ما الدور الذي تبحث عنه قطر في أفغانستان؟

درويش خليفة

عندما قدّم مرُشَّحا الرئاسة الأمريكية، جورج بوش الابن، وآل غور، برنامجهما الانتخابيَّ في عام 2000، لم يتطرقا إلى تهديد الإرهاب للولايات المتحدة الأمريكية، أو لمكانة واشنطن في العالم، حيث كان الأمريكيون يعيشون نشوة الأحادية القطبية في لحظات تاريخية تؤكد تفوقهم على منافسيهم وتركز على انتشار العولمة أفقياً.

في ذلك الوقت، اعتقد الأمريكيون أنَّ التاريخ كان شجاعاً، مذُّ لحظة انهيار الاتحاد السوفيتي، وتغيُر معادلة الحسابات الجيوسياسية ومنطق مقاييس القوة وفقاً لنظرية الأقواس الذهبية لتوماس فريدمان، التي تتحدّث عن منع نشوب صراعات؛ وبأنَّه “لا يوجد بلدانِ فيهما مطاعم ماكدونالدز يمكن أن يدخلا حرب ضد بعضهما البعض”. وأنَّ المنافسة الاقتصادية ستحلُّ عوضاً عن التنافس العسكري وسيُدار العالم من قبل الديمقراطيات الليبرالية، بالإضافة إلى انتشار الأسواق الحرة، والازدهار الاقتصادي سيؤدِّي إلى السلام العالميِّ.

بيد أنَّ الأمر لم يطل من لحظة دخول بوش الابن إلى البيت الأبيض، حتى جاءت لحظة وضعت العالم أمام تحدٍّ جديد، وهو مكافحة الإرهاب عندما غيرت هجمات الحاديِّ عشر من سبتمبر مسار العالم حقاً، الأمر الذي أدَّى بالولايات المتحدة لتشكيل تحالف دولي عسكري لملاحقة تنظيم القاعدة وقادته حيثما كانوا، والقضاء على حكم طالبان، وذلك في خريف عام 2001 بأفغانستان.

شهد العقد المنصرم دخول دولة قطر على خط المفاوضات بين طالبان والأمريكان من جهة، وبين حكومة كابول وطالبان من جهة ثانية، دون إحراز أيَّ تقدم في هذا المسار. إلا أنَّ ثمة أسئلة بدأت تتشكل عند زعماء المنطقة حول دوافع الدوحة من رعايتها للمصالحة وما هي المكاسب المنتظرة من ذلك، وما إذا كان للاستخبارات الأمريكية والباكستانية دور في إفشال مساعي الدوحة.

في الحقيقة هناك حلقة مفقودة حولَ علاقة قطر بطالبان وقوى الإسلام السياسيّ، ولا سيما الجهادية منها.

بالنسبة للبعض في الغرب، صارت سمعة قطر على أنّها حليف مشكوك فيه، حيث لعبت الدوحة على كلّ الحبال ببراغماتية سياسية وغطاء ديني، بما في ذلك غضّ النظر عن التطرُّف.

رغم أن قطر تُعتبر موطناً لإحدى أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، فقد حافظت لسنوات على علاقات، بل واستضافت مجموعات معادية لأمريكا، مثل حماس والإخوان المسلمين ومسؤولين إيرانيين وطالبان.

وفي تصريح لمساعدة وزير الخارجية القطري “لولوة الخاطر”، قالت “هذا هو دور الوسيط”. “إنَّه ليس تحيُّزًا، بل إنَّه يتعلق بالحفاظ على قنوات مفتوحة مع جميع الأطراف، حتى نتمكن من تسهيل المناقشات، وتسهيل أمور مثلُ الإخلاء”.

وعلى الرغم من ظهور تشدّد عند السياسيين الأمريكيين تجاه الجماعات الراديكالية، إلا أنَّ أياً من الإدارات المتعاقبة في العقد الماضي والإدارة الحالية لم تبدِ استياءً من الدور القطري.

قد يعزو البعض إلى أنَّ اهتمام الولايات المتحدة بالغاز الطبيعي، وهو أحد أهم مصادر الطاقة في القرن الـ21، كسبب كافٍ للتغاضي عن سياسات قطر وإيران وروسيا، أبرز مصدري الغاز في العالم، مع الإبقاء على سلاح العقوبات الاقتصادية فعالاً ضد حكومتي موسكو وطهران.

السؤال الأهم ماذا بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان؟ هل تشكل طالبان عبئاً على إيران؟ من الواضح هناك تخوف غربي من اتصال القوى الراديكالية في الساحل الأفريقي بآسيا الوسطى والغربية. ولعل أبرزها وجود قوى الإسلام السياسي، حلفاء طهران، في دول سواحل البحر الأبيض المتوسط، شمال أفريقيا، ولاسيما دول المغرب العربي، التي تشكل الجماعات الجهادية على حدودها الجنوبية الغربية، في دول مثل مالي والنيجر وتشاد، مصدر قلق بالنسبة للدول الغربية وشعوب المنطقة قاطبة.

ومن المعروف أنَّ إيران لا تصنع حدثاً، بل تستفيد من الأحداث، ولعل الفوضى التي أحدثتها القوى المتطرفة في المنطقة تساعد السياسات التوسعية للنظام الإيراني.

وفي ظل تلك الظروف، لا بد لحكومة الرئيس الإيراني المتشدد، إبراهيم رئيسي، من الاستثمار فيها حتى آخر رمق، كما استغلّت حكومة سلفه حسن روحاني الخلاف الخليجي وبحركة خبيثة منها قامت طهران بفتح خط جوي مع الدوحة لتصدير المواد الغذائية إليها.

وحتى تتضح الرؤية، من الضروري في التحليل الجيوسياسي البحث بأدق التفاصيل، والتي تحمل معها أسئلة تأخذنا إلى تفاصيل أخرى. وعندما نأتي على ذكر السياسيات الخارجية للدول، من المهم توضيح الأدوار، ومن يوزعها، وفي حالة قطر لو لم تكن هي اللاعب المحوري في أفغانستان، فمن سيكون البديل؟ إلى أن نصل إلى إجابات مقنعة.

المهم في النهاية أنَّ لا تقع الدوحة في الفخ الأمريكي، الأمر الذي سيؤثر سلباً على حكومتي أنقرة وإسلام أباد. في مخطط لتحويل أفغانستان إلى نسخة شبيهة بالحالة السورية من خلال صراعات على المصالح الإقليمية الدولية ذات البعد الجيواستراتيجي.

في السنوات الأخيرة، سعت العديد من الجماعات الإرهابية إلى توسيع سيطرتها الإقليمية في أفغانستان والعراق وسوريا والساحل الأفريقي. مستفيدة من النزاع المذهبي الذي تم تغذيته بوقود الميليشيات الطائفية التي أشرفت دولٌ عدة على دعمها. الأمر الذي ينطبق على أفغانستان والمتداخلين الإقليميين فيها، كما حصل في العراق وسوريا واليمن.

ومن هذا المبدأ، تحاول الدوحة الانفراد بالملف الأفغاني، حيث قامت بخطوة استباقية، إعادة تشغيل مطار كابول الدولي (حامد كرزاي سابقاً)، وإجلاء 58000 شخص من الأمريكيين والأفغان ونقلهم جواً إلى قطر وإيواء بعضاً منهم في الأبنية ذات الألوان الرملية بالعاصمة الدوحة، التي تم تخصيصها مسبقاً بمثابة أماكن إقامة للفرق المشاركة في كأس العالم لكرة القدم في صيف العام المقبل.

ختاماً: ومع إغلاق السفارة الأمريكية في كابول، تتمركز البعثة الدبلوماسية الأمريكية الجديدة إلى أفغانستان بالكامل في الدوحة، وهي مدينة حديثة فيها ناطحات سحاب أنيقة ومراكز تجارية فاخرة.

لم يكن قرار الولايات المتحدة بنقل عملياتها في أفغانستان إلى قطر من قبيل الصدفة، ففي السنوات التي أعقبت الغزو الأمريكي لأفغانستان، احتفظت حركة طالبان المنفية بمكتبها السياسي في الدوحة، وهي منطقة محايدة حيث يمكن أن يكون للمسؤولين الأمريكيين وطالبان تفاعلات محدودة فيها على مر السنوات، عندما كانت قواتهم العسكرية تتقاتل في أفغانستان.

ويبقى السؤال قائماً: ما الدور الذي تبحث عنه قطر في أفغانستان؟

درويش خليفة

ليفانت – درويش خليفة

عندما قدّم مرُشَّحا الرئاسة الأمريكية، جورج بوش الابن، وآل غور، برنامجهما الانتخابيَّ في عام 2000، لم يتطرقا إلى تهديد الإرهاب للولايات المتحدة الأمريكية، أو لمكانة واشنطن في العالم، حيث كان الأمريكيون يعيشون نشوة الأحادية القطبية في لحظات تاريخية تؤكد تفوقهم على منافسيهم وتركز على انتشار العولمة أفقياً.

في ذلك الوقت، اعتقد الأمريكيون أنَّ التاريخ كان شجاعاً، مذُّ لحظة انهيار الاتحاد السوفيتي، وتغيُر معادلة الحسابات الجيوسياسية ومنطق مقاييس القوة وفقاً لنظرية الأقواس الذهبية لتوماس فريدمان، التي تتحدّث عن منع نشوب صراعات؛ وبأنَّه “لا يوجد بلدانِ فيهما مطاعم ماكدونالدز يمكن أن يدخلا حرب ضد بعضهما البعض”. وأنَّ المنافسة الاقتصادية ستحلُّ عوضاً عن التنافس العسكري وسيُدار العالم من قبل الديمقراطيات الليبرالية، بالإضافة إلى انتشار الأسواق الحرة، والازدهار الاقتصادي سيؤدِّي إلى السلام العالميِّ.

بيد أنَّ الأمر لم يطل من لحظة دخول بوش الابن إلى البيت الأبيض، حتى جاءت لحظة وضعت العالم أمام تحدٍّ جديد، وهو مكافحة الإرهاب عندما غيرت هجمات الحاديِّ عشر من سبتمبر مسار العالم حقاً، الأمر الذي أدَّى بالولايات المتحدة لتشكيل تحالف دولي عسكري لملاحقة تنظيم القاعدة وقادته حيثما كانوا، والقضاء على حكم طالبان، وذلك في خريف عام 2001 بأفغانستان.

شهد العقد المنصرم دخول دولة قطر على خط المفاوضات بين طالبان والأمريكان من جهة، وبين حكومة كابول وطالبان من جهة ثانية، دون إحراز أيَّ تقدم في هذا المسار. إلا أنَّ ثمة أسئلة بدأت تتشكل عند زعماء المنطقة حول دوافع الدوحة من رعايتها للمصالحة وما هي المكاسب المنتظرة من ذلك، وما إذا كان للاستخبارات الأمريكية والباكستانية دور في إفشال مساعي الدوحة.

في الحقيقة هناك حلقة مفقودة حولَ علاقة قطر بطالبان وقوى الإسلام السياسيّ، ولا سيما الجهادية منها.

بالنسبة للبعض في الغرب، صارت سمعة قطر على أنّها حليف مشكوك فيه، حيث لعبت الدوحة على كلّ الحبال ببراغماتية سياسية وغطاء ديني، بما في ذلك غضّ النظر عن التطرُّف.

رغم أن قطر تُعتبر موطناً لإحدى أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، فقد حافظت لسنوات على علاقات، بل واستضافت مجموعات معادية لأمريكا، مثل حماس والإخوان المسلمين ومسؤولين إيرانيين وطالبان.

وفي تصريح لمساعدة وزير الخارجية القطري “لولوة الخاطر”، قالت “هذا هو دور الوسيط”. “إنَّه ليس تحيُّزًا، بل إنَّه يتعلق بالحفاظ على قنوات مفتوحة مع جميع الأطراف، حتى نتمكن من تسهيل المناقشات، وتسهيل أمور مثلُ الإخلاء”.

وعلى الرغم من ظهور تشدّد عند السياسيين الأمريكيين تجاه الجماعات الراديكالية، إلا أنَّ أياً من الإدارات المتعاقبة في العقد الماضي والإدارة الحالية لم تبدِ استياءً من الدور القطري.

قد يعزو البعض إلى أنَّ اهتمام الولايات المتحدة بالغاز الطبيعي، وهو أحد أهم مصادر الطاقة في القرن الـ21، كسبب كافٍ للتغاضي عن سياسات قطر وإيران وروسيا، أبرز مصدري الغاز في العالم، مع الإبقاء على سلاح العقوبات الاقتصادية فعالاً ضد حكومتي موسكو وطهران.

السؤال الأهم ماذا بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان؟ هل تشكل طالبان عبئاً على إيران؟ من الواضح هناك تخوف غربي من اتصال القوى الراديكالية في الساحل الأفريقي بآسيا الوسطى والغربية. ولعل أبرزها وجود قوى الإسلام السياسي، حلفاء طهران، في دول سواحل البحر الأبيض المتوسط، شمال أفريقيا، ولاسيما دول المغرب العربي، التي تشكل الجماعات الجهادية على حدودها الجنوبية الغربية، في دول مثل مالي والنيجر وتشاد، مصدر قلق بالنسبة للدول الغربية وشعوب المنطقة قاطبة.

ومن المعروف أنَّ إيران لا تصنع حدثاً، بل تستفيد من الأحداث، ولعل الفوضى التي أحدثتها القوى المتطرفة في المنطقة تساعد السياسات التوسعية للنظام الإيراني.

وفي ظل تلك الظروف، لا بد لحكومة الرئيس الإيراني المتشدد، إبراهيم رئيسي، من الاستثمار فيها حتى آخر رمق، كما استغلّت حكومة سلفه حسن روحاني الخلاف الخليجي وبحركة خبيثة منها قامت طهران بفتح خط جوي مع الدوحة لتصدير المواد الغذائية إليها.

وحتى تتضح الرؤية، من الضروري في التحليل الجيوسياسي البحث بأدق التفاصيل، والتي تحمل معها أسئلة تأخذنا إلى تفاصيل أخرى. وعندما نأتي على ذكر السياسيات الخارجية للدول، من المهم توضيح الأدوار، ومن يوزعها، وفي حالة قطر لو لم تكن هي اللاعب المحوري في أفغانستان، فمن سيكون البديل؟ إلى أن نصل إلى إجابات مقنعة.

المهم في النهاية أنَّ لا تقع الدوحة في الفخ الأمريكي، الأمر الذي سيؤثر سلباً على حكومتي أنقرة وإسلام أباد. في مخطط لتحويل أفغانستان إلى نسخة شبيهة بالحالة السورية من خلال صراعات على المصالح الإقليمية الدولية ذات البعد الجيواستراتيجي.

في السنوات الأخيرة، سعت العديد من الجماعات الإرهابية إلى توسيع سيطرتها الإقليمية في أفغانستان والعراق وسوريا والساحل الأفريقي. مستفيدة من النزاع المذهبي الذي تم تغذيته بوقود الميليشيات الطائفية التي أشرفت دولٌ عدة على دعمها. الأمر الذي ينطبق على أفغانستان والمتداخلين الإقليميين فيها، كما حصل في العراق وسوريا واليمن.

ومن هذا المبدأ، تحاول الدوحة الانفراد بالملف الأفغاني، حيث قامت بخطوة استباقية، إعادة تشغيل مطار كابول الدولي (حامد كرزاي سابقاً)، وإجلاء 58000 شخص من الأمريكيين والأفغان ونقلهم جواً إلى قطر وإيواء بعضاً منهم في الأبنية ذات الألوان الرملية بالعاصمة الدوحة، التي تم تخصيصها مسبقاً بمثابة أماكن إقامة للفرق المشاركة في كأس العالم لكرة القدم في صيف العام المقبل.

ختاماً: ومع إغلاق السفارة الأمريكية في كابول، تتمركز البعثة الدبلوماسية الأمريكية الجديدة إلى أفغانستان بالكامل في الدوحة، وهي مدينة حديثة فيها ناطحات سحاب أنيقة ومراكز تجارية فاخرة.

لم يكن قرار الولايات المتحدة بنقل عملياتها في أفغانستان إلى قطر من قبيل الصدفة، ففي السنوات التي أعقبت الغزو الأمريكي لأفغانستان، احتفظت حركة طالبان المنفية بمكتبها السياسي في الدوحة، وهي منطقة محايدة حيث يمكن أن يكون للمسؤولين الأمريكيين وطالبان تفاعلات محدودة فيها على مر السنوات، عندما كانت قواتهم العسكرية تتقاتل في أفغانستان.

ويبقى السؤال قائماً: ما الدور الذي تبحث عنه قطر في أفغانستان؟

درويش خليفة

ليفانت – درويش خليفة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit