مصر تركيا.. بين أحبك وأكرهك

داليا زيادة
داليا زيادة

بعد فشل الجولة الثانية من المحادثات الاستكشافية حول المصالحة بين مصر وتركيا، يمكننا أن نزعم أن أياً من الجانبين التركي أو المصري لا يريد حقاً عودة العلاقات بشكل طبيعي. الأسبوع الماضي، في ٧ و٨ سبتمبر، التقى في أنقرة وفدان دبلوماسيان من مصر وتركيا، برئاسة نواب وزراء الخارجية، بهدف إجراء الجولة الثانية من المحادثات الاستكشافية حول تطبيع العلاقات بين البلدين. عقب الاجتماع، أكد الطرفان، في بيان ثنائي مقتضب، رغبة البلدين في إحراز تقدم في تطبيع العلاقات والاتفاق على مواصلة المشاورات حول القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك. مع الأسف، كان البيان صورة مكررة من البيان الصحفي الذي صدر في ختام الجولة الأولى من المحادثات التي عقدت في القاهرة، في أوائل شهر مايو، مما يدل على أنّ المحادثات لم تأتِ بجديد، وبالتالي فهي فشلت في تحقيق الهدف منها.

يبدو أنّ القاهرة وأنقرة راضيتان عن إبقاء العلاقة بينهما في مرحلة “أحبك-أكرهك” لأطول فترة ممكنة، وليستا مستعدتين لبذل الجهد والوقت المناسبين لطي صفحة الصراعات الماضية وبدء صفحة جديدة من التعاون المثمر لصالح البلدين ولصالح المنطقة ككل. يمكن رؤية ذلك بوضوح شديد إذا ما وضعنا محاولات المصالحة المصرية التركية في إطار الصورة الأكبر لعمليات المصالحة الناجحة التي تجري في المنطقة منذ بداية العام؛ وأهمها تلك التي تمت بين تركيا والسعودية والإمارات، وكذلك المصالحة بين مصر وقطر.

منذ بداية سقوط أفغانستان في أيدي طالبان، تم تفعيل نشاط دبلوماسي غير مسبوق بين دول الشرق الأوسط، وخاصة في منطقة الخليج العربي. الإمارات، على سبيل المثال، تمكنت من استعادة جميع روابطها الإقليمية، في أقل من عشرة أيام، بما في ذلك العلاقة مع أكبر منافسين إقليميين لها، تركيا وقطر. المثير للدهشة هنا، هو أنّ الإمارات نجحت في تنفيذ ذلك خلال وقت قصير للغاية، على الرغم من سنوات طويلة من المعارك العنيفة والعداوات المعلنة بينها وبين هذه الدول.

مباشرةً بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، سافر مستشار الأمن القومي الإماراتي، الشيخ طحنون بن زايد، يوم ١٨ أغسطس، إلى أنقرة للقاء الرئيس التركي أردوغان، وعرض استثمارات إماراتية سخية في تركيا. وأعقب هذا الاجتماع اتصال هاتفي بين الشيخ محمد بن زايد والرئيس التركي أردوغان. كانت المكالمة الهاتفية “ودية للغاية”، حسبما وصفها مستشار الشؤون الخارجية لدولة الإمارات. بعدها بأيام قليلة، التقى الشيخ طحنون مع أمير قطر تميم، وأعقب هذا الاجتماع لقاء بين الأمير تميم والشيخ محمد بن راشد، رئيس مجلس الوزراء الإماراتي، على هامش قمة بغداد، في ٢٨ أغسطس، حيث أكدا على الرابطة الأخوية بين قطر والإمارات وضرورة إسقاط صراعاتهم وبدء صفحة جديدة في علاقتهما.

تمكنت المملكة العربية السعودية أيضاً من إصلاح علاقتها مع تركيا، ولكن من خلال عملية أبطأ وأكثر استقراراً، من المصالحة السريعة جداً بين تركيا والإمارات. بعد انتخاب الديمقراطي جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة، في نوفمبر، قررت السعودية إنهاء صراعاتها الإقليمية مع تركيا وقطر. بدأت العملية باتصالات رفيعة المستوى بين المسؤولين السعوديين والأتراك قبل وأثناء قمة مجموعة العشرين. ثم في شهر مايو، تحدث العاهل السعودي الملك، سلمان بن عبد العزيز، والرئيس التركي، أردوغان، عبر الهاتف لمناقشة إحياء العلاقات الثنائية، وأعقب هذه المكالمة على الفور زيارة رسمية قام بها وزير الخارجية التركي إلى جدة.

بالتوازي مع ذلك، تم استعادة العلاقة بين مصر وقطر بشكل مذهل وخلال وقت قصير جداً، عقب توقيع بيان العلا في إطار عملية المصالحة الخليجية، في شهر يناير، والتي شملت قطر والإمارات والسعودية والبحرين ومصر. منذ ذلك الحين، أخذت العلاقات بين القاهرة والدوحة تتطور بخطى ثابتة حتى وصلت إلى ذروتها الشهر الماضي، عندما عقد الرئيس المصري، السيسي، والأمير القطري، تميم، لقاء ودياً على هامش مؤتمر بغداد الإقليمي، يوم ٢٨ أغسطس.

في غضون ذلك، ما تزال عملية المصالحة بين تركيا ومصر عالقة عند نقطة معينة، على الرغم من المحادثات والتصريحات المنمقة التي تؤكد الترابط الأخوي بين البلدين، والحاجة الماسة إلى تعاونهما لما فيه خير المنطقة بأسرها. مما يجعلنا نشك في أن البلدين يستخدمان هذه المحادثات فقط لضمان تحييد مواقفهما تجاه بعضهما لأطول فترة ممكنة، بحيث يمكن لكل منهما التعامل مع المشكلات الإقليمية المحلية والعاجلة التي تخصه في حالة من الهدوء. في الحقيقة، الشيء الوحيد الذي حققته هذه المحادثات، حتى الآن، هو فقط تهدئة ضجيج الحروب الإعلامية التي دارت بين البلدين لأكثر من سبع سنوات. غير ذلك، لم يتم إحراز أي تقدم دبلوماسي أو سياسي ملموس يمكننا من خلاله أن نقول إن عملية المصالحة بين البلدين تسير للأمام.

إن مصر وتركيا بحاجة إلى أخذ عملية المصالحة بينهما بجدية أكبر. إنهما بحاجة إلى تجاوز مرحلة المحادثات التي أثبتت فشلها، واتخاذ خطوات حقيقية وعملية في اتجاه خلق علاقات متينة والحفاظ عليها، ليس فقط لخدمة مصالحهما الثنائية، ولكن لأن تعاونهما المستقر والمستدام هو أمر ضروري لأمن واستقرار المناطق الملتهبة بالصراعات في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا وشرق البحر الأبيض المتوسط.

داليا زيادة

ليفانت – داليا زيادة

بعد فشل الجولة الثانية من المحادثات الاستكشافية حول المصالحة بين مصر وتركيا، يمكننا أن نزعم أن أياً من الجانبين التركي أو المصري لا يريد حقاً عودة العلاقات بشكل طبيعي. الأسبوع الماضي، في ٧ و٨ سبتمبر، التقى في أنقرة وفدان دبلوماسيان من مصر وتركيا، برئاسة نواب وزراء الخارجية، بهدف إجراء الجولة الثانية من المحادثات الاستكشافية حول تطبيع العلاقات بين البلدين. عقب الاجتماع، أكد الطرفان، في بيان ثنائي مقتضب، رغبة البلدين في إحراز تقدم في تطبيع العلاقات والاتفاق على مواصلة المشاورات حول القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك. مع الأسف، كان البيان صورة مكررة من البيان الصحفي الذي صدر في ختام الجولة الأولى من المحادثات التي عقدت في القاهرة، في أوائل شهر مايو، مما يدل على أنّ المحادثات لم تأتِ بجديد، وبالتالي فهي فشلت في تحقيق الهدف منها.

يبدو أنّ القاهرة وأنقرة راضيتان عن إبقاء العلاقة بينهما في مرحلة “أحبك-أكرهك” لأطول فترة ممكنة، وليستا مستعدتين لبذل الجهد والوقت المناسبين لطي صفحة الصراعات الماضية وبدء صفحة جديدة من التعاون المثمر لصالح البلدين ولصالح المنطقة ككل. يمكن رؤية ذلك بوضوح شديد إذا ما وضعنا محاولات المصالحة المصرية التركية في إطار الصورة الأكبر لعمليات المصالحة الناجحة التي تجري في المنطقة منذ بداية العام؛ وأهمها تلك التي تمت بين تركيا والسعودية والإمارات، وكذلك المصالحة بين مصر وقطر.

منذ بداية سقوط أفغانستان في أيدي طالبان، تم تفعيل نشاط دبلوماسي غير مسبوق بين دول الشرق الأوسط، وخاصة في منطقة الخليج العربي. الإمارات، على سبيل المثال، تمكنت من استعادة جميع روابطها الإقليمية، في أقل من عشرة أيام، بما في ذلك العلاقة مع أكبر منافسين إقليميين لها، تركيا وقطر. المثير للدهشة هنا، هو أنّ الإمارات نجحت في تنفيذ ذلك خلال وقت قصير للغاية، على الرغم من سنوات طويلة من المعارك العنيفة والعداوات المعلنة بينها وبين هذه الدول.

مباشرةً بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، سافر مستشار الأمن القومي الإماراتي، الشيخ طحنون بن زايد، يوم ١٨ أغسطس، إلى أنقرة للقاء الرئيس التركي أردوغان، وعرض استثمارات إماراتية سخية في تركيا. وأعقب هذا الاجتماع اتصال هاتفي بين الشيخ محمد بن زايد والرئيس التركي أردوغان. كانت المكالمة الهاتفية “ودية للغاية”، حسبما وصفها مستشار الشؤون الخارجية لدولة الإمارات. بعدها بأيام قليلة، التقى الشيخ طحنون مع أمير قطر تميم، وأعقب هذا الاجتماع لقاء بين الأمير تميم والشيخ محمد بن راشد، رئيس مجلس الوزراء الإماراتي، على هامش قمة بغداد، في ٢٨ أغسطس، حيث أكدا على الرابطة الأخوية بين قطر والإمارات وضرورة إسقاط صراعاتهم وبدء صفحة جديدة في علاقتهما.

تمكنت المملكة العربية السعودية أيضاً من إصلاح علاقتها مع تركيا، ولكن من خلال عملية أبطأ وأكثر استقراراً، من المصالحة السريعة جداً بين تركيا والإمارات. بعد انتخاب الديمقراطي جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة، في نوفمبر، قررت السعودية إنهاء صراعاتها الإقليمية مع تركيا وقطر. بدأت العملية باتصالات رفيعة المستوى بين المسؤولين السعوديين والأتراك قبل وأثناء قمة مجموعة العشرين. ثم في شهر مايو، تحدث العاهل السعودي الملك، سلمان بن عبد العزيز، والرئيس التركي، أردوغان، عبر الهاتف لمناقشة إحياء العلاقات الثنائية، وأعقب هذه المكالمة على الفور زيارة رسمية قام بها وزير الخارجية التركي إلى جدة.

بالتوازي مع ذلك، تم استعادة العلاقة بين مصر وقطر بشكل مذهل وخلال وقت قصير جداً، عقب توقيع بيان العلا في إطار عملية المصالحة الخليجية، في شهر يناير، والتي شملت قطر والإمارات والسعودية والبحرين ومصر. منذ ذلك الحين، أخذت العلاقات بين القاهرة والدوحة تتطور بخطى ثابتة حتى وصلت إلى ذروتها الشهر الماضي، عندما عقد الرئيس المصري، السيسي، والأمير القطري، تميم، لقاء ودياً على هامش مؤتمر بغداد الإقليمي، يوم ٢٨ أغسطس.

في غضون ذلك، ما تزال عملية المصالحة بين تركيا ومصر عالقة عند نقطة معينة، على الرغم من المحادثات والتصريحات المنمقة التي تؤكد الترابط الأخوي بين البلدين، والحاجة الماسة إلى تعاونهما لما فيه خير المنطقة بأسرها. مما يجعلنا نشك في أن البلدين يستخدمان هذه المحادثات فقط لضمان تحييد مواقفهما تجاه بعضهما لأطول فترة ممكنة، بحيث يمكن لكل منهما التعامل مع المشكلات الإقليمية المحلية والعاجلة التي تخصه في حالة من الهدوء. في الحقيقة، الشيء الوحيد الذي حققته هذه المحادثات، حتى الآن، هو فقط تهدئة ضجيج الحروب الإعلامية التي دارت بين البلدين لأكثر من سبع سنوات. غير ذلك، لم يتم إحراز أي تقدم دبلوماسي أو سياسي ملموس يمكننا من خلاله أن نقول إن عملية المصالحة بين البلدين تسير للأمام.

إن مصر وتركيا بحاجة إلى أخذ عملية المصالحة بينهما بجدية أكبر. إنهما بحاجة إلى تجاوز مرحلة المحادثات التي أثبتت فشلها، واتخاذ خطوات حقيقية وعملية في اتجاه خلق علاقات متينة والحفاظ عليها، ليس فقط لخدمة مصالحهما الثنائية، ولكن لأن تعاونهما المستقر والمستدام هو أمر ضروري لأمن واستقرار المناطق الملتهبة بالصراعات في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا وشرق البحر الأبيض المتوسط.

داليا زيادة

ليفانت – داليا زيادة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit