عن الأصدقاء والوطن

عمار ديوب

تَشدّدتُ براديكاليةٍ كبيرة ولزمنٍ طويل في رفض ترك البلاد للنظام ومؤيديه. ما زلت أتبنّى هذا الخيار، ولكن تخلّيت عن تعميمه على الآخرين. بجلسةٍ لمّت أصدقاء رائعين، كان الحديث حول إمكانية استمرارية البقاء بوطنٍ نظامه غاية في الاستبداد، اختلفت الآراء حول هذه الفكرة، حيث أسباب الترك كانت الغالبة. أسباب البقاء تتعلق بعدم ترك الناس، وضرورة مساعدتهم بكل الأشكال الممكنة.

الحجة الأخيرة تراجعت كثيراً مع تمدّد النظام إلى مناطق واسعة، ومع تهجير الملايين وخروج أغلبية الناشطين، وتخوّف الباقين من الاعتقال، والتغييب القسري. التغييب الذي لم تشهده شعوب أخرى، فكان الانكفاء والانعزال وانتظار الزمن، دون شك لا يمكن لمن يتبنى خيار البقاء ألا يتلقى دعماً خارجياً، من أسرته، أصدقائه، أو أنّ عمله في الخارج.  وأن يصل الليل بالنهار ليؤمن حاجاته وبالكاد سيقف على رجليه، وهناك من يعمل بالمنظمات الدولية؛ فئة المتمسكين بالبقاء أصبحت نادرة الوجود، وإن كانت حجتها الأقوى.

كان بتلك الجلسة شاب في منتصف العشرينات، حسم رأيه بضرورة الرحيل، وحججه كثيرة؛ فالبلاد لا تحترم القدرات والتميّز وتحارب المشاريع الفردية الوطنية، وأنّ الشباب من حقه التمتع بالحياة وبقدراته وألا يتعرّض للخوف والاعتقال. الحديث هنا لا يتناول الهجرة الكثيفة للشباب هروباً من الخدمة العسكرية أو الملاحقة الأمنية. لا لا، القضية تكمن في غياب الحق بحياة طبيعية، والتمتع بالحقوق الأولية للأفراد، وليس هناك قوّة تحمي الأفراد إن تعرضوا لمشكلة ما، إذاً افتقاد أيّة حقوق وقوة وطنية للحماية “شرطة، قضاء”، تدفع الأفراد، والملايين من الناس لترك البلاد.

مؤخراً تصاعدت الهجرة، والأخبار تؤكد حجز كافة بطاقات الطيران إلى مصر ولشهرين قادمين، والأسوأ أن كافة الدول أغلقت أبوابها ونوافذها وأنفاقها لاستقبال السوريين؛ بيلاروسيا والبرازيل ورومانيا أيضاً تشدّدت في إغلاق الحدود.

دافع صديقي الخمسيني عن حقه بترك البلاد، وبشكل حازم أيضاً. الخمسينيون الذين أصادفهم هنا وهناك يؤكدون أنهم أخطؤوا بالبقاء منذ 2011. أخطؤوا لأنّهم جعلوا عائلاتهم تتعرض لمختلف أشكال الانتهاك أو يعايشون وضعاً كارثياً منذ ذلك التاريخ لأشخاص آخرين، وهم بملايين الأفراد.

نحن على أبواب الشتاء وسيكون وضع السوريين بائساً بامتياز؛ فكل المواد الأساسية وفقاً للبطاقة الذكية “الشديدة الغباء” وكافة الخدمات رديئة للغاية “الكهرباء، الغاز، المازوت، البنزين، الماء، غياب فرص العمل، الأجوار المتدنية، الغلاء الشديد”.

لا يمكن الدفاع عن الوطن حينما يفتقد المواطنون كافة حقوقهم؛ صحيح أن الوطن ليس حقوقاً سياسية أو طبيعية، وهناك العائلة، الذكريات، والأرض، والثقافة، وملايين آخرين لن يرحلوا، ولكن كذلك وبأول تلك الحقوق ما ذكرناه، وحينما تُفتقد الأخيرات يصبح من حق الأفراد أن يضعوا الهجرة كخيارٍ أوّل للشعور بالآدمية؛ من لم يُهجر من قبل يهاجر الآن. طبعاً هنا لن أساوي بين الوطن وحقوق الأفراد، كل الأفراد، فهناك ما ذكرت، وهناك عدم قدرة ملايين الناس على الهجرة.

منطقياً يفترض أن تكون إحدى الخيارات صحيحة والأخريات خاطئة. هذا منطق صوري، بينما المنطق الجدلي يؤكد صحة الخيارات المتعددة في لحظة تاريخية معينة، كما في راهننا، وتتغير تلك الصحة حينما تتغير الشروط الواقعية، حيث تتغلّب حجج البقاء على الترك. حينذاك يظل للأفراد الحق بترك البلاد، ولكن لأسباب أخرى، وبغض النظر عنها، فهو حق للأفراد.

أوصلتْ حالة افتقاد الأمل وغياب الأفق المحدّد بتغيير جذري في النظام السياسي إلى نقاشاتٍ أوّلية كما السابقة، أسوأ مما ذكرت أنّ البلاد أصبحت محتلة، فصار علينا التخلص من نظامٍ مستبد واحتلالات متعددة وتداخلات أمنية ومالية وعصاباتية كثيرة، قلت علينا، وهذه تقضي بوجود قوى سياسية ومجتمع وشعب وسواه، وهذا أيضاً وبعد خراب البلاد ليس موجوداً، وبالتالي هناك استعصاء شديد، يدفع الأفراد للتفكير في كافة أشكال العمل والهجرة والخيارات؛ أوضاع كهذه تمنع التفكير بالمسائل الأساسية للنهوض المجتمعي، وبوضع خياراتٍ وطنية للاقتصاد وللمجتمع وللسياسة وللتعليم وللثقافة وسواه كثير.

لم نتطرّق بجلستنا تلك لمواضيع تتعلق بالنهوض الوطني العام؛ فالنظام والمعارضة والاحتلالات والفصائل في شمال وشرق سوريا، لم تترك إمكانية للتفكير الموضوعي، والانطلاق من استراتيجية معنية والالتزام بها، والعمل وفقها. خيارات السوريين، في الداخل والخارج، أصبحت تتعلق بكيفية إخراج من تبقى في البلاد المنكوبة، ولهذا كان نقاش الأصدقاء في غاية الألم والتعاسة والتجهم والمقت.

هذه هي بعض أحوال السوريين في الداخل، ومن بالخارج ليس بأحسنِ منها بكثير، اللاجئون محاصرون في تركيا والأردن ولبنان. في أوربا الحياة أفضل بكل أوجهها، ولكن أغلبية اللاجئين يعيشون العزلة والاكتئاب والتعاسة، إن ظروفهم الجيدة بالعموم لا تساعدهم كثيراً في الاندفاع للتفكير بالمسائل الموضوعية؛ إنّ غياب الأفق كما ذكرنا يطيح بكلّ تفكير عقلاني، وهادئ، وجاد من أجل النهوض الوطني العام.

لن يتمكّن ملايين السوريين من ترك البلاد، وهنا أسقط من حساباتي مفاهيم الداخل والخارج أو المولاة والمعارضة وأيها أصح وأيها خاطئ. هذا ليس بموضوعٍ حقيقيٍّ للنقاش، الآن ومن قبل، حيث المسؤول الفعلي، وفي أية لحظة تاريخية، هم القادة، في النظام والمعارضة وسواهم،  مسؤولية “الشعب” هنا وهناك، تتعلّق أيضاً بأفعالهم، ولكن لا يجوز الخلط بين القادة والشعب في المسؤولية. أغلبية الأصدقاء يرتؤون الهجرة، ويظل سؤال الباقين في البلاد: لماذا تركتني يا أبي؟

عمار ديوب

ليفانت – عمّار ديّوب

تَشدّدتُ براديكاليةٍ كبيرة ولزمنٍ طويل في رفض ترك البلاد للنظام ومؤيديه. ما زلت أتبنّى هذا الخيار، ولكن تخلّيت عن تعميمه على الآخرين. بجلسةٍ لمّت أصدقاء رائعين، كان الحديث حول إمكانية استمرارية البقاء بوطنٍ نظامه غاية في الاستبداد، اختلفت الآراء حول هذه الفكرة، حيث أسباب الترك كانت الغالبة. أسباب البقاء تتعلق بعدم ترك الناس، وضرورة مساعدتهم بكل الأشكال الممكنة.

الحجة الأخيرة تراجعت كثيراً مع تمدّد النظام إلى مناطق واسعة، ومع تهجير الملايين وخروج أغلبية الناشطين، وتخوّف الباقين من الاعتقال، والتغييب القسري. التغييب الذي لم تشهده شعوب أخرى، فكان الانكفاء والانعزال وانتظار الزمن، دون شك لا يمكن لمن يتبنى خيار البقاء ألا يتلقى دعماً خارجياً، من أسرته، أصدقائه، أو أنّ عمله في الخارج.  وأن يصل الليل بالنهار ليؤمن حاجاته وبالكاد سيقف على رجليه، وهناك من يعمل بالمنظمات الدولية؛ فئة المتمسكين بالبقاء أصبحت نادرة الوجود، وإن كانت حجتها الأقوى.

كان بتلك الجلسة شاب في منتصف العشرينات، حسم رأيه بضرورة الرحيل، وحججه كثيرة؛ فالبلاد لا تحترم القدرات والتميّز وتحارب المشاريع الفردية الوطنية، وأنّ الشباب من حقه التمتع بالحياة وبقدراته وألا يتعرّض للخوف والاعتقال. الحديث هنا لا يتناول الهجرة الكثيفة للشباب هروباً من الخدمة العسكرية أو الملاحقة الأمنية. لا لا، القضية تكمن في غياب الحق بحياة طبيعية، والتمتع بالحقوق الأولية للأفراد، وليس هناك قوّة تحمي الأفراد إن تعرضوا لمشكلة ما، إذاً افتقاد أيّة حقوق وقوة وطنية للحماية “شرطة، قضاء”، تدفع الأفراد، والملايين من الناس لترك البلاد.

مؤخراً تصاعدت الهجرة، والأخبار تؤكد حجز كافة بطاقات الطيران إلى مصر ولشهرين قادمين، والأسوأ أن كافة الدول أغلقت أبوابها ونوافذها وأنفاقها لاستقبال السوريين؛ بيلاروسيا والبرازيل ورومانيا أيضاً تشدّدت في إغلاق الحدود.

دافع صديقي الخمسيني عن حقه بترك البلاد، وبشكل حازم أيضاً. الخمسينيون الذين أصادفهم هنا وهناك يؤكدون أنهم أخطؤوا بالبقاء منذ 2011. أخطؤوا لأنّهم جعلوا عائلاتهم تتعرض لمختلف أشكال الانتهاك أو يعايشون وضعاً كارثياً منذ ذلك التاريخ لأشخاص آخرين، وهم بملايين الأفراد.

نحن على أبواب الشتاء وسيكون وضع السوريين بائساً بامتياز؛ فكل المواد الأساسية وفقاً للبطاقة الذكية “الشديدة الغباء” وكافة الخدمات رديئة للغاية “الكهرباء، الغاز، المازوت، البنزين، الماء، غياب فرص العمل، الأجوار المتدنية، الغلاء الشديد”.

لا يمكن الدفاع عن الوطن حينما يفتقد المواطنون كافة حقوقهم؛ صحيح أن الوطن ليس حقوقاً سياسية أو طبيعية، وهناك العائلة، الذكريات، والأرض، والثقافة، وملايين آخرين لن يرحلوا، ولكن كذلك وبأول تلك الحقوق ما ذكرناه، وحينما تُفتقد الأخيرات يصبح من حق الأفراد أن يضعوا الهجرة كخيارٍ أوّل للشعور بالآدمية؛ من لم يُهجر من قبل يهاجر الآن. طبعاً هنا لن أساوي بين الوطن وحقوق الأفراد، كل الأفراد، فهناك ما ذكرت، وهناك عدم قدرة ملايين الناس على الهجرة.

منطقياً يفترض أن تكون إحدى الخيارات صحيحة والأخريات خاطئة. هذا منطق صوري، بينما المنطق الجدلي يؤكد صحة الخيارات المتعددة في لحظة تاريخية معينة، كما في راهننا، وتتغير تلك الصحة حينما تتغير الشروط الواقعية، حيث تتغلّب حجج البقاء على الترك. حينذاك يظل للأفراد الحق بترك البلاد، ولكن لأسباب أخرى، وبغض النظر عنها، فهو حق للأفراد.

أوصلتْ حالة افتقاد الأمل وغياب الأفق المحدّد بتغيير جذري في النظام السياسي إلى نقاشاتٍ أوّلية كما السابقة، أسوأ مما ذكرت أنّ البلاد أصبحت محتلة، فصار علينا التخلص من نظامٍ مستبد واحتلالات متعددة وتداخلات أمنية ومالية وعصاباتية كثيرة، قلت علينا، وهذه تقضي بوجود قوى سياسية ومجتمع وشعب وسواه، وهذا أيضاً وبعد خراب البلاد ليس موجوداً، وبالتالي هناك استعصاء شديد، يدفع الأفراد للتفكير في كافة أشكال العمل والهجرة والخيارات؛ أوضاع كهذه تمنع التفكير بالمسائل الأساسية للنهوض المجتمعي، وبوضع خياراتٍ وطنية للاقتصاد وللمجتمع وللسياسة وللتعليم وللثقافة وسواه كثير.

لم نتطرّق بجلستنا تلك لمواضيع تتعلق بالنهوض الوطني العام؛ فالنظام والمعارضة والاحتلالات والفصائل في شمال وشرق سوريا، لم تترك إمكانية للتفكير الموضوعي، والانطلاق من استراتيجية معنية والالتزام بها، والعمل وفقها. خيارات السوريين، في الداخل والخارج، أصبحت تتعلق بكيفية إخراج من تبقى في البلاد المنكوبة، ولهذا كان نقاش الأصدقاء في غاية الألم والتعاسة والتجهم والمقت.

هذه هي بعض أحوال السوريين في الداخل، ومن بالخارج ليس بأحسنِ منها بكثير، اللاجئون محاصرون في تركيا والأردن ولبنان. في أوربا الحياة أفضل بكل أوجهها، ولكن أغلبية اللاجئين يعيشون العزلة والاكتئاب والتعاسة، إن ظروفهم الجيدة بالعموم لا تساعدهم كثيراً في الاندفاع للتفكير بالمسائل الموضوعية؛ إنّ غياب الأفق كما ذكرنا يطيح بكلّ تفكير عقلاني، وهادئ، وجاد من أجل النهوض الوطني العام.

لن يتمكّن ملايين السوريين من ترك البلاد، وهنا أسقط من حساباتي مفاهيم الداخل والخارج أو المولاة والمعارضة وأيها أصح وأيها خاطئ. هذا ليس بموضوعٍ حقيقيٍّ للنقاش، الآن ومن قبل، حيث المسؤول الفعلي، وفي أية لحظة تاريخية، هم القادة، في النظام والمعارضة وسواهم،  مسؤولية “الشعب” هنا وهناك، تتعلّق أيضاً بأفعالهم، ولكن لا يجوز الخلط بين القادة والشعب في المسؤولية. أغلبية الأصدقاء يرتؤون الهجرة، ويظل سؤال الباقين في البلاد: لماذا تركتني يا أبي؟

عمار ديوب

ليفانت – عمّار ديّوب

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit