في الذكرى الرابعة لاستفتاء كوردستان

كفاح محمود كريم
كفاح محمود كريم

قبل أكثر من مائة عام، وفي حدود 1926، اتفقت كل من بريطانيا وفرنسا وتركيا بمؤازرة روسيا على ضم كوردستان، التي كانت تشمل معظم ولاية الموصل، إلى المملكة العراقية التي أسستها من ولايتي البصرة وبغداد قبل ذلك بسنوات، مقابل وعود أعطيت للكورد بمنحهم حقوقهم الثقافية والسياسية لاحقاً.

وقبل ذلك بأكثر من قرنين من الزمن، ضمّت إليها مملكة اسكتلندا، وتحديداً في 1707، بوعود لا تختلف عما قطعته للكوردستانيين لاحقاً، ورغم أنّ رئيس وزرائها، ونستون شرشل، رد على الملك فيصل الأول حينما سأله عن حدود مملكته، في عشرينات القرن الماضي قائلاً: “نحن لم نعطك إمبراطورية لتحكمها بل دولة عربية، حدودها جبال حمرين، وما بعد تلك الجبال بلاد أخرى تسمى كوردستان”.

إلا أنّ ما جرى في واقع الحال بعد اكتمال مملكة العراق وترسيم الحدود مع تركيا، كان مجرد عمليات تسويف وترقيع تطورت فيما بعد إلى سلسلة قاسية ومريرة من الحروب المدمرة والاضطهاد العنصري، الذي صاحبته عمليات إبادة جماعية وتغيير ديموغرافي قومي حاد تعرّضت له معظم مدن الحدود الداخلية لكوردستان، بدءاً من سنجار ومروراً بالشيخان ومخمور ثم كركوك، وانتهاءً بخانقين ونواحيها وبقية البلدات والقرى، التي تم تهجير سكانها وتوطين آخرين تم جلبهم من جنوب ووسط العراق ليحلّوا محلهم.

ولكي لا نخوض غمار تاريخ مؤلم وتفاصيل جارحة على مدى أكثر من مائة عام، نرحل بسرعة إلى قرار برلمان وحكومة كوردستان، في 25 أيلول 2017، لإجراء الاستفتاء بعد أن تعرّض الإقليم إلى حرب غير معلنة وحرمانه من حصته في الموازنة السنوية العامة لخمس سنوات كاملة (2014-2018)، والبالغة قرابة خمسون مليار دولار، حيث واجه فيها الإقليم حصاراً خانقاً، خاصة وأنّ تلك السنوات كانت في معظمها حرباً ضروساً مع واحدة من أعتى قوى الإرهاب في العالم، قديماً وحديثاً، حيث تركت الحكومة الاتحادية قوات البيشمركة تواجه مصيرها لوحدها دون أي إمداد عسكري أو فني أو مالي، ولولا تجربتها النضالية التاريخية بالقتال والصمود ومساعدة التحالف الدولي وإيران لما استطاعت تحطيم أسطورة الخوف من داعش وتحرير سنجار ومخمور وحماية الإقليم وكيانه السياسي من الاحتلال.

هذا الاستفتاء الذي جرى ذاته في اسكتلندا قبل ثلاث سنوات من إجرائه في كوردستان، وتحديداً في أيلول من عام 2014، ذلك الاستفتاء على حق تقرير المصير الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1961، والذي يُعرف سياسياً ومهنياً بأنّه عملية تعبير عن الرأي في قضية محددة بأسلوب سلمي حضاري، وبينما تهافت زعماء بريطانيا العظمى على أدنبرة، عاصة الإقليم، محاولين إقناع قادته بالعزوف عن قرارهم بوعود لحل المشاكل ومنح صلاحيات أوسع للإقليم دونما تهديد أو وعيد أو تجييش للعسكر والميليشيات، نفذ الاسكتلنديون استفتاءهم الذي أظهر أنّ أكثر من نصف الناخبين ارتضوا في هذه المرحلة البقاء ضمن الجسد البريطاني، وفي المقابل كانت النتيجة في كوردستان معاكسة تماماً، حيث اختار أكثر من 92% من ناخبي الإقليم الاستقلال عن العراق.

وبمقارنة بسيطة بين الفعلين وردود الأفعال تجاههما من قبل بريطانيا والعراق، نرى البون شاسعاً بين السلوكين، وبين تفاعل البريطانيين مع قضية استفتاء واستقلال اسكتلندا، وبين ما ذهب إليه قادة العراق من ردود أفعال كارثية أدّت إلى إعلان حصار خانق على كوردستان وشعبها بالتعاون مع كل من إيران وتركيا في محاولة لإسقاط كيان الإقليم، حيث شنّت القوات المسلحة العراقية والحشد الشعبي هجمة شرسة بمساعدة إيرانية وتركية اجتاحت فيها المدن والقرى الكوردستانية خارج إدارة الإقليم، والمعروفة بـ(المتنازع عليها)، والتي نظم الدستور إعادتها الى أحضان الإقليم بالمادة 140، حيث باشرت تلك القوات بإعادة عقارب ساعة التعريب والتهجير والتشويه الديموغرافي إلى ما كانت عليه أيام حكم البعثيين، بل إنّ تلك القوات شنّت هجومها في ثلاثة محاور في آلتون كوبري ومخمور وسحيلة لاحتلال عاصمة الإقليم ومحافظة دهوك، ولولا الصمود والقتال الشرس الذي خاضته قوات البيشمركة وإسناد المواطنين وبقية مؤسسات الإقليم لوقعت حرب أهلية، لا يعلم نتائجها إلا الله.

واليوم وبعد أربع سنوات من تلك العملية، وبمقارنة سريعة لردود الأفعال في استفتاء اسكتلندا وكوردستان، ندرك ما كنا نفتقده من حضارة سياسية وإنسانية مدنية في التعاطي مع أبسط حقوق الإنسان وتعبيره عن رأيه تحت ظلال قاتمة لدكتاتوريات بغيضة ترتدي رداء الديمقراطية العرجاء المشوهة المحكومة بالعقلية الإقصائية والشمولية وأذرعها الميليشياوية المؤدلجة.

ليفانت نيوز_كفاح محمود كريم ليفانت

كفاح محمود كريم

قبل أكثر من مائة عام، وفي حدود 1926، اتفقت كل من بريطانيا وفرنسا وتركيا بمؤازرة روسيا على ضم كوردستان، التي كانت تشمل معظم ولاية الموصل، إلى المملكة العراقية التي أسستها من ولايتي البصرة وبغداد قبل ذلك بسنوات، مقابل وعود أعطيت للكورد بمنحهم حقوقهم الثقافية والسياسية لاحقاً.

وقبل ذلك بأكثر من قرنين من الزمن، ضمّت إليها مملكة اسكتلندا، وتحديداً في 1707، بوعود لا تختلف عما قطعته للكوردستانيين لاحقاً، ورغم أنّ رئيس وزرائها، ونستون شرشل، رد على الملك فيصل الأول حينما سأله عن حدود مملكته، في عشرينات القرن الماضي قائلاً: “نحن لم نعطك إمبراطورية لتحكمها بل دولة عربية، حدودها جبال حمرين، وما بعد تلك الجبال بلاد أخرى تسمى كوردستان”.

إلا أنّ ما جرى في واقع الحال بعد اكتمال مملكة العراق وترسيم الحدود مع تركيا، كان مجرد عمليات تسويف وترقيع تطورت فيما بعد إلى سلسلة قاسية ومريرة من الحروب المدمرة والاضطهاد العنصري، الذي صاحبته عمليات إبادة جماعية وتغيير ديموغرافي قومي حاد تعرّضت له معظم مدن الحدود الداخلية لكوردستان، بدءاً من سنجار ومروراً بالشيخان ومخمور ثم كركوك، وانتهاءً بخانقين ونواحيها وبقية البلدات والقرى، التي تم تهجير سكانها وتوطين آخرين تم جلبهم من جنوب ووسط العراق ليحلّوا محلهم.

ولكي لا نخوض غمار تاريخ مؤلم وتفاصيل جارحة على مدى أكثر من مائة عام، نرحل بسرعة إلى قرار برلمان وحكومة كوردستان، في 25 أيلول 2017، لإجراء الاستفتاء بعد أن تعرّض الإقليم إلى حرب غير معلنة وحرمانه من حصته في الموازنة السنوية العامة لخمس سنوات كاملة (2014-2018)، والبالغة قرابة خمسون مليار دولار، حيث واجه فيها الإقليم حصاراً خانقاً، خاصة وأنّ تلك السنوات كانت في معظمها حرباً ضروساً مع واحدة من أعتى قوى الإرهاب في العالم، قديماً وحديثاً، حيث تركت الحكومة الاتحادية قوات البيشمركة تواجه مصيرها لوحدها دون أي إمداد عسكري أو فني أو مالي، ولولا تجربتها النضالية التاريخية بالقتال والصمود ومساعدة التحالف الدولي وإيران لما استطاعت تحطيم أسطورة الخوف من داعش وتحرير سنجار ومخمور وحماية الإقليم وكيانه السياسي من الاحتلال.

هذا الاستفتاء الذي جرى ذاته في اسكتلندا قبل ثلاث سنوات من إجرائه في كوردستان، وتحديداً في أيلول من عام 2014، ذلك الاستفتاء على حق تقرير المصير الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1961، والذي يُعرف سياسياً ومهنياً بأنّه عملية تعبير عن الرأي في قضية محددة بأسلوب سلمي حضاري، وبينما تهافت زعماء بريطانيا العظمى على أدنبرة، عاصة الإقليم، محاولين إقناع قادته بالعزوف عن قرارهم بوعود لحل المشاكل ومنح صلاحيات أوسع للإقليم دونما تهديد أو وعيد أو تجييش للعسكر والميليشيات، نفذ الاسكتلنديون استفتاءهم الذي أظهر أنّ أكثر من نصف الناخبين ارتضوا في هذه المرحلة البقاء ضمن الجسد البريطاني، وفي المقابل كانت النتيجة في كوردستان معاكسة تماماً، حيث اختار أكثر من 92% من ناخبي الإقليم الاستقلال عن العراق.

وبمقارنة بسيطة بين الفعلين وردود الأفعال تجاههما من قبل بريطانيا والعراق، نرى البون شاسعاً بين السلوكين، وبين تفاعل البريطانيين مع قضية استفتاء واستقلال اسكتلندا، وبين ما ذهب إليه قادة العراق من ردود أفعال كارثية أدّت إلى إعلان حصار خانق على كوردستان وشعبها بالتعاون مع كل من إيران وتركيا في محاولة لإسقاط كيان الإقليم، حيث شنّت القوات المسلحة العراقية والحشد الشعبي هجمة شرسة بمساعدة إيرانية وتركية اجتاحت فيها المدن والقرى الكوردستانية خارج إدارة الإقليم، والمعروفة بـ(المتنازع عليها)، والتي نظم الدستور إعادتها الى أحضان الإقليم بالمادة 140، حيث باشرت تلك القوات بإعادة عقارب ساعة التعريب والتهجير والتشويه الديموغرافي إلى ما كانت عليه أيام حكم البعثيين، بل إنّ تلك القوات شنّت هجومها في ثلاثة محاور في آلتون كوبري ومخمور وسحيلة لاحتلال عاصمة الإقليم ومحافظة دهوك، ولولا الصمود والقتال الشرس الذي خاضته قوات البيشمركة وإسناد المواطنين وبقية مؤسسات الإقليم لوقعت حرب أهلية، لا يعلم نتائجها إلا الله.

واليوم وبعد أربع سنوات من تلك العملية، وبمقارنة سريعة لردود الأفعال في استفتاء اسكتلندا وكوردستان، ندرك ما كنا نفتقده من حضارة سياسية وإنسانية مدنية في التعاطي مع أبسط حقوق الإنسان وتعبيره عن رأيه تحت ظلال قاتمة لدكتاتوريات بغيضة ترتدي رداء الديمقراطية العرجاء المشوهة المحكومة بالعقلية الإقصائية والشمولية وأذرعها الميليشياوية المؤدلجة.

ليفانت نيوز_كفاح محمود كريم ليفانت

كفاح محمود كريم

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit