صراعات داخل حركة طالبان على التمثيل الحكومي.. مرسال قطري “للتهدئة”

صراعات داخل حركة طالبان على التمثيل الحكومي قطر ترسل وزير خارجيتها للتهدئة
Editing by: The levant news. photo by: Shutterstock

برادر "الأسير" إلى تمثيل الأقليات وجناح حقاني يعارض

تحليل إخباري

_ بعد غياب ملا برادر يظهر في مقطع فيديو مشكوك في مضمونه
_ شائعات تكتسب زخماً في الميديا الأفغانية
_ “الأسير” ملا برادر  يقرأ بيانه من ورقة بوجود مرافق مسلح
_ برادر يبرر: حيث كنت لا إنترنت ولا اتصال  ولم أعلم بزيارة وزير خارجية قطر!
_ زيارة قطرية عاجلة لضبط الإيقاع

_ الملا برادر يعارض التشكيلة الحكومية ويريد تمثيل الأقليات
_ قطر الداعمة لحكومة موسعة لحفظ ماء الوجه

 

بدأت الأقاويل تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي منذ عدة أيام بأن هناك خلافاً داخلياً بين جناحين في حركة طالبان. وما رشحت به وسائل التواصل ولاحقاً تبعتها شبكات الأخبار الكبرى تتقصى، أزاح المشهد فلتره الضبابي.

كشفت تنقيبات شبكة BBC عن خلاف حاد بين فريق خليل الرحمن حقاني، وزير شؤون اللاجئين وهو شخصية بارزة في شبكة حقاني المصنفة على لوائح الإرهاب وبين فريق ملا بعد الغني برادر النائب الأول لرئيس الوزراء بالوكالة وأحد مؤسسي حركة طالبان.

يتزعم شبكة حقاني سراج الدين حقاني، وهو وزير الداخلية في الحكومة الجديدة. وتورطت الشبكة في بعض أعنف الهجمات التي وقعت في أفغانستان ضد القوات الأفغانية والغربية في السنوات الأخيرة. وتصنّفها الولايات المتحدة  أنها منظمة إرهابية.

خلال الأسبوع المنصرم، رصدت شبكة CNN الأمريكية بأن قادة حركة طالبان قنّنوا جداً من ظهوراتهم في المناسبات ولا يسمحون بإجراء مقابلات معهم ويتحرك الكثير منهم في الخفاء ما جعل دُخَان الإشاعات كثيفاً وله أرضية واقعية.

في خضم هذه المعمعة على وسائل التواصل، أعلنت الحركة أن زعيمها سيظهر علناً لكنه لم يفعل وَسْط تكهنات تصاعدت حول وضعه الصحي حتى ذلك الحين.  إلى هنا عدّت وسائل إعلام من بينها شبكة “سي ان ان” وهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” أن هذا الغموض والتأخر يُغذّي الشائعات حول الحالة الصحية للقادة وتحديداً ملا برادر وخلافات داخلية قوية بين قيادات الحركة. لقد انتشرت شائعات على نطاق واسع خلال الأيام الماضية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بأن برادر أُصيب أو قُتل خلال نزاع بين فصيلين من طالبان في القصر الرئاسي.

لكن حتى مساء أمسِ الأربعاء، خرج علينا الملا في مقطع فيديو مسجل نشره التلفزيون الوطني الأفغاني بدا فيه متوتراً ونفى ما يتردد مؤخراً وشكر الله أنه بخير “وفيما يتعلق بمزاعم وسائل الإعلام بأن لدينا خلافات داخلية، فهذا ليس صحيحا أيضا”. وفي وقت سابق، مهّدت الحركة برسالة صوتية نشرها محمد نعيم، المتحدث باسم المكتب السياسي لطالبان في الدوحة، يوم الاثنين من الملا عبد الغني برادر قال فيها:

“مهما كانت الأخبار في وسائل الإعلام، كنت في رحلة في ذلك الوقت. الحمد لله، نحن جميعًا أصدقاء جاهزون. غالباً ما تنشر وسائل الإعلام مثل هذه الدعاية التي لا أساس لها من الصحة والأكاذيب المخزية ضدنا”. “تويتر محمد نعيم”

اكتسبت هذه الإشاعات زخماً كبيراً خلال الفترة الأخيرة ما جعل المتحدثين باسم الحركة يتجنبون الإجابة على تساؤلات بشأن أنباء عن إصابة أو مقتل النائب الأول لرئيس الوزراء بالوكالة في حكومتها الملا عبد الغني برادر، في اشتباك ما مع شبكة حقاني أو فصيل آخر، في كابول الأسبوع الماضي.

تأخّر برادر في الظهور… تسجيلات ضعيفة ومريبة

ظهر الملا عبد الغني برادر، الشريك المؤسس لحركة طالبان ونائب رئيس الوزراء بالوكالة متأخّراً، في “مقابلة تلفزيونية”، ليرد على التقارير التي تم تداولها عن إصابته ووقوع اشتباكات داخل القصر الرئاسي مع فصيل منافس من طالبان.

ونشر المسؤول الإعلامي في حركة طالبان أحمد الله متقي مقطع فيديو من دقيقتين و20 ثانية يظهر فيه ملا برادر ومعه ورقة فيها بيانه الذي كان يمسكها مساعده في بداية الفيديو وإلى جانبه عنصر مسلح.

لم يُنشر صوراً أو فيديو حتى وقت مقابلته البارحة، وهو ما شحذ التكهنات أيضاً بوجود خلافات حادة وربما اشتباكات مسلحة بين أجنحة في الحركة. وكانت آخر مرة شوهد فيها ملا برادر في ظهور عابر بأحد فنادق كابول في الأسبوع الأول من سبتمبر.

برّر برادر عدم خروجه وتأخره للرد على الإشاعات بأنه كان خارج كابول ولم يكن لديه اتصال بالإنترنت للرد على ما وصفه “الأخبار الكاذبة”. وأظهر المقطع القصير الذي نشره المكتب السياسي لطالبان في الدوحة على تويتر، برادر جالساً على أريكة بجوار مذيع في التلفزيون الحكومي، ويقرأ بيانه المقتضب من ورقة معدة مسبقاً على غير العادة في جو من الإعداد بدأ مشحوناً وغريباً وهذا ما أثار التساؤلات وعزز الشك أكثر لدى المراقبين بحصول خلافات حادة.

واعترف مصدران من طالبان في الدوحة وكابول لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أن مشادة كلامية وقعت قبل أيام بين الملا عبد الغني برادر وخليل حقاني في القصر الرئاسي ليل الخميس أو الجمعة الماضية9_10 أيلول/سبتمبر. وقالت مصادر بي بي سي إنهم اشتبكوا في ذلك الوقت مع أنصارهم خارج الغرفة. وقال المصدر: “بعد تلك الحادثة انزعج الملا عبد الغني برادر وتوجه إلى قندهار.

زيارة قطرية عاجلة

بينما كانت رحى التشكيل الحكومي تطحن الآراء وعصا الضبط تحاول رأب الصدع كما “قال مراسل شبكة الجزيرة القطرية في 12 أيلول”، للوصول لتشكيلة وزارية توافقية؛ زار وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني الأحد (12 أيلول/سبتمبر 2021) كابول في زيارة سريعة مقتضبة استقبله وزير خارجية إمارة أفغانستان الإسلامية مولوي أمير خان متكي.

الزيارة التي تعتبر الأرفع على المستوى الدبلوماسي لأفغانستان منذ سيطرة حركة طالبان المتشددة على السلطة، جاءت بعد حادثة الخلاف يوم الجمعة 9/10 أيلول بين فريق برادر وحقاني.

هذه الزيارة جاءت بالتزامن مع بداية موجة الشائعات التي سرت في أوساط أفغانية معارضة على السوشيال ميديا بوجود خلافات بين أجنحة طالبانية وشبكة حقاني إحداها.

آنذاك، نقلت قناة الجزيرة في تقرير بتاريخ 12 أيلول أن المشاورات ركّزت على ضرورة تشكيل حكومة وطنية موسعة تضم كافة أطياف الشعب الأفغاني، وهذه النقطة مثلت الجزئية الأهم في المشاورات السياسية والدبلوماسية التي أجراها وزير الخارجية القطري مع قيادات طالبان.

في ضوء هذه المعطيات، يمكن فهم زيارة وزير الخارجية القطري، للضغط على الطرفين المتخاصمين ولاسيما شبكة حقاني للوصول إلى مصالحة لا يبدو فيها سيناريو فك أسر ملا برادر بعيداً.

جانب آخر كان التأكيد على صفة الانتقالية لهذه الحكومة لملاحظة تشكيل حكومة موسعة أكثر تمثيلاً في وقت لاحق كما يقتضي بيان اتفاق الدوحة الذي أنجزته قطر كوسيط بين طالبان الحركة الإسلامية المتشددة والولايات المتحدة ومجموعة من الممثلين عن أطراف دولية في شباط 2020.

يبدو أن الدوحة بثقلها الداعم المادي والإعلامي تريد أن تحفظ ماء وجهها كطرف راعي لاتفاق دَوْليّ وأن استعراض التشكيلة الحكومية الطالبانية الأخير للبرهنة على السيطرة الذي قامت به طالبان لا يمثل مصالح أفغانستان وأيضاً قطر.

لقد التقى الوزير الذي يتولى أيضاً منصب نائب رئيس الوزراء ويعد أحد أبرز الوسطاء في الأزمة الأفغانية عدداً من المسؤولين الأفغان على رأسهم رئيس الحكومة الانتقالية التي شكلتها طالبان الملا محمد حسن أخونده لكن ملا برادر لم يكن موجوداً.

سُئل برادر عن سبب عدم لقاءه بوزير الخارجية القطري عندما زار كابول يوم الأحد. ولم يُشاهد مرافقاً رئيس الوزراء الأفغاني بالإنابة الملا محمد حسن أخونده عندما التقى بالشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني كما يتضح من فيديو مراسم الاستقبال. كانت حُجة غريبة من برادر الشريك المؤسس لحركة طالبان في قوله: “لم نكن نعلم أن وزير الخارجية قادم من قطر. لو علمنا لكنا أجّلنا رحلتنا. وكنا في رحلة، لذلك لم ينعقد الاجتماع”.

“لم يكن من الممكن أن نعود من الرحلة للقاء وزير الخارجية. لو تلقينا الأخبار مسبقاً لكنا على الأرجح انضممنا إلى أصدقاء آخرين في الاجتماع.” في إشارة لكونه خارج العاصمة كابول.

وبرر مسؤولون في طالبان إن برادر ذهب إلى قندهار  مقر الزعيم الأعلى للجماعة هبة الله أخوند زاده. قد تكون الزيارة على خلفية خلافه الأخير مع خليل حقاني أو أنها لم تحدث أبدا. وعن العلاقات داخل طالبان، يتابع برادر القول: “الحمد لله نتمتع بعلاقات طيبة مع بعضنا البعض ونحترم بعضنا البعض. علاقاتنا أفضل من الأسرة”.

وكان برادر أول مسؤول بارز في طالبان يتواصل مباشرة مع رئيس أمريكي، حين تحدث هاتفياً مع دونالد ترامب في عام 2020. وقبل ذلك، وقع نيابة عن طالبان اتفاق الدوحة بشأن انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان.

برادر غير راضٍ عن التشكيلة الحكومية

ويأتي الفيديو الجديد بعد أن قال مسؤولون في طالبان لبي بي سي إن أنصار برادر اشتبكوا مع فصيل موالٍ لخليل الرحمن حقاني، وزير شؤون اللاجئين وهو شخصية بارزة في شبكة حقاني. وتقول مصادر شبكة” بي بي سي” إن الملا عبد الغني بارادار اختلف على تشكيل حكومة جديدة وحكومة تصريف أعمال لطالبان. وبحسب قولهم “لم يكن يريد حكومة جميع مسؤوليها قادة طالبان أو ملالي بل تشمل الأقليات مثل الهزارة والطاجيك والأوزبك. bbc

ونقل المصدر عن الملا عبد الغني برادار قوله “لقد اكتسبت طالبان الكثير من الخبرة على مدى السنوات العشرين الماضية”، ووعد المجتمع الدَّوْليّ في المكتب السياسي في قطر بتشكيل حكومة تضم الأقليات. وقالت الشبكة إن الخلاف اندلع لأن برادر كان غير راضٍ عن تشكيلة الحكومة المؤقتة. وتفيد تقارير بأن أصل الخلاف يرجع إلى انقسامات حول من يجب أن يُنسب له الفضل في انتصار طالبان في أفغانستان.

على هذا، يظهر ما حصل في الأسبوع المنصرم ظهور فريقان أحدهما أقل تشددّا وأكثر انفتاحاً والتزاماً باتفاق الدوحة الذي لحظ تمثيل موسع للأقليات كالهزارة الشيعة المدعومين من إيران وأقليات أخرى وأيضاً حضور وازن للمرأة في التمثيل السياسي والمجتمع المدني.

تركيز المشاورات بين وزير خارجية قطر وطالبان على الطبيعة المؤقتة للحكومة الحالية والعمل لتشكيل حكومة موسعة تشمل كل الأطراف يضع قطر أمام مسؤولياتها كطرف وسيط تحقق اتفاق دَوْليّ على أراضيها مع حركة طالبان. وليس من مصلحة قطر أن تؤول الأمور في اتجاه أكثر تشدّداً بينما ينظر العالم لطالبان ويستحضر قطر كوسيط مؤثر وذو علاقات واسعة بالحركة وتنظيمات جهادية وإسلامية مختلفة فاعلة في المنطقة.

كانت التهدئة عنوان الزيارة وتبريد الرؤوس الحامية، فيما يبدو أن الولايات المتحدة قبلت بضمانات قطرية بأن اتفاق الدوحة سيتحقق على الأرض في حال وصول الحركة للسلطة بالمشاركة أو بالقوة. الخلافات العميقة والصراعات داخل حركة طالبان ستعقّد المشهد وتصعّب التزامات قطر التي تبحث عن حفظ ماء وجهها بعد سنوات من تقديم نفسها كوسيط وضامن ومؤثر، لذلك فالخلافات الحادة غير مرحب بها في بدايات حكم طالبان التي تسعى لكسب تعاطف دَوْليّ معها واعتراف بشرعيتها مع ترحيب ومطالبة بالمساعدات الإنسانية.

هناك طرف أقل تشدداً بقليل يمثله فريق برادر إذا ما صحت الرواية تماما، يمثل في تطلعاته تنفيذ التزاماته التي وقّع عليها في اتفاق الدوحة شباط 2020 وهو ما يصب في مصلحة قطر وسعت إليه، هذا الالتزام منه لتطبيق الاتفاق يعني أنه طرف معترف به ينفذ شروطه في الاتفاق ومن غير المجدي الانقلاب على اتفاق فور الوصول للحكم في مثل تلك الصورة التي ظهرت بعد السيطرة على كابول التي قد تكون مبررة في الأيام الأولى ولكن ليس بعد مرور شهر وتشكيل حكومة انتقالية طالبانية بالكامل.

نقترب الآن من وضع اقتصادي مزري في أفغانستان، سيصل 90 بالمئة من الأفغانيين تحت خط الفقر، توجّهات للأمم المتحدة والمجموعة الدولية الضغط على طالبان من خلال المساعدات كما اقترح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش. أيضاً هناك أزمة إعادة تشكيل الجيش الأفغاني من جديد، وتصاعد أصوات الشعب المعارضة ولاسيما الحركة النسوية الأفغانية بلا خوف كما شهدنا في مقاطع فيديو.

والأهم كيفية تحقيق طالبان التزماها بضبط الأمن والاستقرار والالتزام بتعهدات حياد البلاد عن إيواء الحركات الجهادية الإسلامية التي بدأت ترشح من الشرق الأوسط باتجاه البلاد كالقاعدة، وظهور آخرها علناً في مقابلة مع زعيم فرع داعش الخراساني مع مراسلة السي ان ان. تحدياتٌ كثيرة أمام الحركة التي تعيد وتكرر أنها تعلمت خلال عشرين سنة مضت، ما يجعلها أمام سيناريو تنفيذ اتفاق الدوحة وتوسيع مروحة التمثيل التي ستنغّصها. نقرأ تحركات باكستانية ودول الجوار الأفغاني نحو فتح حوار وضغط على طالبان لتشكيل حكومة شاملة لضمان استقرار البلاد قد تؤتي أكلها. وفي حال بقي الوضع على ما هو عليه سنشهد انهيار البلاد أمنياً بينما ستصبح ساحة لكل التنظيمات سواء المضبوط منها بالمال أو المنفلت إلى حين قبول الحركة بمخرجات اتفاق الدوحة.

وائل سليمان

ليفانت نيوز _ خاص
مصادر:  cnn _ bbc _ تويتر

برادر "الأسير" إلى تمثيل الأقليات وجناح حقاني يعارض

تحليل إخباري

_ بعد غياب ملا برادر يظهر في مقطع فيديو مشكوك في مضمونه
_ شائعات تكتسب زخماً في الميديا الأفغانية
_ “الأسير” ملا برادر  يقرأ بيانه من ورقة بوجود مرافق مسلح
_ برادر يبرر: حيث كنت لا إنترنت ولا اتصال  ولم أعلم بزيارة وزير خارجية قطر!
_ زيارة قطرية عاجلة لضبط الإيقاع

_ الملا برادر يعارض التشكيلة الحكومية ويريد تمثيل الأقليات
_ قطر الداعمة لحكومة موسعة لحفظ ماء الوجه

 

بدأت الأقاويل تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي منذ عدة أيام بأن هناك خلافاً داخلياً بين جناحين في حركة طالبان. وما رشحت به وسائل التواصل ولاحقاً تبعتها شبكات الأخبار الكبرى تتقصى، أزاح المشهد فلتره الضبابي.

كشفت تنقيبات شبكة BBC عن خلاف حاد بين فريق خليل الرحمن حقاني، وزير شؤون اللاجئين وهو شخصية بارزة في شبكة حقاني المصنفة على لوائح الإرهاب وبين فريق ملا بعد الغني برادر النائب الأول لرئيس الوزراء بالوكالة وأحد مؤسسي حركة طالبان.

يتزعم شبكة حقاني سراج الدين حقاني، وهو وزير الداخلية في الحكومة الجديدة. وتورطت الشبكة في بعض أعنف الهجمات التي وقعت في أفغانستان ضد القوات الأفغانية والغربية في السنوات الأخيرة. وتصنّفها الولايات المتحدة  أنها منظمة إرهابية.

خلال الأسبوع المنصرم، رصدت شبكة CNN الأمريكية بأن قادة حركة طالبان قنّنوا جداً من ظهوراتهم في المناسبات ولا يسمحون بإجراء مقابلات معهم ويتحرك الكثير منهم في الخفاء ما جعل دُخَان الإشاعات كثيفاً وله أرضية واقعية.

في خضم هذه المعمعة على وسائل التواصل، أعلنت الحركة أن زعيمها سيظهر علناً لكنه لم يفعل وَسْط تكهنات تصاعدت حول وضعه الصحي حتى ذلك الحين.  إلى هنا عدّت وسائل إعلام من بينها شبكة “سي ان ان” وهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” أن هذا الغموض والتأخر يُغذّي الشائعات حول الحالة الصحية للقادة وتحديداً ملا برادر وخلافات داخلية قوية بين قيادات الحركة. لقد انتشرت شائعات على نطاق واسع خلال الأيام الماضية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بأن برادر أُصيب أو قُتل خلال نزاع بين فصيلين من طالبان في القصر الرئاسي.

لكن حتى مساء أمسِ الأربعاء، خرج علينا الملا في مقطع فيديو مسجل نشره التلفزيون الوطني الأفغاني بدا فيه متوتراً ونفى ما يتردد مؤخراً وشكر الله أنه بخير “وفيما يتعلق بمزاعم وسائل الإعلام بأن لدينا خلافات داخلية، فهذا ليس صحيحا أيضا”. وفي وقت سابق، مهّدت الحركة برسالة صوتية نشرها محمد نعيم، المتحدث باسم المكتب السياسي لطالبان في الدوحة، يوم الاثنين من الملا عبد الغني برادر قال فيها:

“مهما كانت الأخبار في وسائل الإعلام، كنت في رحلة في ذلك الوقت. الحمد لله، نحن جميعًا أصدقاء جاهزون. غالباً ما تنشر وسائل الإعلام مثل هذه الدعاية التي لا أساس لها من الصحة والأكاذيب المخزية ضدنا”. “تويتر محمد نعيم”

اكتسبت هذه الإشاعات زخماً كبيراً خلال الفترة الأخيرة ما جعل المتحدثين باسم الحركة يتجنبون الإجابة على تساؤلات بشأن أنباء عن إصابة أو مقتل النائب الأول لرئيس الوزراء بالوكالة في حكومتها الملا عبد الغني برادر، في اشتباك ما مع شبكة حقاني أو فصيل آخر، في كابول الأسبوع الماضي.

تأخّر برادر في الظهور… تسجيلات ضعيفة ومريبة

ظهر الملا عبد الغني برادر، الشريك المؤسس لحركة طالبان ونائب رئيس الوزراء بالوكالة متأخّراً، في “مقابلة تلفزيونية”، ليرد على التقارير التي تم تداولها عن إصابته ووقوع اشتباكات داخل القصر الرئاسي مع فصيل منافس من طالبان.

ونشر المسؤول الإعلامي في حركة طالبان أحمد الله متقي مقطع فيديو من دقيقتين و20 ثانية يظهر فيه ملا برادر ومعه ورقة فيها بيانه الذي كان يمسكها مساعده في بداية الفيديو وإلى جانبه عنصر مسلح.

لم يُنشر صوراً أو فيديو حتى وقت مقابلته البارحة، وهو ما شحذ التكهنات أيضاً بوجود خلافات حادة وربما اشتباكات مسلحة بين أجنحة في الحركة. وكانت آخر مرة شوهد فيها ملا برادر في ظهور عابر بأحد فنادق كابول في الأسبوع الأول من سبتمبر.

برّر برادر عدم خروجه وتأخره للرد على الإشاعات بأنه كان خارج كابول ولم يكن لديه اتصال بالإنترنت للرد على ما وصفه “الأخبار الكاذبة”. وأظهر المقطع القصير الذي نشره المكتب السياسي لطالبان في الدوحة على تويتر، برادر جالساً على أريكة بجوار مذيع في التلفزيون الحكومي، ويقرأ بيانه المقتضب من ورقة معدة مسبقاً على غير العادة في جو من الإعداد بدأ مشحوناً وغريباً وهذا ما أثار التساؤلات وعزز الشك أكثر لدى المراقبين بحصول خلافات حادة.

واعترف مصدران من طالبان في الدوحة وكابول لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أن مشادة كلامية وقعت قبل أيام بين الملا عبد الغني برادر وخليل حقاني في القصر الرئاسي ليل الخميس أو الجمعة الماضية9_10 أيلول/سبتمبر. وقالت مصادر بي بي سي إنهم اشتبكوا في ذلك الوقت مع أنصارهم خارج الغرفة. وقال المصدر: “بعد تلك الحادثة انزعج الملا عبد الغني برادر وتوجه إلى قندهار.

زيارة قطرية عاجلة

بينما كانت رحى التشكيل الحكومي تطحن الآراء وعصا الضبط تحاول رأب الصدع كما “قال مراسل شبكة الجزيرة القطرية في 12 أيلول”، للوصول لتشكيلة وزارية توافقية؛ زار وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني الأحد (12 أيلول/سبتمبر 2021) كابول في زيارة سريعة مقتضبة استقبله وزير خارجية إمارة أفغانستان الإسلامية مولوي أمير خان متكي.

الزيارة التي تعتبر الأرفع على المستوى الدبلوماسي لأفغانستان منذ سيطرة حركة طالبان المتشددة على السلطة، جاءت بعد حادثة الخلاف يوم الجمعة 9/10 أيلول بين فريق برادر وحقاني.

هذه الزيارة جاءت بالتزامن مع بداية موجة الشائعات التي سرت في أوساط أفغانية معارضة على السوشيال ميديا بوجود خلافات بين أجنحة طالبانية وشبكة حقاني إحداها.

آنذاك، نقلت قناة الجزيرة في تقرير بتاريخ 12 أيلول أن المشاورات ركّزت على ضرورة تشكيل حكومة وطنية موسعة تضم كافة أطياف الشعب الأفغاني، وهذه النقطة مثلت الجزئية الأهم في المشاورات السياسية والدبلوماسية التي أجراها وزير الخارجية القطري مع قيادات طالبان.

في ضوء هذه المعطيات، يمكن فهم زيارة وزير الخارجية القطري، للضغط على الطرفين المتخاصمين ولاسيما شبكة حقاني للوصول إلى مصالحة لا يبدو فيها سيناريو فك أسر ملا برادر بعيداً.

جانب آخر كان التأكيد على صفة الانتقالية لهذه الحكومة لملاحظة تشكيل حكومة موسعة أكثر تمثيلاً في وقت لاحق كما يقتضي بيان اتفاق الدوحة الذي أنجزته قطر كوسيط بين طالبان الحركة الإسلامية المتشددة والولايات المتحدة ومجموعة من الممثلين عن أطراف دولية في شباط 2020.

يبدو أن الدوحة بثقلها الداعم المادي والإعلامي تريد أن تحفظ ماء وجهها كطرف راعي لاتفاق دَوْليّ وأن استعراض التشكيلة الحكومية الطالبانية الأخير للبرهنة على السيطرة الذي قامت به طالبان لا يمثل مصالح أفغانستان وأيضاً قطر.

لقد التقى الوزير الذي يتولى أيضاً منصب نائب رئيس الوزراء ويعد أحد أبرز الوسطاء في الأزمة الأفغانية عدداً من المسؤولين الأفغان على رأسهم رئيس الحكومة الانتقالية التي شكلتها طالبان الملا محمد حسن أخونده لكن ملا برادر لم يكن موجوداً.

سُئل برادر عن سبب عدم لقاءه بوزير الخارجية القطري عندما زار كابول يوم الأحد. ولم يُشاهد مرافقاً رئيس الوزراء الأفغاني بالإنابة الملا محمد حسن أخونده عندما التقى بالشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني كما يتضح من فيديو مراسم الاستقبال. كانت حُجة غريبة من برادر الشريك المؤسس لحركة طالبان في قوله: “لم نكن نعلم أن وزير الخارجية قادم من قطر. لو علمنا لكنا أجّلنا رحلتنا. وكنا في رحلة، لذلك لم ينعقد الاجتماع”.

“لم يكن من الممكن أن نعود من الرحلة للقاء وزير الخارجية. لو تلقينا الأخبار مسبقاً لكنا على الأرجح انضممنا إلى أصدقاء آخرين في الاجتماع.” في إشارة لكونه خارج العاصمة كابول.

وبرر مسؤولون في طالبان إن برادر ذهب إلى قندهار  مقر الزعيم الأعلى للجماعة هبة الله أخوند زاده. قد تكون الزيارة على خلفية خلافه الأخير مع خليل حقاني أو أنها لم تحدث أبدا. وعن العلاقات داخل طالبان، يتابع برادر القول: “الحمد لله نتمتع بعلاقات طيبة مع بعضنا البعض ونحترم بعضنا البعض. علاقاتنا أفضل من الأسرة”.

وكان برادر أول مسؤول بارز في طالبان يتواصل مباشرة مع رئيس أمريكي، حين تحدث هاتفياً مع دونالد ترامب في عام 2020. وقبل ذلك، وقع نيابة عن طالبان اتفاق الدوحة بشأن انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان.

برادر غير راضٍ عن التشكيلة الحكومية

ويأتي الفيديو الجديد بعد أن قال مسؤولون في طالبان لبي بي سي إن أنصار برادر اشتبكوا مع فصيل موالٍ لخليل الرحمن حقاني، وزير شؤون اللاجئين وهو شخصية بارزة في شبكة حقاني. وتقول مصادر شبكة” بي بي سي” إن الملا عبد الغني بارادار اختلف على تشكيل حكومة جديدة وحكومة تصريف أعمال لطالبان. وبحسب قولهم “لم يكن يريد حكومة جميع مسؤوليها قادة طالبان أو ملالي بل تشمل الأقليات مثل الهزارة والطاجيك والأوزبك. bbc

ونقل المصدر عن الملا عبد الغني برادار قوله “لقد اكتسبت طالبان الكثير من الخبرة على مدى السنوات العشرين الماضية”، ووعد المجتمع الدَّوْليّ في المكتب السياسي في قطر بتشكيل حكومة تضم الأقليات. وقالت الشبكة إن الخلاف اندلع لأن برادر كان غير راضٍ عن تشكيلة الحكومة المؤقتة. وتفيد تقارير بأن أصل الخلاف يرجع إلى انقسامات حول من يجب أن يُنسب له الفضل في انتصار طالبان في أفغانستان.

على هذا، يظهر ما حصل في الأسبوع المنصرم ظهور فريقان أحدهما أقل تشددّا وأكثر انفتاحاً والتزاماً باتفاق الدوحة الذي لحظ تمثيل موسع للأقليات كالهزارة الشيعة المدعومين من إيران وأقليات أخرى وأيضاً حضور وازن للمرأة في التمثيل السياسي والمجتمع المدني.

تركيز المشاورات بين وزير خارجية قطر وطالبان على الطبيعة المؤقتة للحكومة الحالية والعمل لتشكيل حكومة موسعة تشمل كل الأطراف يضع قطر أمام مسؤولياتها كطرف وسيط تحقق اتفاق دَوْليّ على أراضيها مع حركة طالبان. وليس من مصلحة قطر أن تؤول الأمور في اتجاه أكثر تشدّداً بينما ينظر العالم لطالبان ويستحضر قطر كوسيط مؤثر وذو علاقات واسعة بالحركة وتنظيمات جهادية وإسلامية مختلفة فاعلة في المنطقة.

كانت التهدئة عنوان الزيارة وتبريد الرؤوس الحامية، فيما يبدو أن الولايات المتحدة قبلت بضمانات قطرية بأن اتفاق الدوحة سيتحقق على الأرض في حال وصول الحركة للسلطة بالمشاركة أو بالقوة. الخلافات العميقة والصراعات داخل حركة طالبان ستعقّد المشهد وتصعّب التزامات قطر التي تبحث عن حفظ ماء وجهها بعد سنوات من تقديم نفسها كوسيط وضامن ومؤثر، لذلك فالخلافات الحادة غير مرحب بها في بدايات حكم طالبان التي تسعى لكسب تعاطف دَوْليّ معها واعتراف بشرعيتها مع ترحيب ومطالبة بالمساعدات الإنسانية.

هناك طرف أقل تشدداً بقليل يمثله فريق برادر إذا ما صحت الرواية تماما، يمثل في تطلعاته تنفيذ التزاماته التي وقّع عليها في اتفاق الدوحة شباط 2020 وهو ما يصب في مصلحة قطر وسعت إليه، هذا الالتزام منه لتطبيق الاتفاق يعني أنه طرف معترف به ينفذ شروطه في الاتفاق ومن غير المجدي الانقلاب على اتفاق فور الوصول للحكم في مثل تلك الصورة التي ظهرت بعد السيطرة على كابول التي قد تكون مبررة في الأيام الأولى ولكن ليس بعد مرور شهر وتشكيل حكومة انتقالية طالبانية بالكامل.

نقترب الآن من وضع اقتصادي مزري في أفغانستان، سيصل 90 بالمئة من الأفغانيين تحت خط الفقر، توجّهات للأمم المتحدة والمجموعة الدولية الضغط على طالبان من خلال المساعدات كما اقترح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش. أيضاً هناك أزمة إعادة تشكيل الجيش الأفغاني من جديد، وتصاعد أصوات الشعب المعارضة ولاسيما الحركة النسوية الأفغانية بلا خوف كما شهدنا في مقاطع فيديو.

والأهم كيفية تحقيق طالبان التزماها بضبط الأمن والاستقرار والالتزام بتعهدات حياد البلاد عن إيواء الحركات الجهادية الإسلامية التي بدأت ترشح من الشرق الأوسط باتجاه البلاد كالقاعدة، وظهور آخرها علناً في مقابلة مع زعيم فرع داعش الخراساني مع مراسلة السي ان ان. تحدياتٌ كثيرة أمام الحركة التي تعيد وتكرر أنها تعلمت خلال عشرين سنة مضت، ما يجعلها أمام سيناريو تنفيذ اتفاق الدوحة وتوسيع مروحة التمثيل التي ستنغّصها. نقرأ تحركات باكستانية ودول الجوار الأفغاني نحو فتح حوار وضغط على طالبان لتشكيل حكومة شاملة لضمان استقرار البلاد قد تؤتي أكلها. وفي حال بقي الوضع على ما هو عليه سنشهد انهيار البلاد أمنياً بينما ستصبح ساحة لكل التنظيمات سواء المضبوط منها بالمال أو المنفلت إلى حين قبول الحركة بمخرجات اتفاق الدوحة.

وائل سليمان

ليفانت نيوز _ خاص
مصادر:  cnn _ bbc _ تويتر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit