لافروف لا يحمي المسيحيين في سوريا

عمار ديوب

يعيد لافروف، وزير خارجية روسيا، مقولة “ثرثرة” أنّ روسيا حمت المسيحيين في سوريا من التهجير والإبادة. وأن دخول روسيا إلى سوريا جنبهم ذلك المصير، وله تصريحات تؤكد رفضه وصول رئيسٍ “سني” لرئاسة سوريا. ليست غريبة تلك التصريحات عن هذا الرجل السمج؛ فروسيا متخلفة، كدولة إمبريالية، عن اللحظة الراهنة، ونظرتها تلك تعود إلى زمنٍ قديم، حينما كانت الدول الاستعمارية تؤكد في استراتيجياتها حمايتها لهذه الأقلية أو تلك؛ ماكرون يفعل الشيء ذاته في لبنان والعراق مؤخراً.

المنظور الديني في الدولة الروسية ارتبط مع وصول بوتين للحكم عام 2000، وللاستثمار فيه، وكذلك ارتبطت به البطركية الروسية، التي تتوهم أنّ دورها “التاريخي” اُستعيد أخيراً بعد سقوط السوفييت “الملاحدة”. طبعاً أصبحت أسباب التدخل العسكري الروسي في سوريا شبه معروفة، ويتوجها مئات الاتفاقيات مع النظام، وتشمل كافة أوجه الدولة السورية، وتجعل من التدخل احتلالاً كاملاً. إذاً روسيا تحتل سوريا، ولا تنقذ المسيحيين من موتٍ محقّق.

روسيا تلعب بورقة التفتيت المجتمعي الديني، الورقة التي سيّسها النظام السوري منذ السبعينيات، وهي حالة الدول العربية المأزومة، حيث خلقت “الصحوة الدينية” منذ حينه. اللعب الروسي، ليس كثير الفائدة، ولا يُنشأ إليها حالة استقطابٍ لدى مسيحيي سوريا؛ فليس من فوائدٍ خاصة تحققت لهذه الطائفة، ولا سيما الأرثوذكس، منذ مجي الروس إلى سوريا 2015. إذاً، ربما تصريحات لافروف مفيدة للشأن الداخلي الروسي، والذي لا يرى منافع حقيقية من وجود روسيا في سوريا. التعطيل الأمريكي عبر قانون قيصر لتلك الاتفاقيات، يمنع عن روسيا الاستفادة من تلك الاتفاقيات قبل إعادة تعويم النظام السوري، وهذا خارج التحقق حالياً. وعدا ذلك؛ فروسيا محكومة بطغمة ناهبة وفاسدة لخيرات الدولة الروسية ذاتها، والخطاب الديني “للقس” لافروف لا يملء بطون “الرعايا” الروس بشيءٍ، وبالتالي هو محض خطابٍ ديني للاستثمار السياسي وموجه للداخل الروسي، على أغلب تقدير.

منذ 2011، واعتماد النظام السوري الخيار الأمني، وافتقاد السوريين الأمل بانتقالٍ سلس للسلطة، وتحوّل الخيار الأمني إلى عسكري وتدمير القرى والمدن، وسيطرة الجانب الطائفي على أوجه كثيرة في الصراع، تشكلت الأسباب الحقيقية للتفكير بالهجرة، فهاجر من البلاد المسلمون قبل المسيحيين، ولو أخذنا النسب العديدة لتوزع الطوائف تظلُّ لصالح السُنّة في الهجرة والتهجير واللجوء. قال لافروف: إن الروس منعوا الهجرة المسيحية من سوريا. هذا كذب وقح، فالهجرة واللجوء بين المسيحيين بأعداد كبيرة، وتزداد كما لدى بقية الطوائف. ومع أزمة النظام المتفاقمة، ارتفعت أعداد العلويين وسواهم في طريق الهجرة كذلك، وبكل الطرق الممكنة؛ النظامية وسواها.

لا تتوقف الدبلوماسية الروسية عن الكذب والوقاحة، وإن كانت صادقة في أمرٍ واحد أنها جاءت لحماية النظام، وضد الثورة، ولكن الحقيقة أنها تستعمر سوريا بكل معنى الكلمة. استعمارها الغبي، والمعادي للشعب وثورته، لن يتم تلافيه، أو التخفيف منه بترغيب الأقليات بها. فالأخيرة أصبحت تنتقد الوجود الروسي، وتسلك دروب الهجرة وبكثرة؛ وقريباً قد تتفاجأ روسيا ذاتها بانتقادات أكثر قوة من جانب الموالين، وربما تشتعل مناطق واسعة ضد الوجود الروسي، حيث تتضاعف أزمات الموالين، وتشمل الأزمات كل شيء، والروس سائرون نحو طرد العمال السوريين من كافة المنشآت التي يسيطرون عليها، وهذا يفاقم التأزّم ضدهم.

السياسة الدينية للدبلوماسية الروسية لم تعد تجدي نفعاً، وحتى النظام الذي وظف المسألة الدينية والطائفية في صراعه مع الشعب “الوطني”، وأقصد الخيار الوطني العام، وبغض النظر عن الثائرين والموالين، خسر معركته تلك، وأصبحت الانتقادات تتزايد ضد ممارساته، والمسيحيون ليسوا خارج هذا النقد، وإن لم يتقدموا فيه كثيراً. هم كما كل سكان المناطق التي يسيطر عليها النظام، أصبحوا ناقمين على النظام وروسيا وإيران، فكافة الوعود بحياة أفضل لم تتحقق، بل وتحقق العكس، أي الأزمة الشاملة.

وإذا وسعنا رؤيتنا في فهم تفكير السوريين لكافة المشاريع التي قُدِمت لهم، من جانب النظام والمعارضة من 2011، وأغلبها طائفي، أقول إن الناس لم تعد تثق بها، ورأت فشل تلك المشاريع ورداءتها بأم العين؛ فكافة المؤسسات الدينية والطائفية، لم تملء بطون الفقراء، وكانت تمييزية ولصالح فئات أكثر من فئات أخرى، وبالكاد توزّع السلل الغذائية هنا وهناك، ولكنها لم تتقدم بخطوة واحدة نحو تأمين احتياجات الناس، من طبابة ولوازم تعليم وأجار للسكن وللتنقل أو وظائف للتعليم وسواه كثير. وهنا، ماذا قدمت روسيا للمسيحيين، بل ولعامة السوريين، من المسائل السالفة الذكر؟

لم تتقدّم بمستشفى واحد، أو مدرسة واحدة، وهي تطرد العاملين من المعامل المملوكة للدولة وتستولي عليها. ثم أية ممارسات تمييزية لصالح المسيحيين في سوريا؟ لا شيء على الإطلاق. ما ذكرته يعرفه السوريون، مسيحيون ومسلمون، وباستثناء الطائفيين، الذين وظيفتهم تشويه الصراع وتطييفه، فإن السوريين يرفضون بأغلبيتهم كافة أشكال التدخل الخارجي، ويتوسع الرفض لدى الموالين ويتزايد لحلف النظام مؤخراً.

القس لافروف، ربط بين هجرة المسيحيين ومشاريع الثورات العربية الهادفة إلى الديموقراطية؛ الديموقراطية إحدى أهدافها. الربط الغبي هذا يتجاهل أن مصلحة الأقليات، أيّة أقليات، تكمن في هذه الديموقراطية، التي وإن أوصلت الإسلاميين إلى الحكم، فهي لن تَشرع بتشكيل نظام مضاد للمسيحيين، بل ستشرع بتشكيل نظام جديد، سيكون في بعض أوجهه طائفياً، ولكنه لن يكون اجتثاثياً للأقليات بكل تأكيد، فأسوأ أشكال الديموقراطية، هو أفضل من الحروب الأهلية، ومن أنظمة الاستبداد بقضها وقضيضها. في هذا الإطار كانت دائماً الأقليات إلى جانب الأفكار الحداثية، التي يستفيد منها المجتمع بأكمله، ولا تتحوّل إلى وقائع دون أن تتبناها الأكثرية، والأخيرة لها مصلحة فعلية بها من أجل التطور العام، وهذا أمرٌ تاريخيٌّ، حيث دخلت أفكار التنوير والعلمانية والديموقراطية والمواطنة كافة دول العالم، كمسألة موضوعية في التاريخ المعاصر.

السوريون ساعون من أجل نظام ديموقراطي، وهذا وحده ما يعيد تشكيل الهوية الوطنية، ويعزز تلك الإعادة استنادها إلى مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان والفصل بين الدين والسياسة؛ الدول المحتلة لسوريا لا ترى السوريين إلّا سنة ومسيحيين وأكراداً ودروزاً وعلويين وإسماعيليين وسواه، وهذا يتناقض مع أهداف السوريين أعلاه؛ الساعين إلى الفصل بين الديني الخاص، والسياسي الديموقراطي العام، وهو ما يبتغيه السوريون، بغض النظر عن تمايزاتهم الدينية.

عمار ديوب

ليفانت – عمّار ديّوب

يعيد لافروف، وزير خارجية روسيا، مقولة “ثرثرة” أنّ روسيا حمت المسيحيين في سوريا من التهجير والإبادة. وأن دخول روسيا إلى سوريا جنبهم ذلك المصير، وله تصريحات تؤكد رفضه وصول رئيسٍ “سني” لرئاسة سوريا. ليست غريبة تلك التصريحات عن هذا الرجل السمج؛ فروسيا متخلفة، كدولة إمبريالية، عن اللحظة الراهنة، ونظرتها تلك تعود إلى زمنٍ قديم، حينما كانت الدول الاستعمارية تؤكد في استراتيجياتها حمايتها لهذه الأقلية أو تلك؛ ماكرون يفعل الشيء ذاته في لبنان والعراق مؤخراً.

المنظور الديني في الدولة الروسية ارتبط مع وصول بوتين للحكم عام 2000، وللاستثمار فيه، وكذلك ارتبطت به البطركية الروسية، التي تتوهم أنّ دورها “التاريخي” اُستعيد أخيراً بعد سقوط السوفييت “الملاحدة”. طبعاً أصبحت أسباب التدخل العسكري الروسي في سوريا شبه معروفة، ويتوجها مئات الاتفاقيات مع النظام، وتشمل كافة أوجه الدولة السورية، وتجعل من التدخل احتلالاً كاملاً. إذاً روسيا تحتل سوريا، ولا تنقذ المسيحيين من موتٍ محقّق.

روسيا تلعب بورقة التفتيت المجتمعي الديني، الورقة التي سيّسها النظام السوري منذ السبعينيات، وهي حالة الدول العربية المأزومة، حيث خلقت “الصحوة الدينية” منذ حينه. اللعب الروسي، ليس كثير الفائدة، ولا يُنشأ إليها حالة استقطابٍ لدى مسيحيي سوريا؛ فليس من فوائدٍ خاصة تحققت لهذه الطائفة، ولا سيما الأرثوذكس، منذ مجي الروس إلى سوريا 2015. إذاً، ربما تصريحات لافروف مفيدة للشأن الداخلي الروسي، والذي لا يرى منافع حقيقية من وجود روسيا في سوريا. التعطيل الأمريكي عبر قانون قيصر لتلك الاتفاقيات، يمنع عن روسيا الاستفادة من تلك الاتفاقيات قبل إعادة تعويم النظام السوري، وهذا خارج التحقق حالياً. وعدا ذلك؛ فروسيا محكومة بطغمة ناهبة وفاسدة لخيرات الدولة الروسية ذاتها، والخطاب الديني “للقس” لافروف لا يملء بطون “الرعايا” الروس بشيءٍ، وبالتالي هو محض خطابٍ ديني للاستثمار السياسي وموجه للداخل الروسي، على أغلب تقدير.

منذ 2011، واعتماد النظام السوري الخيار الأمني، وافتقاد السوريين الأمل بانتقالٍ سلس للسلطة، وتحوّل الخيار الأمني إلى عسكري وتدمير القرى والمدن، وسيطرة الجانب الطائفي على أوجه كثيرة في الصراع، تشكلت الأسباب الحقيقية للتفكير بالهجرة، فهاجر من البلاد المسلمون قبل المسيحيين، ولو أخذنا النسب العديدة لتوزع الطوائف تظلُّ لصالح السُنّة في الهجرة والتهجير واللجوء. قال لافروف: إن الروس منعوا الهجرة المسيحية من سوريا. هذا كذب وقح، فالهجرة واللجوء بين المسيحيين بأعداد كبيرة، وتزداد كما لدى بقية الطوائف. ومع أزمة النظام المتفاقمة، ارتفعت أعداد العلويين وسواهم في طريق الهجرة كذلك، وبكل الطرق الممكنة؛ النظامية وسواها.

لا تتوقف الدبلوماسية الروسية عن الكذب والوقاحة، وإن كانت صادقة في أمرٍ واحد أنها جاءت لحماية النظام، وضد الثورة، ولكن الحقيقة أنها تستعمر سوريا بكل معنى الكلمة. استعمارها الغبي، والمعادي للشعب وثورته، لن يتم تلافيه، أو التخفيف منه بترغيب الأقليات بها. فالأخيرة أصبحت تنتقد الوجود الروسي، وتسلك دروب الهجرة وبكثرة؛ وقريباً قد تتفاجأ روسيا ذاتها بانتقادات أكثر قوة من جانب الموالين، وربما تشتعل مناطق واسعة ضد الوجود الروسي، حيث تتضاعف أزمات الموالين، وتشمل الأزمات كل شيء، والروس سائرون نحو طرد العمال السوريين من كافة المنشآت التي يسيطرون عليها، وهذا يفاقم التأزّم ضدهم.

السياسة الدينية للدبلوماسية الروسية لم تعد تجدي نفعاً، وحتى النظام الذي وظف المسألة الدينية والطائفية في صراعه مع الشعب “الوطني”، وأقصد الخيار الوطني العام، وبغض النظر عن الثائرين والموالين، خسر معركته تلك، وأصبحت الانتقادات تتزايد ضد ممارساته، والمسيحيون ليسوا خارج هذا النقد، وإن لم يتقدموا فيه كثيراً. هم كما كل سكان المناطق التي يسيطر عليها النظام، أصبحوا ناقمين على النظام وروسيا وإيران، فكافة الوعود بحياة أفضل لم تتحقق، بل وتحقق العكس، أي الأزمة الشاملة.

وإذا وسعنا رؤيتنا في فهم تفكير السوريين لكافة المشاريع التي قُدِمت لهم، من جانب النظام والمعارضة من 2011، وأغلبها طائفي، أقول إن الناس لم تعد تثق بها، ورأت فشل تلك المشاريع ورداءتها بأم العين؛ فكافة المؤسسات الدينية والطائفية، لم تملء بطون الفقراء، وكانت تمييزية ولصالح فئات أكثر من فئات أخرى، وبالكاد توزّع السلل الغذائية هنا وهناك، ولكنها لم تتقدم بخطوة واحدة نحو تأمين احتياجات الناس، من طبابة ولوازم تعليم وأجار للسكن وللتنقل أو وظائف للتعليم وسواه كثير. وهنا، ماذا قدمت روسيا للمسيحيين، بل ولعامة السوريين، من المسائل السالفة الذكر؟

لم تتقدّم بمستشفى واحد، أو مدرسة واحدة، وهي تطرد العاملين من المعامل المملوكة للدولة وتستولي عليها. ثم أية ممارسات تمييزية لصالح المسيحيين في سوريا؟ لا شيء على الإطلاق. ما ذكرته يعرفه السوريون، مسيحيون ومسلمون، وباستثناء الطائفيين، الذين وظيفتهم تشويه الصراع وتطييفه، فإن السوريين يرفضون بأغلبيتهم كافة أشكال التدخل الخارجي، ويتوسع الرفض لدى الموالين ويتزايد لحلف النظام مؤخراً.

القس لافروف، ربط بين هجرة المسيحيين ومشاريع الثورات العربية الهادفة إلى الديموقراطية؛ الديموقراطية إحدى أهدافها. الربط الغبي هذا يتجاهل أن مصلحة الأقليات، أيّة أقليات، تكمن في هذه الديموقراطية، التي وإن أوصلت الإسلاميين إلى الحكم، فهي لن تَشرع بتشكيل نظام مضاد للمسيحيين، بل ستشرع بتشكيل نظام جديد، سيكون في بعض أوجهه طائفياً، ولكنه لن يكون اجتثاثياً للأقليات بكل تأكيد، فأسوأ أشكال الديموقراطية، هو أفضل من الحروب الأهلية، ومن أنظمة الاستبداد بقضها وقضيضها. في هذا الإطار كانت دائماً الأقليات إلى جانب الأفكار الحداثية، التي يستفيد منها المجتمع بأكمله، ولا تتحوّل إلى وقائع دون أن تتبناها الأكثرية، والأخيرة لها مصلحة فعلية بها من أجل التطور العام، وهذا أمرٌ تاريخيٌّ، حيث دخلت أفكار التنوير والعلمانية والديموقراطية والمواطنة كافة دول العالم، كمسألة موضوعية في التاريخ المعاصر.

السوريون ساعون من أجل نظام ديموقراطي، وهذا وحده ما يعيد تشكيل الهوية الوطنية، ويعزز تلك الإعادة استنادها إلى مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان والفصل بين الدين والسياسة؛ الدول المحتلة لسوريا لا ترى السوريين إلّا سنة ومسيحيين وأكراداً ودروزاً وعلويين وإسماعيليين وسواه، وهذا يتناقض مع أهداف السوريين أعلاه؛ الساعين إلى الفصل بين الديني الخاص، والسياسي الديموقراطي العام، وهو ما يبتغيه السوريون، بغض النظر عن تمايزاتهم الدينية.

عمار ديوب

ليفانت – عمّار ديّوب

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit