صناعة الآخر المختلف

كفاح محمود كريم
كفاح محمود كريم

شهدنا في حقبة الجمهوريات الشعبية عملية تصنيع الآخر من الأحزاب التي يتم برمجتها في أقبية أجهزة المخابرات وقيادة الحزب القائد وإطلاقها كأحزاب حليفة أو معارضة إذا اقتضى الأمر في إكمال إكسسوارات الديمقراطية المفصلة على قياسات تلك الأنظمة الشمولية بامتياز، ولا تتجاوز كونها أقراصاً مهدئة أو علاجاً سحرياً يرمم بناءات المجتمع الاقتصادية والسياسية الآيلة للسقوط والموبوءة بأمراض تكلست عبر أزمان ودهور، ومناهج تربوية أكل عليها الزمان وشرب، بل هي ممارسة وسلوك ومنظومة أخلاقية لا يمكن حصرها بتداول السلطة السياسية فقط.

وهي بالتالي امتداد لتحضّر المجتمعات وتقدمها في كل مضامير الحياة، بدءاً من القراءة والكتابة والتحوّل من البداوة إلى المدنية، وصولاً إلى أعلى مراتب التقدم الاجتماعي والاقتصادي في قبول الآخر، هذا القبول الذي يعتبر من أهم مرتكزات الديمقراطية وممارساتها على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، وهي بذاتها العلّة الأكثر تعقيداً وربما السبب الأكثر خطورة في ضآلة فرص نجاح معظم التجارب السياسية التي مرت وتمر بها منطقة الشرق الأوسط، عموماً، والمحيط العربي، خصوصاً، وهي بالتالي سبب رئيسي لنكوص المجتمعات وبطء تقدمها.

إن مسألة قبول الآخر والتعاطي معه ليس وصفة جاهزة للتنفيذ والأخذ بها بقدر ما هو نتاج نظام تربوي وأخلاقي واجتماعي يقوم على أساس النقد البناء، الذي ينسجم فيه البناء الفردي والمجتمعي بما يحفظ حقوق الاثنين ومصالحهما، وتتوازن فيها مصالح البلاد العليا مع مصالح الفرد المواطن دون تمييز في العرق أو الدين أو الرأي، وهي بالتالي معادلة تتوازن فيها واجبات الفرد مع حقوق المجتمع بما يعزز قيام دولة متماسكة ومجتمعات متقدمة، مرتكزة على نظام تربوي، يبدأ من الأسرة والمدرسة وصولاً إلى الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى، وفي كل ذلك تحتاج عملية التحديث هذه إلى دور الأم والأب والمعلم، بدرجة أساسية، لوضع أسس صحيحة في تكريس مفاهيم البناء الديمقراطي للمجتمع ومنها بالتأكيد المرتكز الأساسي الأكثر أهمية وهو قبول الآخر.

لقد اعتادت معظم الأنظمة السياسية الحاكمة في هذه المنطقة وغيرها من العالم، المولعة بالشموليات والأوحديات، أن تبتكر نماذج من الديمقراطية وتمنحها أسماء وأصنافاً ومواصفات بحسب موديلات تلك الأنظمة وطبيعة سلوكها، حيث ذهبت الكثير من هذه الأنظمة إلى ابتكار أنواع وأصناف من الديمقراطية للالتفاف حول مفهومها الأصلي في تداول سلمي للسلطة وقبول الآخر واحترام الرأي المختلف، وهي بالتالي تنتج (آخراً) حسب ما يتوافق مع نظامها لتزين به تجاربها السياسية وأنظمة حكمها الاستبدادية، ولعلنا نتذكر تلك الأحزاب والجمعيات التي تصنعها دوائر المخابرات لتزين بها جبهات وطنية تدّعي قيادتها للدولة، كما رأيناه في بغداد ودمشق وأمثالهما في تكتيكاتهما بتصنيع ما كان يسمى بالجبهة الوطنية والتقدمية ومن ثم الالتفاف على عناصرها الأصلية ومحاولة إفراغها وتصنيع (آخر) حسب القياسات والمواصفات المطلوبة من النظام الحاكم، وتزيين عمليته السياسية بأحزاب و(آخرٍ) مدجن بموجب ما تقتضيه مصالح النظام والثقافة الأحادية.

وللأسف، ورغم التغييرات الحادة التي حصلت في هذه البلدان، إلا أن متكلساتها التربوية والاجتماعية والسياسية ما تزال تفعل فعلتها في تشويه عملية التحول إلى النظام الديمقراطي باستخدام أدواته بعقلية شمولية معتمدة هذه المرة النزعات الدينية والمذهبية والعشائرية، بشكل مطلق، بما يزيد الطين بلة، يُراكم فيه هذا الإرث من القيم البالية والتجارب الفاشلة التي كرستها الأنظمة السابقة، سياسياً واجتماعياً ونفسياً، بما يعيق أي محاولة لإحداث تغييرات نوعية في بنية المجتمع وتوجهاته وفصل الدين عن الدولة وإعطاء المرأة دورها الأساسي الفاعل في تطوره وانتقاله من ثقافة القرية والبداوة إلى الثقافة المدنية والسلوك الديمقراطي وقبول الآخر.

كفاح محمود كريم

ليفانت – كفاح محمود كريم

شهدنا في حقبة الجمهوريات الشعبية عملية تصنيع الآخر من الأحزاب التي يتم برمجتها في أقبية أجهزة المخابرات وقيادة الحزب القائد وإطلاقها كأحزاب حليفة أو معارضة إذا اقتضى الأمر في إكمال إكسسوارات الديمقراطية المفصلة على قياسات تلك الأنظمة الشمولية بامتياز، ولا تتجاوز كونها أقراصاً مهدئة أو علاجاً سحرياً يرمم بناءات المجتمع الاقتصادية والسياسية الآيلة للسقوط والموبوءة بأمراض تكلست عبر أزمان ودهور، ومناهج تربوية أكل عليها الزمان وشرب، بل هي ممارسة وسلوك ومنظومة أخلاقية لا يمكن حصرها بتداول السلطة السياسية فقط.

وهي بالتالي امتداد لتحضّر المجتمعات وتقدمها في كل مضامير الحياة، بدءاً من القراءة والكتابة والتحوّل من البداوة إلى المدنية، وصولاً إلى أعلى مراتب التقدم الاجتماعي والاقتصادي في قبول الآخر، هذا القبول الذي يعتبر من أهم مرتكزات الديمقراطية وممارساتها على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، وهي بذاتها العلّة الأكثر تعقيداً وربما السبب الأكثر خطورة في ضآلة فرص نجاح معظم التجارب السياسية التي مرت وتمر بها منطقة الشرق الأوسط، عموماً، والمحيط العربي، خصوصاً، وهي بالتالي سبب رئيسي لنكوص المجتمعات وبطء تقدمها.

إن مسألة قبول الآخر والتعاطي معه ليس وصفة جاهزة للتنفيذ والأخذ بها بقدر ما هو نتاج نظام تربوي وأخلاقي واجتماعي يقوم على أساس النقد البناء، الذي ينسجم فيه البناء الفردي والمجتمعي بما يحفظ حقوق الاثنين ومصالحهما، وتتوازن فيها مصالح البلاد العليا مع مصالح الفرد المواطن دون تمييز في العرق أو الدين أو الرأي، وهي بالتالي معادلة تتوازن فيها واجبات الفرد مع حقوق المجتمع بما يعزز قيام دولة متماسكة ومجتمعات متقدمة، مرتكزة على نظام تربوي، يبدأ من الأسرة والمدرسة وصولاً إلى الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى، وفي كل ذلك تحتاج عملية التحديث هذه إلى دور الأم والأب والمعلم، بدرجة أساسية، لوضع أسس صحيحة في تكريس مفاهيم البناء الديمقراطي للمجتمع ومنها بالتأكيد المرتكز الأساسي الأكثر أهمية وهو قبول الآخر.

لقد اعتادت معظم الأنظمة السياسية الحاكمة في هذه المنطقة وغيرها من العالم، المولعة بالشموليات والأوحديات، أن تبتكر نماذج من الديمقراطية وتمنحها أسماء وأصنافاً ومواصفات بحسب موديلات تلك الأنظمة وطبيعة سلوكها، حيث ذهبت الكثير من هذه الأنظمة إلى ابتكار أنواع وأصناف من الديمقراطية للالتفاف حول مفهومها الأصلي في تداول سلمي للسلطة وقبول الآخر واحترام الرأي المختلف، وهي بالتالي تنتج (آخراً) حسب ما يتوافق مع نظامها لتزين به تجاربها السياسية وأنظمة حكمها الاستبدادية، ولعلنا نتذكر تلك الأحزاب والجمعيات التي تصنعها دوائر المخابرات لتزين بها جبهات وطنية تدّعي قيادتها للدولة، كما رأيناه في بغداد ودمشق وأمثالهما في تكتيكاتهما بتصنيع ما كان يسمى بالجبهة الوطنية والتقدمية ومن ثم الالتفاف على عناصرها الأصلية ومحاولة إفراغها وتصنيع (آخر) حسب القياسات والمواصفات المطلوبة من النظام الحاكم، وتزيين عمليته السياسية بأحزاب و(آخرٍ) مدجن بموجب ما تقتضيه مصالح النظام والثقافة الأحادية.

وللأسف، ورغم التغييرات الحادة التي حصلت في هذه البلدان، إلا أن متكلساتها التربوية والاجتماعية والسياسية ما تزال تفعل فعلتها في تشويه عملية التحول إلى النظام الديمقراطي باستخدام أدواته بعقلية شمولية معتمدة هذه المرة النزعات الدينية والمذهبية والعشائرية، بشكل مطلق، بما يزيد الطين بلة، يُراكم فيه هذا الإرث من القيم البالية والتجارب الفاشلة التي كرستها الأنظمة السابقة، سياسياً واجتماعياً ونفسياً، بما يعيق أي محاولة لإحداث تغييرات نوعية في بنية المجتمع وتوجهاته وفصل الدين عن الدولة وإعطاء المرأة دورها الأساسي الفاعل في تطوره وانتقاله من ثقافة القرية والبداوة إلى الثقافة المدنية والسلوك الديمقراطي وقبول الآخر.

كفاح محمود كريم

ليفانت – كفاح محمود كريم

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit