ستتزامن عملية إدلب مع قرار بالانسحاب الأمريكي من سوريا، وربما العراق أيضاً، كما حصل في أفغانستان، حتى يتمكن النظام وروسيا من فرض نفوذه، كاملاً، لينتقل التنفيذ للمرحلة الثانية وهي قطع رأس النظام الذي أحكم سيطرته، واستبداله برأس جديد يكون قادراً على متابعة السيطرة، وإقناع المهجرين بالعودة والدول بدعم إعادة الإعمار، وهو كما ذكرنا مشروع المجلس العسكري الانتقالي، القابع في الظلال ينتظر تحضير الأرضية.

لكن حسابات الروس والغرب لا تنطبق على النظام وإيران التي تملك الكثير من الأوراق لتلعبها، فإذا كان مصير الأسد يمكن تحديده بعملية اغتيال مدبرة محضر لها مسبقاً، فإن النفوذ الإيراني لن يكون من السهل التعامل معه، وهي مهمة المجلس العسكري والمهجرين العائدين الذي لن ينجحوا في حال استمرّت الفصائل المسلحة وأمراء الحرب الرافضين لأي حل.

كمال البواني

ليفانت – كمال اللبواني

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit