نحو كبح الانهيار الاقتصادي والانسداد السياسي

باسل كويفي

بدايةً، الحلول في المنطقة الأوسطية تبدأ بالخروج من الانسداد السياسي لمعظم بلدانها، سواء نتيجة الاستبداد، أو من خلال التدخلات التي أطاحت بإرادة الشعوب.

إن تأثير سيطرة طالبان على مقاليد الحكم والسلطة في أفغانستان يدعونا إلى البحث عن ارتداداته على الحركات الجهادية (المتطرّفة أو المعتدلة) في المنطقة والعالم، ما بين التأثير الإيجابي أم السلبي، وقد تكون عودة طالبان أو عناصر منها إلى المنطقة مؤشراً خطراً لتنامي الحركات المتطرفة التي تسعى إلى الاستحواذ على السلطة، أما من الناحية الإيجابية فقد يكون تفريغ العناصر المتطرّفة في المنطقة نحو أفغانستان، مع الحذر من عودتها إلى مناطق مختلفة من العالم بعد التدريب والتأهيل للعبث بالاستقرار والسلام والأمن العالمي.

في نفس الوقت، إذا صدقت الأفعال وفق تصريحات مسؤولي طالبان في الإمارة الإسلامية بمنحى التغيير ومشاركة الشعب الأفغاني في السلطة (لم يتم ذلك بتشكيل حكومة من لون واحد)، وأن تكون عادلة مع شرائح شعبها بترسيخ ثقافة المجتمع الواحد، عبر المواطنة والمساواة والديموقراطية والعدالة، فإنّها بذلك تكون قد كتبت تاريخاً جديداً وجيداً للعلاقات بين الأفراد والمجتمع، والعلاقة بين المجتمع والدولة، حيث يضمن المجتمع ضبط الأفراد في إطار قانوني تسوده العدالة والمساواة لتقدم الأفراد والنمو المجتمعي (قوانين تحدد العلاقة بين الفرد والمجتمع)، وبنفس الوقت علاقة بين المجتمع والدولة، وفق عقد اجتماعي حديث يحقق المواطنة والتشاركية والعدالة الاجتماعية، يضمنه دستور يحمل آليات تنفيذية واقعية وحقيقية للحوامل المجتمعية، وتنبثق عنه قوانين جادة من ضمن الدستور وفحواه دون تجاوزات أو خرق لتلك القوانين.

في نفس الإطار، حدّد الاتحاد الأوروبي ‏خمسة شروط ‫للتعامل مع طالبان وهي:

‏عدم استخدام أراضيها لتصدير الإرهاب.
‏حقوق الإنسان، والمرأة، سيادة القانون، صحافة وإعلام.
‏حكومة انتقالية تمثيلية بعد تفاوض مع الجميع.
‏مساعدات إنسانية للمحتاجين وفق المبادئ الدولية.
‏التزامها خروج الأجانب والأفغان وفق قرار مجلس الأمن الدولي 2593 لعام 2021.

يندرج الانسحاب الأمريكي من أفغانستان باعتقادي لممارسة الضغط على دول الجوار (الصين – روسيا – إيران)، بشكل مباشر، وإشغالها بإعادة ترتيب الأولويات لأمنها القومي عبر رفع درجات التأهب العسكري والأمني والاستخباراتي وتفريغ المخزونات المالية، وخصوصاً الصين، ودفعها نحو اعتماد ميزانية ضخمة (التسلح) للحدّ من سيطرتها الاقتصادية على حصة كبيرة من الاقتصاد العالمي.

المشهد يُنبىء بحصول انسحاب أمريكي من سوريا والعراق حال توقيع اتفاق الملف النووي مع إيران، والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف ستكون أشكال الجغرافيا السياسية ومناطق النفوذ التي تقع تحت سيطرة سلطات الأمر الواقع في البلدين؟ وما هي خيارات الأنظمة الحاكمة بعد الانسحابات المتوقعة؟ هل تستمر في سياساتها الشمولية أم ستتحمل مسؤولياتها التاريخية والشعبية والوطنية لإنتاج دولة جديدة تتحقق فيها قيم المواطنة والقانون والديموقراطية؟

وهنا لا بد من البحث عن أفضل السبل لذلك، خصوصاً وأن العراق مثلاً لم يزل تحت العقوبات التي أدرجتها قرارات مجلس الأمن الدولي، وعلى الأخص رقم 660 – 986 لعام 1990 – 1995.

وبالتالي، فإنّ الواقعية السياسية والوطنية الحقيقية في سوريا تقتضي تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، الذي حصل على إجماع دولي وموافقة حكومية، وذلك عبر تطبيقه بنكهة وطعم سوري – سوري، وفق الأولويات الداخلية وتقاطعات المصالح الإقليمية والدولية للخروج من الانسداد السياسي والعقوبات التي أدّت إلى انهيار الأمن الغذائي والمعيشي.

وعلى الرغم من دعوات الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية وعدد من الأصدقاء وغيرهم من الدبلوماسيين الأجانب، بضرورة وضع آليات تنفيذية للقرار المذكور، والدعوة إلى طاولة الحوار والتفاوض للاستماع إلى مختلف الآراء، فإنّ الأوضاع الاقتصادية زادت سوءاً، ترجمها الانفلات المهم في الأسعار وتنامي الاحتكار وعمليات المضاربة وتدهور القدرة الشرائية، فضلاً عن تدحرج معظم المؤشرات الاقتصادية إلى مستويات مخيفة، وتراجع الحوامل الاجتماعية للكفاءات والقدرات التي يجب أن تساهم في المشروع الوطني، نظراً لسعيها للهجرة خارج بلدانها لأسباب عديدة.

نحن أمام وضع اقتصادي ومالي واجتماعي حرج في موازاة تقلص هامش التحرك على الصعيد الخارجي لتعبئة الموارد المالية الضرورية للنهوض.

باعتقادي، إن زيارة الأسد إلى موسكو، الاثنين الماضي، هي إشارة إلى انطلاق قطار الحلّ السياسي، وفق تصريحات الرئيسين، وقد يكون أيضاً التباحث حول رؤية لمعالجة ملفات شمال غرب وشمال شرق سوريا، نظراً لقدرة السياسة والدبلوماسية الروسية المرنة للتحاور مع “قسد” حول الحل السياسي، والمتدخلين والمحتلين، الأمريكي والتركي، وغيرهما، للخروج من سوريا، مع ما يتبع ذلك من خروج جميع القوات والتنظيمات الأجنبية التابعة لهم بكافة المسميات، وتسوية أوضاع السوريين فيهم، بما يمهد لعودة الاستقرار والسلام المستدام.

بالحقيقة نحن بحاجة الى كتلة وطنية وازنة جامعة ذات رؤية وخارطة طريق للخروج من المأساة السورية، تقوم بالتفاوض والحوار مع السلطة في مؤتمر سوري عام بدمشق يضم (٥٠٠) شخصية، نصفه من السلطة والجبهة الوطنية التقدمية، والنصف الآخر من كتلة وطنية وازنة جامعة (تضم معارضين وأحزاباً معارضة بالداخل ومن يقبل من الخارج، وممثلين عن المجتمع المدني وشخصيات وطنية) لتقديم الآراء حول مشروع وطني جامع يحظى بموافقة أغلبية المشاركين، آخذين بعين الاعتبار مضمون القرار الأممي 2254 لتنفيذه وتفريغه وفق حوامل المجتمع السوري، وضمن أولويات وأجندة سورية واقعية وحقيقية وشفافة، بما يتيح الانفتاح على الدول الاقليمية والعالمية ويساهم في كسر الحصار على الشعب السوري.

وينتخب هذا المؤتمر (١٠٠) شخصية مناصفة أيضاً، وتكون بمثابة هيئة تأسيسية ذات صلاحية واستقلالية لمعالجة جميع المعضلات التي شكّلت الانسداد السياسي، وأهمها الدستور والصلاحيات والتداخل بين السلطات واستقلال السلطة القضائية والنقابات والمنظمات وهجرة السوريين. كما تقترح بالأغلبية تشكيل مجالس (هيئة) مختلفة منها، المجلس السوري لحقوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي الاجتماعي، ومجلس إعادة المهجرين والبناء.

وتعمل على الإعداد لحكومة شاملة وتمثيلية (حكومة وحدة وطنية) التي تشكّل عنصراً أساسياً للسلام والاستقرار، وتشكل دعامة أساسية لمشاركة دول العالم في هذا المشروع والدفع بالتنمية والبناء.

تدور عقارب الساعة حول جميع أرقامها.. كذلك تدور بنا الحياة حول جميع الظروف، فلا مكان لليأس، ويقيننا أن الخير آتٍ مهما اشتدت المعاناة والمأساة.

ولعلّه من المفيد أن نتذكر مسرح العبث، في أقصى شكل تخيّله صانعوه، من أمثال صمويل بيكيت، فهو التعبير الأمثل عما يجري في معظم الأحيان، فلا ضير للحالمين الشّك أن كلماتهم الناصحة أو الناقدة أو المختلفة قد تصل إلى أسماع من لا ينصتون إلا لأنفسهم، ولا يرون إلاّ وجوههم في المرايا العاكسة.

باسل كويفي

ليفانت – باسل كويفي

بدايةً، الحلول في المنطقة الأوسطية تبدأ بالخروج من الانسداد السياسي لمعظم بلدانها، سواء نتيجة الاستبداد، أو من خلال التدخلات التي أطاحت بإرادة الشعوب.

إن تأثير سيطرة طالبان على مقاليد الحكم والسلطة في أفغانستان يدعونا إلى البحث عن ارتداداته على الحركات الجهادية (المتطرّفة أو المعتدلة) في المنطقة والعالم، ما بين التأثير الإيجابي أم السلبي، وقد تكون عودة طالبان أو عناصر منها إلى المنطقة مؤشراً خطراً لتنامي الحركات المتطرفة التي تسعى إلى الاستحواذ على السلطة، أما من الناحية الإيجابية فقد يكون تفريغ العناصر المتطرّفة في المنطقة نحو أفغانستان، مع الحذر من عودتها إلى مناطق مختلفة من العالم بعد التدريب والتأهيل للعبث بالاستقرار والسلام والأمن العالمي.

في نفس الوقت، إذا صدقت الأفعال وفق تصريحات مسؤولي طالبان في الإمارة الإسلامية بمنحى التغيير ومشاركة الشعب الأفغاني في السلطة (لم يتم ذلك بتشكيل حكومة من لون واحد)، وأن تكون عادلة مع شرائح شعبها بترسيخ ثقافة المجتمع الواحد، عبر المواطنة والمساواة والديموقراطية والعدالة، فإنّها بذلك تكون قد كتبت تاريخاً جديداً وجيداً للعلاقات بين الأفراد والمجتمع، والعلاقة بين المجتمع والدولة، حيث يضمن المجتمع ضبط الأفراد في إطار قانوني تسوده العدالة والمساواة لتقدم الأفراد والنمو المجتمعي (قوانين تحدد العلاقة بين الفرد والمجتمع)، وبنفس الوقت علاقة بين المجتمع والدولة، وفق عقد اجتماعي حديث يحقق المواطنة والتشاركية والعدالة الاجتماعية، يضمنه دستور يحمل آليات تنفيذية واقعية وحقيقية للحوامل المجتمعية، وتنبثق عنه قوانين جادة من ضمن الدستور وفحواه دون تجاوزات أو خرق لتلك القوانين.

في نفس الإطار، حدّد الاتحاد الأوروبي ‏خمسة شروط ‫للتعامل مع طالبان وهي:

‏عدم استخدام أراضيها لتصدير الإرهاب.
‏حقوق الإنسان، والمرأة، سيادة القانون، صحافة وإعلام.
‏حكومة انتقالية تمثيلية بعد تفاوض مع الجميع.
‏مساعدات إنسانية للمحتاجين وفق المبادئ الدولية.
‏التزامها خروج الأجانب والأفغان وفق قرار مجلس الأمن الدولي 2593 لعام 2021.

يندرج الانسحاب الأمريكي من أفغانستان باعتقادي لممارسة الضغط على دول الجوار (الصين – روسيا – إيران)، بشكل مباشر، وإشغالها بإعادة ترتيب الأولويات لأمنها القومي عبر رفع درجات التأهب العسكري والأمني والاستخباراتي وتفريغ المخزونات المالية، وخصوصاً الصين، ودفعها نحو اعتماد ميزانية ضخمة (التسلح) للحدّ من سيطرتها الاقتصادية على حصة كبيرة من الاقتصاد العالمي.

المشهد يُنبىء بحصول انسحاب أمريكي من سوريا والعراق حال توقيع اتفاق الملف النووي مع إيران، والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف ستكون أشكال الجغرافيا السياسية ومناطق النفوذ التي تقع تحت سيطرة سلطات الأمر الواقع في البلدين؟ وما هي خيارات الأنظمة الحاكمة بعد الانسحابات المتوقعة؟ هل تستمر في سياساتها الشمولية أم ستتحمل مسؤولياتها التاريخية والشعبية والوطنية لإنتاج دولة جديدة تتحقق فيها قيم المواطنة والقانون والديموقراطية؟

وهنا لا بد من البحث عن أفضل السبل لذلك، خصوصاً وأن العراق مثلاً لم يزل تحت العقوبات التي أدرجتها قرارات مجلس الأمن الدولي، وعلى الأخص رقم 660 – 986 لعام 1990 – 1995.

وبالتالي، فإنّ الواقعية السياسية والوطنية الحقيقية في سوريا تقتضي تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، الذي حصل على إجماع دولي وموافقة حكومية، وذلك عبر تطبيقه بنكهة وطعم سوري – سوري، وفق الأولويات الداخلية وتقاطعات المصالح الإقليمية والدولية للخروج من الانسداد السياسي والعقوبات التي أدّت إلى انهيار الأمن الغذائي والمعيشي.

وعلى الرغم من دعوات الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية وعدد من الأصدقاء وغيرهم من الدبلوماسيين الأجانب، بضرورة وضع آليات تنفيذية للقرار المذكور، والدعوة إلى طاولة الحوار والتفاوض للاستماع إلى مختلف الآراء، فإنّ الأوضاع الاقتصادية زادت سوءاً، ترجمها الانفلات المهم في الأسعار وتنامي الاحتكار وعمليات المضاربة وتدهور القدرة الشرائية، فضلاً عن تدحرج معظم المؤشرات الاقتصادية إلى مستويات مخيفة، وتراجع الحوامل الاجتماعية للكفاءات والقدرات التي يجب أن تساهم في المشروع الوطني، نظراً لسعيها للهجرة خارج بلدانها لأسباب عديدة.

نحن أمام وضع اقتصادي ومالي واجتماعي حرج في موازاة تقلص هامش التحرك على الصعيد الخارجي لتعبئة الموارد المالية الضرورية للنهوض.

باعتقادي، إن زيارة الأسد إلى موسكو، الاثنين الماضي، هي إشارة إلى انطلاق قطار الحلّ السياسي، وفق تصريحات الرئيسين، وقد يكون أيضاً التباحث حول رؤية لمعالجة ملفات شمال غرب وشمال شرق سوريا، نظراً لقدرة السياسة والدبلوماسية الروسية المرنة للتحاور مع “قسد” حول الحل السياسي، والمتدخلين والمحتلين، الأمريكي والتركي، وغيرهما، للخروج من سوريا، مع ما يتبع ذلك من خروج جميع القوات والتنظيمات الأجنبية التابعة لهم بكافة المسميات، وتسوية أوضاع السوريين فيهم، بما يمهد لعودة الاستقرار والسلام المستدام.

بالحقيقة نحن بحاجة الى كتلة وطنية وازنة جامعة ذات رؤية وخارطة طريق للخروج من المأساة السورية، تقوم بالتفاوض والحوار مع السلطة في مؤتمر سوري عام بدمشق يضم (٥٠٠) شخصية، نصفه من السلطة والجبهة الوطنية التقدمية، والنصف الآخر من كتلة وطنية وازنة جامعة (تضم معارضين وأحزاباً معارضة بالداخل ومن يقبل من الخارج، وممثلين عن المجتمع المدني وشخصيات وطنية) لتقديم الآراء حول مشروع وطني جامع يحظى بموافقة أغلبية المشاركين، آخذين بعين الاعتبار مضمون القرار الأممي 2254 لتنفيذه وتفريغه وفق حوامل المجتمع السوري، وضمن أولويات وأجندة سورية واقعية وحقيقية وشفافة، بما يتيح الانفتاح على الدول الاقليمية والعالمية ويساهم في كسر الحصار على الشعب السوري.

وينتخب هذا المؤتمر (١٠٠) شخصية مناصفة أيضاً، وتكون بمثابة هيئة تأسيسية ذات صلاحية واستقلالية لمعالجة جميع المعضلات التي شكّلت الانسداد السياسي، وأهمها الدستور والصلاحيات والتداخل بين السلطات واستقلال السلطة القضائية والنقابات والمنظمات وهجرة السوريين. كما تقترح بالأغلبية تشكيل مجالس (هيئة) مختلفة منها، المجلس السوري لحقوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي الاجتماعي، ومجلس إعادة المهجرين والبناء.

وتعمل على الإعداد لحكومة شاملة وتمثيلية (حكومة وحدة وطنية) التي تشكّل عنصراً أساسياً للسلام والاستقرار، وتشكل دعامة أساسية لمشاركة دول العالم في هذا المشروع والدفع بالتنمية والبناء.

تدور عقارب الساعة حول جميع أرقامها.. كذلك تدور بنا الحياة حول جميع الظروف، فلا مكان لليأس، ويقيننا أن الخير آتٍ مهما اشتدت المعاناة والمأساة.

ولعلّه من المفيد أن نتذكر مسرح العبث، في أقصى شكل تخيّله صانعوه، من أمثال صمويل بيكيت، فهو التعبير الأمثل عما يجري في معظم الأحيان، فلا ضير للحالمين الشّك أن كلماتهم الناصحة أو الناقدة أو المختلفة قد تصل إلى أسماع من لا ينصتون إلا لأنفسهم، ولا يرون إلاّ وجوههم في المرايا العاكسة.

باسل كويفي

ليفانت – باسل كويفي

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit