شيركو دقوري لليفانت: من دون الفولكلور نفقد صلتنا بجذورنا وبماضينا

شيركو دقوري لليفانت من دون الفولكلور نفقد صلتنا بجذورنا وبماضينا
شيركو دقوري لليفانت: من دون الفولكلور نفقد صلتنا بجذورنا وبماضينا

عدتُ إلى الوطن لأنني شعرت بأنني أستطيع تحقيق شيء إيجابيّ هنا ولأنني سئمت الغربة وإشكالياتها الفولكلور 

• الاحتكاك مع موسيقى العالم بدون فقدان الخصوصية المحلية شيء صعب التحقيق ويحتاج إلى وعي ودعم

• المتخصص يركز على مجالٍ ضيقٍ بشكلٍ يشبه إلقاء شعاع ليزريّ على بقعة محددة فينيرها بقوة ويستكشفها بتعمق

• ثقافتنا تمر بمرحلة من الركود والانحلال، فتطور اللغة الكردية الكرمانجية بطيءٌ ولا يرقى إلى مستوى طموحنا وحاجتنا

• إن الموسيقى الكردية خطت خطواتٍ صغيرة نحو العالمية وما زالت بحاجةٍ إلى وقتٍ وعمل دؤوب للوصول إلى مراحل أكثر تقدماً

• بالنسبة للتاريخ والعلوم الاجتماعية والفلسفة فأعمل على زيادة معرفتي في هذه المجالات الواسعة وأخطط بصبرٍ لعددٍ من الإسهامات في قادم الأيام.

جاء ذلك في حوار خاص مع الفنان والموسيقار الأكاديمي شيركو دقوري، والذي حصل على شهادة ماجستير في التأليف الموسيقي من الكلية الملكية للموسيقى في ستوكهولم السويد ( 2013 – 2015)، وكذلك حصل على شهادة بكالوريوس في التأليف الموسيقي الغربي من الكلية الملكية في ستوكهولم السويد (2010 – 2013)، شهادة ترجمة (عربي –سويدي) من معهد wik بأبسالا وأومبيو بالسويد (2016- 2021)، شهادة ielts في اللغة الإنكليزية (2004 ).

شيركو دقوري

وفيما يلي نص الجوار كاملاً:

– منذ خمسة أعوام، عاد المؤلف والمترجم شيركو دقوري إلى الوطن بعد أربع عشرة سنة من الاغتراب. مُنذ ذاك الوقت وإلى الآن هل حققت أهدافك التي كنت ترغب بتحقيقها على أرض الوطن؟

أعتقد أنني بدأت بتحقيقها. طبعاً التأليف الموسيقي والترجمة والبحث في التاريخ هي أمورٌ يمكن للمرء القيام بها حيثما كان، لكن راحة العيش في المنزل الذي ترعرعت فيه ببلدك وبين أهلك لا نظير لها في أي مكانٍ آخر. الإنترنت جعل من العالم قريةً صغيرة، ويمكنني من هنا متابعة آخر الكتب والبحوث والتطورات في العالم. عدتُ إلى الوطن لأنني شعرت بأنني أستطيع تحقيق شيء إيجابيّ هنا ولأنني سئمت الغربة وإشكالياتها، والآن ومع المؤلفات الجديدة التي أعمل عليها وسلسلة ترجماتي للشعر العالمي إلى الكردية وتأسيس فرقة كولتورفان والنشاطات الفنية التي أقوم بها في دمشق أرى أنني أسير على الطريق الصحيح رغم معرفتي بأن الطريق ما زال طويلاً. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ عملي هنا في بلدي يعطي معنىً أعمق وأقوى للجهود التي أبذلها رغم المعوقات والإحباطات بسبب الأوضاع المضطربة.

– الموسيقى لغة العالم، برأيك كيف ينظر الغرب إلى الموسيقى الكردية؟ وهل وصلت الموسيقى الكردية إلى العالمية؟

جملة “الموسيقى لغة العالم” فيها بعض المبالغة، فالتقاليد الموسيقية للعديد من شعوب العالم لا يمكن فهمها إلا بعد تعويد الأذن عبر الاستماع إليها لفتراتٍ طويلة، تماماً كأن تتعلم لغةً جديدة.. بكل الأحوال ليست العالمية معياراً بالنسبة لي، لكن يمكننا القول بأن الموسيقى الكردية خطت خطواتٍ صغيرة نحو العالمية وما زالت بحاجةٍ إلى وقتٍ وعمل دؤوب للوصول إلى مراحل أكثر تقدماً. لكنني أعتقد أن الأهم من الوصول إلى العالمية هو الوصول إلى فنٍّ كرديٍّ يدمج التقنيات والأساليب الموسيقية الحديثة مع روح التراث الكردي لتواكب الموسيقى الكردية العصر وتكتسب غنىً وتعبيريةً أكبر مع الحفاظ على خصوصيتها. الاحتكاك مع موسيقى العالم بدون فقدان الخصوصية المحلية شيء صعب التحقيق ويحتاج إلى وعيٍ ودعم. توفير التعليم الموسيقي الجيد للموهوبين هو أيضاً عاملٌ أساسي للوصول إلى هذا الهدف.

– لمَ هذا التنقل بين المجالات (التأليف الموسيقي، الترجمة، تاريخ الفكر)؟ أهو رغبة في التعمق أم أنّ لكل مجال لوناً خاصاً، وما هو المجال الذي ترغب في تطويره، وما السبب؟

أعتقد أنّ الحياة لا يمكن فهمها من خلال التخصص في مجالٍ واحدٍ فقط رغم أهمية التخصص. هدفي هو أن أصل إلى فهمٍ أعمق لواقعنا وكذلك لحال العالم، وهذه إحدى رغباتي منذ زمن طويل، وهي رغبةٌ تتطلب الاطلاع على مجالاتٍ متنوعة للتمكن من رؤية الأمور من جوانب عدة. المتخصص يركز على مجالٍ ضيقٍ بشكلٍ يشبه إلقاء شعاعٍ ليزريٍّ على بقعةٍ محددة فينيرها بقوة ويستكشفها بتعمقٍ، أما الباحث متعدد الاهتمامات فيسعى إلى إيضاح الصورة العامة لربط الأمور ببعضها البعض ولاستخراج معنىً منها، تماماً كتسليط الضوء على مساحة واسعة لنتمكن من رؤية جميع محتوياتها وتضاريسها. اختياري لدراسة تاريخ الفكر في جامعة أوميو السويدية نابعٌ من أن هذا الفرع يعطي الدارسين مجالاً لتناول القضايا الفكرية من جوانب متعددة. التأليف الموسيقي اهتمام قديم وأثيرٌ عندي ولا يمكنني أن أتخيل العيش من دونه.

في هذا المجال أعمل على استخدام التقنيات الغربية، كالهارموني والكاونتربوينت والتوزيع، لإغناء الموسيقى الكردية من دون التخلي عن روحها المميزة. أما فيما يخص ترجمة الشعر فإنها تأتي أولاً من حبي واهتمامي بالشعر، خاصةً الحديث والمعاصر، وثانياً لأنني أشعر أنه من واجبي تجاه لغتي الأم أن أنقل الشعر العالمي إليها بما أنني أتقن الكردية والإنجليزية والسويدية وأستطيع ترجمة الشعر من لغات أخرى أيضاً بالمقارنة مع الترجمة الإنكليزية. هناك نقصٌ كبير في هذا المضمار، لذا فإن هدفي هو أن يتسنى للشعراء والمهتمين من الجيل الكردي الجديد قراءة القصائد العالمية بلغتهم الأم، وآمل أن يساعد هذا على إغناء الشعر الكردي ولحاقه بركب الشعر المعاصر. أما بالنسبة للتاريخ والعلوم الاجتماعية والفلسفة فأعمل على زيادة معرفتي في هذه المجالات الواسعة وأخطط بصبرٍ لعددٍ من الإسهامات في قادم الأيام.

– هل لفن شيركو دقوري طابع وأسلوب خاص يعبر عن شعوره ويميزه عن غيره؟

كل فنان يسعى للوصول إلى لغةٍ مميزةٍ له، لكن بالنهاية يكون الحكم حول نجاحه في هذا المسعى للجمهور والمختصين. الأساس هو أن يعبر الفنان عن نفسه وفكرته الفنية بصدق، فإذا كان الفنان موهوباً وعبر عن نفسه بصدقٍ فسيأتي التميز من تلقاء نفسه. في حالتي لا أستطيع التأليف بالوسائل التقليدية التي تستخدمها الموسيقى الكردية إذ أجدها محدودةً، لكن بالمقابل لا أريد التأليف ضمن المدارس الغربية البحتة أيضاً. الحل كان بطبيعة الحال دمج التراثين، وأعتقد أن السمة التي يمكن لها أن تميز أعمالي هي طريقة الدمج بين الشرق والغرب. ما زلت على سبيل المثال أكتب ضمن المقامات الشرقية وأحافظ على أرباع الدرجات لكن مع استخدام الأكوردات، وهذا يعطي طابعاً خاصاً للموسيقى. إحدى مشاريعي القادمة هي تأليف سمفونية قد تكون التجربة الكردية الأولى في القالب السيمفوني.

– من المشاريع التي شاركت فيها مؤخراً مركز كولتورفان الثقافي، ومن ضمن نشاطاته تدريبك لفرقة موسيقية وأيضاً دورات موسيقية حيث يتم تعليم العديد من الآلات الموسيقية (مَي، دودوك، بلور، كمان، تشيللو، دف، بندير، غناء)، ما هي آلية التعليم ضمن هذا المركز، وما هي الفئات العمرية المستهدفة؟

الفرقة الموسيقية عندنا تتألف من 5 ـ 6 عازفين، والغاية منها تقديم التراث الكردي، بالإضافة إلى أعمال أخرى متنوعة بشكلٍ حديث ومميز. نحن نمر الآن بمرحلة تدريبية ونستعد لطرح أولى نتاجاتنا في هذا الخريف. نأمل أيضاً أن تساهم نشاطات فرقتنا في تحفيز الفن والثقافة بشكلٍ عام في المنطقة. تعليم العزف على الآلات الموسيقية والغناء في مركزنا متاحٌ للطلاب من كافة الأعمار والمستويات بشكل إفرادي أو ضمن مجموعات صغيرة، حيث يتم التركيز على الجانبين النظري والعملي بشكل متوازن لإعطاء الطالب إلماماً كافياً بالآلة والخلفية النظرية للمعزوفات التي يتعلمها.

الأساتذة عندنا عازفون محترفون ويقومون بالتدريس وفقاً لمناهج معروفة. لقد ركزنا منذ البداية على تنوع الآلات وأردنا إدراج آلاتٍ جديدة في عامودا، كآلة المَي والدودوك والبلور والدف والتشيلو والكمان، لإغناء الحياة الموسيقية في البلدة بدلاً من التركيز فقط على آلة الطمبور/ الباغلمة.

– ما هي الإشكاليات والمعضلات التي لاحظتها في الوطن بعد عودتك من المهجر؟

رغم أنني لم أنقطع عن الوطن لفتراتٍ طويلة، إلا أنّ أول ما يلاحظه المرء بعد عبوره معبر سيمالكا ودخوله لروجافا هو الإهمال. أداء المؤسسات ضعيف ومن الواضح أن الطباع والعقليات الموروثة من الماضي، كالفساد والمحسوبيات والواسطات والتشبث بالمناصب، تنخر في عقل قسمٍ كبيرٍ من الشعب والنخب، على حدٍّ سواء، وتمنع تبلور حركة وطنية جادة ونزيهة وقريبة من الناس. الانتماءات الفردية والعائلية والعشائرية ما زالت في المقدمة، مع وجود بعض الاستثناءات بالطبع، وبشكلٍ عام نستطيع القول بأننا وشعوب العالم الثالث عموماً لم نتعلم بعد معنى الانتماء لدولةٍ مركزيةٍ ورؤية مصلحتنا كأفراد من خلالها. طبعاً التدخلات الخارجية التي لا تنتهي وحالة الحرب كان لها دورٌ هام في زيادة مشاكل المنطقة وتضخيم سلبياتها. للأسف كنت أشعر بتفاؤلٍ أكبر عندما عدت قبل خمس سنوات. التهديد الدائم من تركيا وعدم تحسن أداء السلطات في منطقتنا أديا إلى الإحباط والرغبة في الهجرة عند الكثيرين.

– هل من رسالة خاصةً توجهها عبر موقع ليفانت.. ولمن؟

رسالتي تخص وضع الثقافة الكردية، وهي موجهة للكرد الغيورين على لغتهم وثقافتهم، مؤسسات وأفراد، سواء في الوطن أم في المهجر: ثقافتنا تمر بمرحلة من الركود والانحلال، فتطور اللغة الكردية الكرمانجية بطيء ولا يرقى إلى مستوى طموحنا وحاجتنا، كما أن تأثير العولمة يبعِد الكرد عن تراثهم وفنونهم التي تعود جذورها إلى آلاف السنين، وتحمل قدراً كبيراً من الغنى والجمال. إذا كانت ثقافتنا ولغتنا هي هويتنا فيجب علينا إذاً أن نُبقيها حيةً ومزدهرة، وهذا لا يمكن أن يتم عبر الجهود الفردية فقط، بل عبر دعمٍ مقدمٍ من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، مثلاً عن طريق دعم إقامة المهرجانات والمعارض الفنية والأمسيات الأدبية والعروض السينمائية، وعبر دعم الكُتاب والموسيقيين والمخرجين في تنفيذ أعمالهم ونشرها. من دون الفولكلور يفقد الإنسان صلته بجذوره وبماضي شعبه ويسهل صهره في بوتقة الآخرين. الوسائل التي ذكرتُها فعالة وناجعة لتشجيع الثقافة والفنون، ومثل هذا التشجيع يجب أن يُعتَبَر من الأولويات في ظل محاولة بعض الدول محو الهوية الكردية.

ليفانت – مكتب القامشلي ليفانت

إيفا إبراهيم

عدتُ إلى الوطن لأنني شعرت بأنني أستطيع تحقيق شيء إيجابيّ هنا ولأنني سئمت الغربة وإشكالياتها الفولكلور 

• الاحتكاك مع موسيقى العالم بدون فقدان الخصوصية المحلية شيء صعب التحقيق ويحتاج إلى وعي ودعم

• المتخصص يركز على مجالٍ ضيقٍ بشكلٍ يشبه إلقاء شعاع ليزريّ على بقعة محددة فينيرها بقوة ويستكشفها بتعمق

• ثقافتنا تمر بمرحلة من الركود والانحلال، فتطور اللغة الكردية الكرمانجية بطيءٌ ولا يرقى إلى مستوى طموحنا وحاجتنا

• إن الموسيقى الكردية خطت خطواتٍ صغيرة نحو العالمية وما زالت بحاجةٍ إلى وقتٍ وعمل دؤوب للوصول إلى مراحل أكثر تقدماً

• بالنسبة للتاريخ والعلوم الاجتماعية والفلسفة فأعمل على زيادة معرفتي في هذه المجالات الواسعة وأخطط بصبرٍ لعددٍ من الإسهامات في قادم الأيام.

جاء ذلك في حوار خاص مع الفنان والموسيقار الأكاديمي شيركو دقوري، والذي حصل على شهادة ماجستير في التأليف الموسيقي من الكلية الملكية للموسيقى في ستوكهولم السويد ( 2013 – 2015)، وكذلك حصل على شهادة بكالوريوس في التأليف الموسيقي الغربي من الكلية الملكية في ستوكهولم السويد (2010 – 2013)، شهادة ترجمة (عربي –سويدي) من معهد wik بأبسالا وأومبيو بالسويد (2016- 2021)، شهادة ielts في اللغة الإنكليزية (2004 ).

شيركو دقوري

وفيما يلي نص الجوار كاملاً:

– منذ خمسة أعوام، عاد المؤلف والمترجم شيركو دقوري إلى الوطن بعد أربع عشرة سنة من الاغتراب. مُنذ ذاك الوقت وإلى الآن هل حققت أهدافك التي كنت ترغب بتحقيقها على أرض الوطن؟

أعتقد أنني بدأت بتحقيقها. طبعاً التأليف الموسيقي والترجمة والبحث في التاريخ هي أمورٌ يمكن للمرء القيام بها حيثما كان، لكن راحة العيش في المنزل الذي ترعرعت فيه ببلدك وبين أهلك لا نظير لها في أي مكانٍ آخر. الإنترنت جعل من العالم قريةً صغيرة، ويمكنني من هنا متابعة آخر الكتب والبحوث والتطورات في العالم. عدتُ إلى الوطن لأنني شعرت بأنني أستطيع تحقيق شيء إيجابيّ هنا ولأنني سئمت الغربة وإشكالياتها، والآن ومع المؤلفات الجديدة التي أعمل عليها وسلسلة ترجماتي للشعر العالمي إلى الكردية وتأسيس فرقة كولتورفان والنشاطات الفنية التي أقوم بها في دمشق أرى أنني أسير على الطريق الصحيح رغم معرفتي بأن الطريق ما زال طويلاً. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ عملي هنا في بلدي يعطي معنىً أعمق وأقوى للجهود التي أبذلها رغم المعوقات والإحباطات بسبب الأوضاع المضطربة.

– الموسيقى لغة العالم، برأيك كيف ينظر الغرب إلى الموسيقى الكردية؟ وهل وصلت الموسيقى الكردية إلى العالمية؟

جملة “الموسيقى لغة العالم” فيها بعض المبالغة، فالتقاليد الموسيقية للعديد من شعوب العالم لا يمكن فهمها إلا بعد تعويد الأذن عبر الاستماع إليها لفتراتٍ طويلة، تماماً كأن تتعلم لغةً جديدة.. بكل الأحوال ليست العالمية معياراً بالنسبة لي، لكن يمكننا القول بأن الموسيقى الكردية خطت خطواتٍ صغيرة نحو العالمية وما زالت بحاجةٍ إلى وقتٍ وعمل دؤوب للوصول إلى مراحل أكثر تقدماً. لكنني أعتقد أن الأهم من الوصول إلى العالمية هو الوصول إلى فنٍّ كرديٍّ يدمج التقنيات والأساليب الموسيقية الحديثة مع روح التراث الكردي لتواكب الموسيقى الكردية العصر وتكتسب غنىً وتعبيريةً أكبر مع الحفاظ على خصوصيتها. الاحتكاك مع موسيقى العالم بدون فقدان الخصوصية المحلية شيء صعب التحقيق ويحتاج إلى وعيٍ ودعم. توفير التعليم الموسيقي الجيد للموهوبين هو أيضاً عاملٌ أساسي للوصول إلى هذا الهدف.

– لمَ هذا التنقل بين المجالات (التأليف الموسيقي، الترجمة، تاريخ الفكر)؟ أهو رغبة في التعمق أم أنّ لكل مجال لوناً خاصاً، وما هو المجال الذي ترغب في تطويره، وما السبب؟

أعتقد أنّ الحياة لا يمكن فهمها من خلال التخصص في مجالٍ واحدٍ فقط رغم أهمية التخصص. هدفي هو أن أصل إلى فهمٍ أعمق لواقعنا وكذلك لحال العالم، وهذه إحدى رغباتي منذ زمن طويل، وهي رغبةٌ تتطلب الاطلاع على مجالاتٍ متنوعة للتمكن من رؤية الأمور من جوانب عدة. المتخصص يركز على مجالٍ ضيقٍ بشكلٍ يشبه إلقاء شعاعٍ ليزريٍّ على بقعةٍ محددة فينيرها بقوة ويستكشفها بتعمقٍ، أما الباحث متعدد الاهتمامات فيسعى إلى إيضاح الصورة العامة لربط الأمور ببعضها البعض ولاستخراج معنىً منها، تماماً كتسليط الضوء على مساحة واسعة لنتمكن من رؤية جميع محتوياتها وتضاريسها. اختياري لدراسة تاريخ الفكر في جامعة أوميو السويدية نابعٌ من أن هذا الفرع يعطي الدارسين مجالاً لتناول القضايا الفكرية من جوانب متعددة. التأليف الموسيقي اهتمام قديم وأثيرٌ عندي ولا يمكنني أن أتخيل العيش من دونه.

في هذا المجال أعمل على استخدام التقنيات الغربية، كالهارموني والكاونتربوينت والتوزيع، لإغناء الموسيقى الكردية من دون التخلي عن روحها المميزة. أما فيما يخص ترجمة الشعر فإنها تأتي أولاً من حبي واهتمامي بالشعر، خاصةً الحديث والمعاصر، وثانياً لأنني أشعر أنه من واجبي تجاه لغتي الأم أن أنقل الشعر العالمي إليها بما أنني أتقن الكردية والإنجليزية والسويدية وأستطيع ترجمة الشعر من لغات أخرى أيضاً بالمقارنة مع الترجمة الإنكليزية. هناك نقصٌ كبير في هذا المضمار، لذا فإن هدفي هو أن يتسنى للشعراء والمهتمين من الجيل الكردي الجديد قراءة القصائد العالمية بلغتهم الأم، وآمل أن يساعد هذا على إغناء الشعر الكردي ولحاقه بركب الشعر المعاصر. أما بالنسبة للتاريخ والعلوم الاجتماعية والفلسفة فأعمل على زيادة معرفتي في هذه المجالات الواسعة وأخطط بصبرٍ لعددٍ من الإسهامات في قادم الأيام.

– هل لفن شيركو دقوري طابع وأسلوب خاص يعبر عن شعوره ويميزه عن غيره؟

كل فنان يسعى للوصول إلى لغةٍ مميزةٍ له، لكن بالنهاية يكون الحكم حول نجاحه في هذا المسعى للجمهور والمختصين. الأساس هو أن يعبر الفنان عن نفسه وفكرته الفنية بصدق، فإذا كان الفنان موهوباً وعبر عن نفسه بصدقٍ فسيأتي التميز من تلقاء نفسه. في حالتي لا أستطيع التأليف بالوسائل التقليدية التي تستخدمها الموسيقى الكردية إذ أجدها محدودةً، لكن بالمقابل لا أريد التأليف ضمن المدارس الغربية البحتة أيضاً. الحل كان بطبيعة الحال دمج التراثين، وأعتقد أن السمة التي يمكن لها أن تميز أعمالي هي طريقة الدمج بين الشرق والغرب. ما زلت على سبيل المثال أكتب ضمن المقامات الشرقية وأحافظ على أرباع الدرجات لكن مع استخدام الأكوردات، وهذا يعطي طابعاً خاصاً للموسيقى. إحدى مشاريعي القادمة هي تأليف سمفونية قد تكون التجربة الكردية الأولى في القالب السيمفوني.

– من المشاريع التي شاركت فيها مؤخراً مركز كولتورفان الثقافي، ومن ضمن نشاطاته تدريبك لفرقة موسيقية وأيضاً دورات موسيقية حيث يتم تعليم العديد من الآلات الموسيقية (مَي، دودوك، بلور، كمان، تشيللو، دف، بندير، غناء)، ما هي آلية التعليم ضمن هذا المركز، وما هي الفئات العمرية المستهدفة؟

الفرقة الموسيقية عندنا تتألف من 5 ـ 6 عازفين، والغاية منها تقديم التراث الكردي، بالإضافة إلى أعمال أخرى متنوعة بشكلٍ حديث ومميز. نحن نمر الآن بمرحلة تدريبية ونستعد لطرح أولى نتاجاتنا في هذا الخريف. نأمل أيضاً أن تساهم نشاطات فرقتنا في تحفيز الفن والثقافة بشكلٍ عام في المنطقة. تعليم العزف على الآلات الموسيقية والغناء في مركزنا متاحٌ للطلاب من كافة الأعمار والمستويات بشكل إفرادي أو ضمن مجموعات صغيرة، حيث يتم التركيز على الجانبين النظري والعملي بشكل متوازن لإعطاء الطالب إلماماً كافياً بالآلة والخلفية النظرية للمعزوفات التي يتعلمها.

الأساتذة عندنا عازفون محترفون ويقومون بالتدريس وفقاً لمناهج معروفة. لقد ركزنا منذ البداية على تنوع الآلات وأردنا إدراج آلاتٍ جديدة في عامودا، كآلة المَي والدودوك والبلور والدف والتشيلو والكمان، لإغناء الحياة الموسيقية في البلدة بدلاً من التركيز فقط على آلة الطمبور/ الباغلمة.

– ما هي الإشكاليات والمعضلات التي لاحظتها في الوطن بعد عودتك من المهجر؟

رغم أنني لم أنقطع عن الوطن لفتراتٍ طويلة، إلا أنّ أول ما يلاحظه المرء بعد عبوره معبر سيمالكا ودخوله لروجافا هو الإهمال. أداء المؤسسات ضعيف ومن الواضح أن الطباع والعقليات الموروثة من الماضي، كالفساد والمحسوبيات والواسطات والتشبث بالمناصب، تنخر في عقل قسمٍ كبيرٍ من الشعب والنخب، على حدٍّ سواء، وتمنع تبلور حركة وطنية جادة ونزيهة وقريبة من الناس. الانتماءات الفردية والعائلية والعشائرية ما زالت في المقدمة، مع وجود بعض الاستثناءات بالطبع، وبشكلٍ عام نستطيع القول بأننا وشعوب العالم الثالث عموماً لم نتعلم بعد معنى الانتماء لدولةٍ مركزيةٍ ورؤية مصلحتنا كأفراد من خلالها. طبعاً التدخلات الخارجية التي لا تنتهي وحالة الحرب كان لها دورٌ هام في زيادة مشاكل المنطقة وتضخيم سلبياتها. للأسف كنت أشعر بتفاؤلٍ أكبر عندما عدت قبل خمس سنوات. التهديد الدائم من تركيا وعدم تحسن أداء السلطات في منطقتنا أديا إلى الإحباط والرغبة في الهجرة عند الكثيرين.

– هل من رسالة خاصةً توجهها عبر موقع ليفانت.. ولمن؟

رسالتي تخص وضع الثقافة الكردية، وهي موجهة للكرد الغيورين على لغتهم وثقافتهم، مؤسسات وأفراد، سواء في الوطن أم في المهجر: ثقافتنا تمر بمرحلة من الركود والانحلال، فتطور اللغة الكردية الكرمانجية بطيء ولا يرقى إلى مستوى طموحنا وحاجتنا، كما أن تأثير العولمة يبعِد الكرد عن تراثهم وفنونهم التي تعود جذورها إلى آلاف السنين، وتحمل قدراً كبيراً من الغنى والجمال. إذا كانت ثقافتنا ولغتنا هي هويتنا فيجب علينا إذاً أن نُبقيها حيةً ومزدهرة، وهذا لا يمكن أن يتم عبر الجهود الفردية فقط، بل عبر دعمٍ مقدمٍ من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، مثلاً عن طريق دعم إقامة المهرجانات والمعارض الفنية والأمسيات الأدبية والعروض السينمائية، وعبر دعم الكُتاب والموسيقيين والمخرجين في تنفيذ أعمالهم ونشرها. من دون الفولكلور يفقد الإنسان صلته بجذوره وبماضي شعبه ويسهل صهره في بوتقة الآخرين. الوسائل التي ذكرتُها فعالة وناجعة لتشجيع الثقافة والفنون، ومثل هذا التشجيع يجب أن يُعتَبَر من الأولويات في ظل محاولة بعض الدول محو الهوية الكردية.

ليفانت – مكتب القامشلي ليفانت

إيفا إبراهيم

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit