سياسة الفوضى الخلّاقة والتدخل الفاعل

كمال اللبواني
كمال اللبواني

اعتمد الغرب الذي أدمن العقل الاستعماري على التدخل في شؤون الدول الأخرى التي اضطر لإعطائها استقلالها الشكلي بعد الحرب العالمية الثانية، وتصارعت دول الناتو والمعسكر الشرقي في السيطرة على أنظمة هذه الدول، سياسياً وعسكرياً، خلال الحرب الباردة.

لكن بعد انهيار المنظومة السوفيتية، وجد الغرب نفسه وحيداً في السيطرة على العالم، ووجد أنه من المكلف بذل جهود مضنية لمتابعة السيطرة وسط تنامي أساليب الرفض الشعبي لهذه الأنظمة عند شعوب بدأت تدرك قيمة النظم الديموقراطية التي أنتجت دولة الرفاهية، وهكذا رويداً رويداً تعالت التحليلات والدراسات التي تشرح ضرورة مساعدة تلك الشعوب لتحقيق التحول الديموقراطي، والتخلّي عن نظم القمع والتحكم التي باتت عقبة أمام تنامي الطلب والاستهلاك والتبادل التجاري.

فالمصالح الاقتصادية المعولمة فرضت نفسها كمرجعية للسياسات في الدول المتقدمة، وهكذا نشأت نظرية الفوضى الخلاقة كنظرية سياسية تبرر التخلّي عن دعم النظم المتحكمة بالشعوب، فالدول المصطنعة التي أنتجتها السياسات الاستعمارية، والنظم المستبدة التي اعتمدتها كبديل عن جيوش الاحتلال، أصبحت بلا قيمة، بل معيقة لازدهار التجارة وزيادة الاستهلاك الذي صار ضرورياً لمعالجة أزمة الكساد الصناعي المتنامي، وعليه رفعت الدول النافذة الغطاء عن النظم المستبدة التي دعمتها في معظم المناطق لكي تتقدم الشعوب لتصحيح نظمها واجتماعها السياسي الحر في معظم دول العالم، ما عدا المنطقة العربية تقريباً، لأنّه في تلك الفترة نشأت وترعرعت ظاهرة الإرهاب الإسلامي في تلك الدول وصارت تهدد الغرب الذي تراجع بسرعة عن دعم التحول الديموقراطي فيها، والاعتماد على النظم المستبدة في الحرب على ظاهرة الإرهاب، رغم أنّه في التحليل الأخير نتجت ظاهرة الإرهاب عن تأخر التحوّل الديموقراطي وتعثره وتخلّف الدول وتنامي الفقر والجهل والأزمات.

لم يكن الغرب المذعور من ظاهرة الإرهاب في حالة تسمح له بالتخلّي عن التدخل في شعوب بدأت ترد له الصاع صاعين وفي عقر داره، بل اعتمد سياسة هجومية باحتلال دول والسيطرة المباشرة عليها، ولكن احتلاله لها نتج عنه حالة فوضى أكبر وإرهاباً أكبر، مما اضطره للانسحاب تاركاً تلك الدول والمجتمعات في حالة من الفوضى الشاملة، عززها اندلاع الربيع العربي الذي حطم معظم النظم دون أن يستطيع أن يبني البديل، بسبب قوة نفوذ منظمات التطرّف وثقافة العداء للغرب وقيمه، التي هي فعلياً نتيجة سياسته السابقة.

تعتبر فترة ترامب هي آخر محاولة لدعم نظم الاستبداد تقوم بها الإدارة الأمريكية بعد تخلّي أوروبا نهائياً عن سياسة الهيمنة، وهنا تدخلت روسيا لإنقاذ بعض الأنظمة وتولي مهمة دعمها في مواجهة شعوبها مسترجعة ذكريات الدولة السوفيتية البائدة، حتى جاء بايدن برؤية واضحة ونهائية تقول إن العالم قد تغيّر وسياسات أمريكا يجب أن تتغير، ويجب أن تكف أمريكا عن التدخل في العالم وتدير شؤونها وفقاً لمصالحها وقيمها فقط، وتترك للعوامل الطبيعية فعل فعلها في إعادة تنظيم الاجتماع السياسي في دول العالم التي لم تعد مسؤولية الدولة الكبرى المهيمنة.

فالعالم الإسلامي، وبشكل خاص العربي، قد ترك بحالة فوضى شاملة، يعتقد الكثيرون أنها نتيجة مقصودة لسياسة الفوضى الخلاقة التي اعتمدتها أمريكا، لكن في الحقيقة تلك السياسة كانت نتيجة فهم صحيح لتغير العالم، فما حصل ليس نتيجة سياسة بل نتيجة قوى طبيعية فرضت نفسها وفرضت على أمريكا قبول ذلك واعتماده كسياسة معلنة ورسمية.

سوف تحاول روسيا والصين والدول الشمولية أن تدافع عن نموذجها ونفسها في مواجهة تلك الفوضى التي تهدد كياناتها القسرية، لكن ذلك سيسرع من انتشار مرض الفوضى إليها، فالعالم في النهاية سيعود لتنظيم نفسه بقواه الطبيعية، وليس وفقاً لاتفاقيات سايكس بيكو، والشعوب ستجد لنفسها طريقها للحرية والديموقراطية من خلال الحرية التي لا بد ستمر بمرحلة الفوضى بعد تحطيم نظم القهر والقمع والسجون والاحتلال.

كمال البواني

ليفانت – كمال اللبواني

اعتمد الغرب الذي أدمن العقل الاستعماري على التدخل في شؤون الدول الأخرى التي اضطر لإعطائها استقلالها الشكلي بعد الحرب العالمية الثانية، وتصارعت دول الناتو والمعسكر الشرقي في السيطرة على أنظمة هذه الدول، سياسياً وعسكرياً، خلال الحرب الباردة.

لكن بعد انهيار المنظومة السوفيتية، وجد الغرب نفسه وحيداً في السيطرة على العالم، ووجد أنه من المكلف بذل جهود مضنية لمتابعة السيطرة وسط تنامي أساليب الرفض الشعبي لهذه الأنظمة عند شعوب بدأت تدرك قيمة النظم الديموقراطية التي أنتجت دولة الرفاهية، وهكذا رويداً رويداً تعالت التحليلات والدراسات التي تشرح ضرورة مساعدة تلك الشعوب لتحقيق التحول الديموقراطي، والتخلّي عن نظم القمع والتحكم التي باتت عقبة أمام تنامي الطلب والاستهلاك والتبادل التجاري.

فالمصالح الاقتصادية المعولمة فرضت نفسها كمرجعية للسياسات في الدول المتقدمة، وهكذا نشأت نظرية الفوضى الخلاقة كنظرية سياسية تبرر التخلّي عن دعم النظم المتحكمة بالشعوب، فالدول المصطنعة التي أنتجتها السياسات الاستعمارية، والنظم المستبدة التي اعتمدتها كبديل عن جيوش الاحتلال، أصبحت بلا قيمة، بل معيقة لازدهار التجارة وزيادة الاستهلاك الذي صار ضرورياً لمعالجة أزمة الكساد الصناعي المتنامي، وعليه رفعت الدول النافذة الغطاء عن النظم المستبدة التي دعمتها في معظم المناطق لكي تتقدم الشعوب لتصحيح نظمها واجتماعها السياسي الحر في معظم دول العالم، ما عدا المنطقة العربية تقريباً، لأنّه في تلك الفترة نشأت وترعرعت ظاهرة الإرهاب الإسلامي في تلك الدول وصارت تهدد الغرب الذي تراجع بسرعة عن دعم التحول الديموقراطي فيها، والاعتماد على النظم المستبدة في الحرب على ظاهرة الإرهاب، رغم أنّه في التحليل الأخير نتجت ظاهرة الإرهاب عن تأخر التحوّل الديموقراطي وتعثره وتخلّف الدول وتنامي الفقر والجهل والأزمات.

لم يكن الغرب المذعور من ظاهرة الإرهاب في حالة تسمح له بالتخلّي عن التدخل في شعوب بدأت ترد له الصاع صاعين وفي عقر داره، بل اعتمد سياسة هجومية باحتلال دول والسيطرة المباشرة عليها، ولكن احتلاله لها نتج عنه حالة فوضى أكبر وإرهاباً أكبر، مما اضطره للانسحاب تاركاً تلك الدول والمجتمعات في حالة من الفوضى الشاملة، عززها اندلاع الربيع العربي الذي حطم معظم النظم دون أن يستطيع أن يبني البديل، بسبب قوة نفوذ منظمات التطرّف وثقافة العداء للغرب وقيمه، التي هي فعلياً نتيجة سياسته السابقة.

تعتبر فترة ترامب هي آخر محاولة لدعم نظم الاستبداد تقوم بها الإدارة الأمريكية بعد تخلّي أوروبا نهائياً عن سياسة الهيمنة، وهنا تدخلت روسيا لإنقاذ بعض الأنظمة وتولي مهمة دعمها في مواجهة شعوبها مسترجعة ذكريات الدولة السوفيتية البائدة، حتى جاء بايدن برؤية واضحة ونهائية تقول إن العالم قد تغيّر وسياسات أمريكا يجب أن تتغير، ويجب أن تكف أمريكا عن التدخل في العالم وتدير شؤونها وفقاً لمصالحها وقيمها فقط، وتترك للعوامل الطبيعية فعل فعلها في إعادة تنظيم الاجتماع السياسي في دول العالم التي لم تعد مسؤولية الدولة الكبرى المهيمنة.

فالعالم الإسلامي، وبشكل خاص العربي، قد ترك بحالة فوضى شاملة، يعتقد الكثيرون أنها نتيجة مقصودة لسياسة الفوضى الخلاقة التي اعتمدتها أمريكا، لكن في الحقيقة تلك السياسة كانت نتيجة فهم صحيح لتغير العالم، فما حصل ليس نتيجة سياسة بل نتيجة قوى طبيعية فرضت نفسها وفرضت على أمريكا قبول ذلك واعتماده كسياسة معلنة ورسمية.

سوف تحاول روسيا والصين والدول الشمولية أن تدافع عن نموذجها ونفسها في مواجهة تلك الفوضى التي تهدد كياناتها القسرية، لكن ذلك سيسرع من انتشار مرض الفوضى إليها، فالعالم في النهاية سيعود لتنظيم نفسه بقواه الطبيعية، وليس وفقاً لاتفاقيات سايكس بيكو، والشعوب ستجد لنفسها طريقها للحرية والديموقراطية من خلال الحرية التي لا بد ستمر بمرحلة الفوضى بعد تحطيم نظم القهر والقمع والسجون والاحتلال.

كمال البواني

ليفانت – كمال اللبواني

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit